Muḥyī al-Dīn Ibn al-ʿArabī · al-Futūḥāt al-makkiyya
The Meccan Openings: the author's introduction and chapter 1 (the youth at the Kaʿba)
الفتوحات المكية: خطبة الكتاب والباب الأول في معرفة الروح
About the vowels: added by AI; uncertain words are underlined
The source of this text, a printed edition or a manuscript, has few or no vowel marks, as is usual for such texts. The vowels shown were added by AI and checked against an independent grammatical analyser; the few words where the two disagree are underlined as uncertain. Choose “Unvowelled” under Aa to read the letters alone.
- ¶ 0،،،،.
In the name of God, the All-Merciful, the Compassionate. May God bless our master Muḥammad. Praise belongs to God, who brought things into existence out of a non-existence and out of its non-existence, and made their existence depend upon the directing of His Word. He did this so that we might thereby realize the secret of their temporal origination and of their eternity, which derives from His eternity, and so that, in this realization, we might come to rest upon what He has made known to us of the sure footing of truth He has laid down.
AI - ¶ 1،،،،،،،،،،،،،،
So He—glory be to Him—became manifest, brought forth into manifestation, and made manifest, and He was not hidden; and yet He was hidden and made hidden. The existence of the servant's entity established for Him the name the First, though that name had already been established; and the decree of annihilation and loss established for Him the name the Last, though it too had been established before that. Were it not for time and the one who lives within it, for the ignorant and the one who knows by experience, no one would have known the meaning of His names the First and the Last, nor of the Inward and the Outward. His Most Beautiful Names all follow this most sublime path, yet they differ from one another in their ranks. This difference becomes clear when they are taken as means of recourse when calamities befall. The servant of the Forbearing is not the servant of the Generous.
AI - ¶ 2،،،،،،،،،،،،،
The servant of the All-Forgiving (ʿabd al-Ghafūr) is not the servant of the All-Thankful (ʿabd al-Shakūr). Every servant has a name that is his Lord, and he is a body for that name, which precedes him. So He, glory be to Him, is the All-Knowing who knew and caused to know; the Judge who judged and appointed others to judge; the Overpowering who overpowered and enabled others to overpower; and the Powerful who determined, and [the servant] acquired, yet [the servant] had no power. He is the Everlasting, in whom the attribute of everlastingness does not subsist; and the Holy, who in witnessing is hallowed above any facing or encounter. Rather, in that most transcendent abode it is the servant who is drawn into transcendence (tanzīh). It is not that He, glorified and exalted is He, is overtaken by likening (tashbīh) in that most exalted station. So in that presence the directions fall away from the servant,
AI - ¶ 3،،،،،،،،:
…and when the gaze takes its stand in him, all turning away from Him ceases to exist. I praise Him with the praise of one who knows that He, glory be to Him, is exalted in His attributes and exalts, is majestic in His Essence and makes manifest. The veil of inaccessible might hangs down before the splendours of His Face, and the door to comprehending knowledge of His Essence is locked. If He addresses His servant, He is the one who causes hearing and He is the Hearer. If He performs what He has commanded to be performed, He is the Obeyed and the Obeying. When this reality bewildered me, I recited these verses to creation, according to the rule of the Path:
AI - ¶ 4......،،،،،،،
The Lord is real, and the servant is real — would that I knew who is the one charged with obligation! If you say 'a servant', that one is dead; or if you say 'a Lord', how could He be charged? So He, glory be to Him, obeys Himself, when He wills, through His creation, and renders Himself His due in respect of whatever obligation owed to His right has become incumbent upon Him. There is nothing, then, but empty phantoms, 'fallen in upon their roofs' [Q 2:259; 22:45]. In the echo's returning of the voice lies the secret of what we have alluded to, for whoever is rightly guided. And I thank Him with the thanks of one who has come to realize that through the imposition of obligation the name 'the Worshipped' became manifest, and that through the existence of the reality of 'There is no strength and no power except through God' the reality of generosity became manifest; otherwise…
AI - ¶ 5
فَإِذَا جَعَلْتَ الْجَنَّةَ جَزَاءً لِمَا عَمِلْتَ ، فَأَيْنَ الْجُودُ الْإِلَهِيُّ الَّذِي عَقَلْتَ ؟ فَأَنْتَ عَنِ الْعِلْمِ بِأَنَّكَ لِذَاتِكَ مَوْهُوبٌ ، وَعَنِ الْعِلْمِ بِأَصْلِ نَفْسِكَ مَحْجُوبٌ ، فَإِذَا كَانَ مَا تَطْلُبُ بِهِ الْجَزَاءَ لَيْسَ لَكَ ، فَكَيْفَ تَرَى عَمَلَكَ ؟ فَاتْرُكِ الْأَشْيَاءَ وَخَالِقَهَا ، وَالْمَرْزُوقَاتِ وَرَازِقَهَا ، فَهُوَ الْوَاهِبُ سُبْحَانَهُ الَّذِي لَا يَمَلُّ ، وَالْمَلِكُ الَّذِي عَزَّ سُلْطَانُهُ وَجَلَّ ، اللَّطِيفُ بِعِبَادِهِ الْخَبِيرُ ، الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ وَالصَّلَاةُ عَلَى سِرِّ الْعَالَمِ وَنُكْتَتِهِ ، وَمَطْلَبِ الْعَالَمِ وَبُغْيَتِهِ ، السَّيِّدِ الصَّادِقِ ،
Quotes the Quran 42:11 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 6
الْمُدْلِجِ إِلَى رَبِّهِ الطَّارِقِ ، الْمُخْتَرَقِ بِهِ السَّبْعُ الطَّرَائِقُ ، لِيُرِيَهُ مَنْ أَسْرَى بِهِ مَا أَوْدَعَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْحَقَائِقِ ، فِيمَا أَبْدَعَ مِنَ الْخَلَائِقِ ، الَّذِي شَاهَدْتُهُ عِنْدَ إِنْشَائِي هَذِهِ الْخُطْبَةَ فِي عَالَمِ حَقَائِقِ الْمِثَالِ ، فِي حَضْرَةِ الْجَلَالِ ، مُكَاشَفَةً قَلْبِيَّةْ ، فِي حَضْرَةٍ غَيْبِيَّةْ ،
- ¶ 7
وَلَمَّا شَهِدْتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْعَالَمِ سَيِّدًا مَعْصُومَ الْمَقَاصِدِ مَحْفُوظَ الْمَشَاهِدِ ، مَنْصُورًا مُؤَيَّدًا ، وَجَمِيعُ الرُّسُلِ بَيْنَ يَدَيْهِ مُصْطَفَّونَ ، وَأُمَّتُهُ الَّتِي هِيَ خَيْرُ أُمَّةٍ عَلَيْهِ مُلْتَفُّونَ ، وَمَلَائِكَةُ التَّسْخِيْرِ مِنْ حَوْلِ عَرْشِ مَقَامِهِ حَافُّونَ ، وَالْمَلَائِكَةُ الْمُوَلِّدَةُ مِنَ الْأَعْمَالِ بَيْنَ يَدَيْهِ صَافُّونَ ، وَالصِّدِّيقُ عَلَى يَمِينِهِ الْأَنْفَسِ ، وَالْفَارُوقُ عَلَى يَسَارِهِ الْأَقْدَسِ ، وَالْخَتْمُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْ حَثَى ، يُخْبِرُهُ بِحَدِيثِ الْأُنْثَى ، وَعَلِيٌّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُتَرْجِمُ عَنِ الْخَتْمِ بِلِسَانِهِ ، وَذُو النُّورَيْنِ مُشْتَمِلٌ بِرِدَاءِ حَيَائِهِ مُقْبِلٌ عَلَى شَانِهِ ،
- ¶ 8
فَالْتَفَتَ السَّيِّدُ الْأَعْلَى ، وَالْمَوْرِدُ الْعَذْبُ الْأَحْلَى ، وَالنُّورُ الْأَكْشَفُ الْأَجْلَى ، فَرَآنِي وَرَاءَ الْخَتْمِ ، لِاشْتِرَاكٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي الْحُكْمِ ، فَقَالَ لَهُ السَّيِّدُ هَذَا عَدِيلُكَ ، وَابْنُكَ وَخَلِيلُكَ ، انْصِبْ لَهُ مِنْبَرَ الطَّرَفَاءِ بَيْنَ يَدَيَّ ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَيَّ أَنْ قُمْ يَا مُحَمَّدُ عَلَيْهِ فَأَثْنِ عَلَى مَنْ أَرْسَلَنِي وَعَلَيَّ ، فَإِنَّ فِيكَ شَعْرَةً مِنِّي ، لَا صَبْرَ لَهَا عَنِّي ، هِيَ السُّلْطَانَةُ فِي ذَاتِيَّتِكَ ، فَلَا تَرْجِعْ إِلَيَّ إِلَّا بِكُلِّيَّتِكَ ، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى اللِّقَاءِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَالَمِ الشَّقَاءِ ،
- ¶ 9
فَمَا كَانَ مِنِّي بَعْدَ بَعْثِي شَيْءٌ فِي شَيْءٍ إِلَّا سَعِدَ ، وَكَانَ مِمَّنْ شَكَرَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَحَمِدَ ، فَنَصَبَ الْخَتْمُ الْمِنْبَرَ ، فِي ذَلِكَ الْمَشْهَدِ الْأَخْطَرِ ، وَعَلَى جَبْهَةِ الْمِنْبَرِ مَكْتُوبٌ بِالنُّورِ الْأَزْهَرِ : هَذَا هُوَ الْمَقَامُ الْمُحَمَّدِيُّ الْأَطْهَرُ ، مَنْ رَقِيَ فِيهِ فَقَدْ وَرِثَهُ ، وَأَرْسَلَهُ الْحَقُّ حَافِظًا لِحُرْمَةِ الشَّرِيعَةِ وَبَعَثَهُ ، وَوُهِبْتُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَوَاهِبَ الْحِكَمِ ، حَتَّى كَأَنِّي أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ، فَشَكَرْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَعِدْتُ أَعْلَاهُ ، وَحَصَلْتُ فِي مَوْضِعِ وُقُوفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُسْتَوَاهُ ،
- ¶ 10
وَبُسِطَ لِي عَلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي أَنَا فِيهَا كُمُّ قَمِيصٍ أَبْيَضَ فَوَقَفْتُ عَلَيْهِ ، حَتَّى لَا أُبَاشِرَ الْمَوْضِعَ الَّذِي بَاشَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَمَيْهِ ، تَنْزِيهًا لَهُ وَتَشْرِيفًا ، وَتَنْبِيهًا لَنَا وَتَعْرِيفًا ، أَنَّ الْمَقَامَ الَّذِي شَاهَدَهُ مِنْ رَبِّهِ ، لَا يُشَاهِدُهُ الْوَرَثَةُ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ ثَوْبِهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَشَفْنَا مَا كَشَفَ ، وَعَرَفْنَا مَا عَرَفَ ، أَلَا تَرَى مَنْ تَقْفُو أَثَرَهُ ، لِتَعْلَمَ خَبَرَهُ ؟
- ¶ 11
لَا تُشَاهِدُ مِنْ طَرِيقِ سُلُوكِهِ مَا شَهِدَ مِنْهُ ، وَلَا تَعْرِفُ كَيْفَ تُخْبِرُ بِسَلْبِ الْأَوْصَافِ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ شَاهَدَ مَثَلًا تُرَابًا مُسْتَوِيًا لَا صِفَةَ لَهُ فَمَشَى عَلَيْهِ ، وَأَنْتَ عَلَى أَثَرِهِ لَا تُشَاهِدُ إِلَّا أَثَرَ قَدَمَيْهِ ، وَهُنَا سِرٌّ خَفِيٌّ إِنْ بَحَثْتَ عَلَيْهِ ، وَصَلْتَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ إِمَامٌ ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْأَمَامُ ، لَا يُشَاهِدُ أَثَرًا وَلَا يَعْرِفُهُ ، فَقَدْ كَشَفْتَ مَا لَا يَكْشِفُهُ ، وَهَذَا الْمَقَامُ قَدْ ظَهَرَ ، فِي إِنْكَارِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى الْخَضِرِ ،
- ¶ 12
فَلَمَّا وَقَفْتُ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ الْأَسْنَى ، بَيْنَ يَدَيْ مَنْ كَانَ مِنْ رَبِّهِ فِي لَيْلَةِ إِسْرَائِهِ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ، قُمْتُ مُقَنَّعًا خَجِلًا ، ثُمَّ أُيِّدْتُ بِرُوحِ الْقُدُسِ فَافْتَتَحْتُ مُرْتَجِلًا :
Quotes the Quran 53:9 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 13
يَا مُنْزِلَ الْآيَاتِ وَالْأَنْبَاءِ . . . أَنْزِلْ عَلَيَّ مَعَالِمَ الْأَسْمَاءِ حَتَّى أَكُونَ لِحَمْدِ ذَاتِكَ جَامِعًا . . . بِمَحَامِدِ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ثُمَّ أَشَرْتُ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
- ¶ 14
وَيَكُونَ هَذَا السَّيِّدَ العَلَمَ الَّذِي . . . جَرَّدْتُهُ مِنْ ذِرْوَةِ الخُلَفَاءِ وَجَعَلْتُهُ الأَصْلَ الكَرِيمَ وَآدَمُ . . . مَا بَيْنَ طِينَةِ خَلْقِهِ وَالمَاءِ وَنَقَلْتَهُ حَتَّى اسْتَدَارَ زَمَانُهُ . . . وَعَطَفْتَ آخِرَهُ عَلَى الإِبْدَاءِ وَأَقَمْتَهُ عَبْدًا ذَلِيلًا خَاضِعًا . . . دَهْرًا يُنَاجِيكُمْ بِغَارِ حِرَاءِ حَتَّى أَتَاهُ مُبَشِّرًا مِنْ عِنْدِكُمْ . . . جِبْرِيلُ المَخْصُوصُ بِالإِنْبَاءِ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَنْتَ مُحَمَّدٌ . . . سِرُّ العِبَادِ وَخَاتَمُ النُّبَآءِ يَا سَيِّدِي حَقًّا أَقُولُ فَقَالَ لِي . . . صِدْقًا نَطَقْتَ فَأَنْتَ ظِلُّ رِدَائِي
- ¶ 15
فَاحْمَدْ وَزِدْ فِي حَمْدِ رَبِّكَ جَاهِدًا . . . فَلَقَدْ وُهِبْتَ حَقَائِقَ الأَشْيَاءِ وَانْثُرْ لَنَا مِنْ شَأْنِ رَبِّكَ مَا انْجَلَى . . . لِفُؤَادِكَ الْمَحْفُوظِ فِي الظَّلْمَاءِ مِنْ كُلِّ حَقٍّ قَائِمٍ بِحَقِيقَةٍ . . . يَأْتِيكَ مَمْلُوكًا بِغَيْرِ شِرَاءِ
- ¶ 16
ثُمَّ شَرَعْتُ فِي الْكَلَامِ ، بِلِسَانِ الْعَلَّامِ ، فَقُلْتُ وَأَشَرْتُ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَمِدْتُ مَنْ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ الْمَكْنُونَ ، الَّذِي لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ ، الْمُنَزَّلَ بِحُسْنِ شِيَمِكَ ، وَتَنْزِيهِكَ عَنِ الْآفَاتِ وَتَقْدِيسِكَ ، فَقَالَ فِي سُورَةِ نُونٍ :
Quotes the Quran 56:79 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 17
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ نٓ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ثُمَّ غَمَسَ قَلَمَ الْإِرَادَةِ فِي مِدَادِ الْعِلْمِ وَخَطَّ بِيَمِينِ الْقُدْرَةِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الْمَصُونِ ، كُلَّ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ وَسَيَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ ، مِمَّا لَوْ شَاءَ وَهُوَ لَا يَشَاءُ أَنْ يَكُونَ ، لَكَانَ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ قَدَرِهِ الْمَعْلُومِ الْمَوْزُونِ ، وَعِلْمِهِ الْكَرِيمِ الْمَخْزُونِ فَسُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ذَلِكَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ ،
Quotes the Quran 68:1 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 68:2 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 68:3 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 68:4 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 68:5 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 37:180 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 18
فَتَعَالَى عَمَّا أَشْرَكَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ ، فَكَانَ أَوَّلُ اسْمٍ كَتَبَهُ ذَلِكَ الْقَلَمُ الْأَسْمَى ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءْ ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْلُقَ مِنْ أَجْلِكَ يَا مُحَمَّدُ الْعَالَمَ الَّذِي هُوَ مُلْكُكَ فَاخْلُقْ جَوْهَرَةَ الْمَا ، فَخَلَقْتُهَا دُونَ حِجَابِ الْعِزَّةِ الْأَحْمَى ، وَأَنَا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ مَعِي فِي عَمَا ، فَخَلَقَ الْمَاءَ سُبْحَانَهُ بَرْدَةً جَامِدَةً كَالْجَوْهَرَةِ فِي الِاسْتِدَارَةِ وَالْبَيَاضْ ، وَأَوْدَعَ فِيهَا بِالْقُوَّةِ ذَوَاتِ الْأَجْسَامِ وَذَوَاتِ الْأَعْرَاضْ ،
- ¶ 19
ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ وَاسْتَوَى عَلَيْهِ اسْمُهُ الرَّحْمَنُ ، وَنَصَبَ الْكُرْسِيَّ وَتَدَلَّتْ إِلَيْهِ الْقَدَمَانِ ، فَنَظَرَ بِعَيْنِ الْجَلَالِ إِلَى تِلْكَ الْجَوْهَرَةِ فَذَابَتْ حَيَاءً ، وَتَحَلَّلَتْ أَجْزَاؤُهَا فَسَالَتْ مَاءً ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ ، قَبْلَ وُجُودِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ، وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ إِذْ ذَاكَ إِلَّا حَقَائِقُ الْمُسْتَوَى عَلَيْهِ وَالْمُسْتَوِي وَالِاسْتِوَاءِ ، فَأَرْسَلَ النَّفَسَ فَتَمَوَّجَ الْمَاءُ مِنْ زَعْزَعِهِ وَأَزْبَدَ ، وَصَوَّتَ بِحَمْدِ الْحَمْدِ الْمَحْمُودِ الْحَقِّ عِنْدَمَا ضَرَبَ بِسَاحِلِ الْعَرْشِ فَاهْتَزَّ السَّاقُ وَقَالَ لَهُ :
- ¶ 20
أَنَا أَحْمَدُ ، فَخَجِلَ الْمَاءُ وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى يُرِيدُ ثَبَجَهُ ، وَتَرَكَ زَبَدَهُ بِالسَّاحِلِ الَّذِي أَنْتَجَهُ ، فَهُوَ مَخْضَةُ ذَلِكَ الْمَاءِ ، الْحَاوِي عَلَى أَكْثَرِ الْأَشْيَاءِ ، فَأَنْشَأَ سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلِكَ الزَّبَدِ الْأَرْضَ ، مُسْتَدِيرَةَ النَّشْءِ مَدْحِيَّةَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ ، ثُمَّ أَنْشَأَ الدُّخَانَ مِنْ نَارِ احْتِكَاكِ الْأَرْضِ عِنْدَ فَتْقِهَا فَفَتَقَ فِيهِ السَّمَوَاتِ الْعُلَى ، وَجَعَلَهُ مَحَلَّ الْأَنْوَارِ وَمَنَازِلَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى ، وَقَابَلَ بِنُجُومِهَا الْمُزَيَّنَةِ لَهَا النَّيِّرَاتِ ، مَا زَيَّنَ بِهِ الْأَرْضَ مِنْ أَزْهَارِ النَّبَاتِ ، وَتَفَرَّدَ تَعَالَى لِآدَمَ وَوَلَدَيْهِ ، بِذَاتِهِ جَلَّتْ عَنِ التَّشْبِيهِ وَيَدَيْهِ ،
- ¶ 21
فَأَقَامَ نَشْأَةً جَسَدِيَّةً ، وَسَوَّاهَا تَسْوِيَتَيْنِ تَسْوِيَةَ انْقِضَاءِ أَمَدِهِ ، وَقَبُولِ أَبَدِهِ ، وَجَعَلَ مَسْكَنَ هَذِهِ النَّشْأَةِ نُقْطَةَ كُرَةِ الْوُجُودِ وَأَخْفَى عَيْنَهَا ، ثُمَّ نَبَّهَ عِبَادَهُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ، فَإِذَا انْتَقَلَ الْإِنْسَانُ إِلَى بَرْزَخِ الدَّارِ الْحَيَوَانِ مَارَتْ قُبَّةُ السَّمَاءِ وَانْشَقَّتْ فَكَانَتْ شُعْلَةَ نَارٍ سَيَّالٍ كَالدِّهَانِ ، فَمَنْ فَهِمَ حَقَائِقَ الْإِضَافَاتِ ، عَرَفَ مَا ذَكَرْنَا لَهُ مِنَ الْإِشَارَاتِ ، فَيَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ قُبَّةً لَا تَقُومُ مِنْ غَيْرِ عَمَدٍ ، كَمَا لَا يَكُونُ وَالِدٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ،
Quotes the Quran 13:2 · text of the quotation verified against Tanzil
Alludes to the Quran 4:171
- ¶ 22
فَالْعَمَدُ هُوَ الْمَعْنَى الْمَاسِكُ ، فَإِنْ لَمْ تُرِدْ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانَ فَاجْعَلْهُ قُدْرَةَ الْمَالِكِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَاسِكٍ يُمْسِكُهَا ، وَهِيَ مُمْلَكَةٌ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَالِكٍ يَمْلِكُهَا ، وَمَنْ مُسِكَتْ مِنْ أَجْلِهِ فَهُوَ مَاسِكُهَا ، وَمَنْ وُجِدَتْ لَهُ بِسَبَبِهِ فَهُوَ مَالِكُهَا ،
- ¶ 23
وَلَمَّا أَبْصَرَتْ حَقَائِقُ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ عِنْدَ قَبْضِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعَدَمِ وَالْوُجُودِ وَهِيَ حَالَةُ الْإِنْشَاءِ حُسْنَ النِّهَايَةِ بِعَيْنِ الْمُوَافَقَةِ وَالْهِدَايَةِ ، وَسُوءَ الْغَايَةِ بِعَيْنِ الْمُخَالَفَةِ وَالْغَوَايَةِ ، سَارَعَتِ السَّعِيدَةُ إِلَى الْوُجُودِ وَظَهَرَ مِنَ الشَّقِيَّةِ التَّثَبُّطُ وَالْإِبَايَةُ ، وَلِهَذَا أَخْبَرَ الْحَقُّ عَنْ حَالَةِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ : أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ يُشِيرُ إِلَى تِلْكَ السُّرْعَةِ ، وَقَالَ فِي الْأَشْقِيَاءِ :
Quotes the Quran 23:61 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 24
فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ يُشِيرُ إِلَى تِلْكَ الرَّجْعَةِ ، فَلَوْلَا هُبُوبُ تِلْكَ النَّفَحَاتِ عَلَى الْأَجْسَادِ مَا ظَهَرَ فِي هَذَا الْعَالَمِ سَالِكُ غَيٍّ وَلَا رَشَادٍ ، وَلِتِلْكَ السُّرْعَةِ وَالتَّثَبُّطِ أَخْبَرْتَنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ ، أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ هَكَذَا نَسَبَ الرَّاوِي إِلَيْكَ ،
Quotes the Quran 9:46 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes a hadith: al-Bukhārī, Tawḥīd 55; Muslim, Tawba 14
- ¶ 25
ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ الْحَقَائِقَ عَلَى عَدَدِ أَسْمَاءِ حَقِّهِ ، وَأَظْهَرَ مَلَائِكَةَ التَّسْخِيرِ عَلَى عَدَدِ خَلْقِهِ ، فَجَعَلَ لِكُلِّ حَقِيقَةٍ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ تَعْبُدُهُ وَتَعْلَمُهُ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ سِرِّ حَقِيقَةٍ مَلَكًا يَخْدُمُهُ وَيَلْزَمُهُ ، فَمِنَ الْحَقَائِقِ مَنْ حَجَبَتْهُ رُؤْيَةُ نَفْسِهِ عَنِ اسْمِهِ ، فَخَرَجَ عَنْ تَكْلِيفِهِ وَحُكْمِهِ ، فَكَانَ لَهُ مِنَ الْجَاحِدِينَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَّتَ اللَّهُ أَقْدَامَهُ وَاتَّخَذَ اسْمَهُ إِمَامَهُ ، وَحَقَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ الْعَلَامَةَ ، وَجَعَلَهُ أَمَامَهُ ، فَكَانَ لَهُ مِنَ السَّاجِدِينَ .
- ¶ 26
ثُمَّ اسْتَخْرَجَ مِنَ الْأَبِ الْأَوَّلِ أَنْوَارَ الْأَقْطَابِ شُمُوسًا تَسْبَحُ فِي أَفْلَاكِ الْمَقَامَاتِ ، وَاسْتَخْرَجَ أَنْوَارَ النُّجَبَاءِ نُجُومًا تَسْبَحُ فِي أَفْلَاكِ الْكَرَامَاتِ ، وَثَبَّتَ الْأَوْتَادَ الْأَرْبَعَةَ لِلْأَرْبَعَةِ الْأَرْكَانِ ، فَانْحَفَظَ بِهِمُ الثَّقَلَانِ ، فَأَزَالُوا مَيْدَ الْأَرْضِ وَحَرَكَتَهَا ، فَسَكَنَتْ وَازَّيَّنَتْ بِحُلِيِّ أَزْهَارِهَا وَحُلَلِ نَبَاتِهَا وَأَخْرَجَتْ بَرَكَتَهَا ، فَتَنَعَّمَتْ أَبْصَارُ الْخَلْقِ بِمَنْظَرِهَا الْبَهِيِّ ، وَمَشَامُّهُمْ بِرِيحِهَا الْعِطْرِيِّ وَأَحْنَاكُهُمْ بِمَطْعُومِهَا الشَّهِيِّ ، ثُمَّ أَرْسَلَ الْأَبْدَالَ السَّبْعَةَ إِرْسَالَ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ، مُلُوكًا عَلَى السَّبْعَةِ الْأَقَالِيمِ ، لِكُلِّ بَدَلٍ إِقْلِيمٌ ، وَوَزَّرَ لِلْقُطْبِ الْإِمَامَيْنِ ، وَجَعَلَهُمَا إِمَامَيْنِ عَلَى الزِّمَامَيْنِ ،
- ¶ 27
فَلَمَّا أَنْشَأَ الْعَالَمَ عَلَى غَايَةِ الْإِتْقَانِ ، وَلَمْ يَبْقَ أَبْدَعُ مِنْهُ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ فِي الْإِمْكَانِ ، وَأَبْرَزَ جَسَدَكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ لِلْعِيَانِ ، أَخْبَرَ عَنْكَ الرَّاوِي أَنَّكَ قُلْتَ يَوْمًا فِي مَجْلِسِكَ : إِنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ بَلْ هُوَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ .
Quotes a hadith: cf. al-Bukhārī, Badʾ al-khalq 1 (كان الله ولم يكن شيء غيره)
- ¶ 28
وَهَكَذَا هِيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ حَقَائِقُ الأَكْوَانِ ، فَمَا زَادَتْ هَذِهِ الحَقِيقَةُ عَلَى جَمِيعِ الحَقَائِقِ ، إِلَّا بِكَوْنِهَا سَابِقَةً وَهُنَّ لَوَاحِقُ ، إِذْ مَنْ لَيْسَ مَعَ شَيْءٍ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ وَلَوْ خَرَجَتِ الحَقَائِقُ عَلَى غَيْرِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي العِلْمِ ، لَانْمَازَتْ عَنِ الحَقِيقَةِ المُنَزَّهَةِ بِهَذَا الحُكْمِ ، وَالحَقَائِقُ الآنَ فِي الحُكْمِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي العِلْمِ ، فَلْنَقُلْ كَانَتْ وَلَا شَيْءَ مَعَهَا مِنْ وُجُودِهَا ، وَهِيَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَتْ فِي عِلْمِ مَعْبُودِهَا ، فَقَدْ شَمِلَ هَذَا الخَبَرُ الَّذِي أُطْلِقَ عَلَى الحَقِّ ،
- ¶ 29
جَمِيعَ الْخَلْقِ ، وَلَا تَعْتَرِضْ بِتَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ ، فَإِنَّهَا تَرِدُ عَلَيْكَ بِوُجُودِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ، وَأَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا مُخْتَلِفَاتٌ ، فَلَوْلَا مَا بَيْنَ الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ سَبَبٌ رَابِطٌ وَكَسْبٌ صَحِيحٌ ضَابِطٌ ، مَا عُرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ ، وَلَا قِيلَ عَلَى حُكْمِ الْأَوَّلِ يَأْتِي الْآخِرُ ، وَلَيْسَ إِلَّا الرَّبُّ وَالْعَبْدُ وَكَفَى ، وَفِي هَذَا غُنْيَةٌ لِمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ نَفْسِهِ فِي الْوُجُودِ وَشِفَا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَاتِمَةَ عَيْنُ السَّابِقَةِ ، وَهِيَ كَلِمَةٌ وَاجِبَةٌ صَادِقَةٌ .
- ¶ 30
فَمَا لِلْإِنْسَانِ يَتَجَاهَلُ وَيَعْمَى ، وَيَمْشِي فِي دُجُنَّةٍ ظَلْمَاءَ حَيْثُ لَا ظِلَّ وَلَا مَا ، وَأَنَّ أَحَقَّ مَا سُمِعَ مِنَ النَّبَا ، وَأَتَى بِهِ هُدْهُدُ الْفَهْمِ مِنْ سَبَا ، وُجُودُ الْفَلَكِ الْمُحِيطِ ، الْمَوْجُودِ فِي الْعَالَمِ الْمُرَكَّبِ وَالْبَسِيطِ ، الْمُسَمَّى بِالْهَبَاءِ ، وَأَشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ الْمَاءُ وَالْهَوَاءُ ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِهِ الْمَفْتُوحَةِ فِيهِ .
Alludes to the Quran 27:22
- ¶ 31
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْفَلَكُ أَصْلَ الْوُجُودِ وَتَجَلَّى لَهُ اسْمُهُ النُّورُ مِنْ حَضْرَةِ الْجُودِ كَانَ الظُّهُورُ ، وَقَبِلَتْ صُورَتُكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ الْفَلَكِ أَوَّلَ فَيْضِ ذَلِكَ النُّورِ ، فَظَهَرَتْ صُورَةٌ مِثْلِيَّةٌ ، مَشَاهِدُهَا عَيْنِيَّةٌ ، وَمَشَارِبُهَا غَيْبِيَّةٌ ، وَجَنَّتُهَا عَدْنِيَّةٌ ، وَمَعَارِفُهَا قَلَمِيَّةٌ ، وَعُلُومُهَا يَمِينِيَّةٌ ، وَأَسْرَارُهَا مِدَادِيَّةٌ ، وَأَرْوَاحُهَا لَوْحِيَّةٌ ، وَطِينَتُهَا آدَمِيَّةٌ ، فَأَنْتَ أَبٌ لَنَا فِي الرُّوحَانِيَّةِ ، كَمَا كَانَ وَأَشَرْتُ إِلَى آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْجَمْعِ أَبًا لَنَا فِي الْجِسْمِيَّةِ ، وَالْعَنَاصِرُ لَهُ أُمٌّ وَوَالِدٌ ،
- ¶ 32
كَمَا كَانَتْ حَقِيقَةُ الْهَبَاءِ فِي الْأَصْلِ مَعَ الْوَاحِدِ ، فَلَا يَكُونُ أَمْرٌ إِلَّا عَنْ أَمْرَيْنِ ، وَلَا نَتِيجَةَ إِلَّا عَنْ مُقَدِّمَتَيْنِ ، أَلَيْسَ وُجُودُكَ عَنِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَكَوْنِهِ قَادِرًا مَوْقُوفًا ، وَإِحْكَامُكَ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ عَالِمًا مَوْصُوفًا ، وَاخْتِصَاصُكَ بِأَمْرٍ دُونَ غَيْرِهِ مَعَ جَوَازِهِ عَلَيْكَ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ مُرِيدًا مَعْرُوفًا ، فَلَا يَصِحُّ وُجُودُ الْمَعْدُومِ عَنْ وَحِيدِ الْعَيْنِ ، فَإِنَّهُ مِنْ أَيْنَ يُعْقَلُ الْأَيْنُ ؟
- ¶ 33
فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ ذَاتُ الشَّيْءِ أَيْنًا لِأَمْرٍ مَا ، لَا يَعْرِفُهُ مَنْ أَصْبَحَ عَنِ الْكَشْفِ عَلَى الْحَقَائِقِ أَعْمَى ، وَفِي مَعْرِفَةِ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ ، تَتَبَيَّنُ حَقِيقَةُ الْأَيْنِ الْمَعْرُوفِ ، وَإِلَّا فَكَيْفَ تَسْأَلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ بِأَيْنَ وَتَقْبَلُ مِنَ الْمَسْؤُولِ فَاءَ الظَّرْفِ ؟
- ¶ 34
ثُمَّ تَشْهَدُ لَهُ بِالْإِيمَانِ الصِّرْفِ ، وَشَهَادَتُكَ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ ، وَوُجُوبٌ لَا جَوَازٌ ، فَلَوْلَا مَعْرِفَتُكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ بِحَقِيقَةِ مَا ، مَا قَبِلْتَ قَوْلَهَا مَعَ كَوْنِهَا خَرْسَاءَ فِي السَّمَا ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ أَوْجَدَ الْعَوَالِمَ اللَّطِيفَةَ وَالْكَثِيفَةَ ، وَمَهَّدَ الْمَمْلَكَةَ وَهَيَّأَ الْمَرْتَبَةَ الشَّرِيفَةَ ، أَنْزَلَ فِي أَوَّلِ دَوْرَةِ الْعَذْرَاءِ الْخَلِيفَةَ ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مُدَّتَنَا فِي الدُّنْيَا سَبْعَ آلَافِ سَنَةٍ ، وَتَحُلُّ بِنَا فِي آخِرِهَا حَالُ فَنَاءٍ بَيْنَ نَوْمٍ وَسِنَةٍ ، فَنَنْتَقِلُ إِلَى الْبَرْزَخِ الْجَامِعِ لِلطَّرَائِقِ ، وَتَغْلِبُ فِيهِ الْحَقَائِقُ الطَّيَّارَةُ عَلَى جَمِيعِ الْحَقَائِقِ ،
- ¶ 35
فَتَرْجِعُ الدَّوْلَةُ لِلْأَرْوَاحِ ، وَخَلِيفَتُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ طَائِرٌ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ، وَتَرَى الْأَشْبَاحَ فِي حُكْمِ التَّبَعِ لِلْأَرْوَاحِ ، فَيَتَحَوَّلُ الْإِنْسَانُ فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ ، لِحَقِيقَةٍ صَحَّتْ لَهُ عِنْدَ الْبَعْثِ مِنَ الْقُبُورِ فِي الْإِنْشَاءِ ، وَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى سُوقِ الْجَنَّةِ ، سُوقِ اللَّطَائِفِ وَالْمِنَّةِ ، فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ وَأَشَرْتُ إِلَى آدَمَ فِي الزُّمُرُّدَةِ الْبَيْضَاءِ ، قَدْ أَوْدَعَهَا الرَّحْمَنُ فِي أَوَّلِ الْآبَاءِ ، وَانْظُرُوا إِلَى النُّورِ الْمُبِينِ ، وَأَشَرْتُ إِلَى الْأَبِ الثَّانِي الَّذِي سَمَّانَا مُسْلِمِينَ ، وَانْظُرُوا إِلَى اللُّجَيْنِ الْأَخْلَصِ ،
- ¶ 36
وَأَشَرْتُ إِلَى مَنْ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ كَمَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ ، وَانْظُرُوا إِلَى جَمَالِ حُمْرَةِ يَاقُوتَةِ النَّفْسِ ، وَأَشَرْتُ إِلَى مَنْ بِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ، وَانْظُرُوا إِلَى حُمْرَةِ الْإِبْرِيزِ ، وَأَشَرْتُ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْعَزِيزِ ، وَانْظُرُوا إِلَى نُورِ الْيَاقُوتَةِ الصَّفْرَاءِ فِي الظَّلَامِ ، وَأَشَرْتُ إِلَى مَنْ فُضِّلَ بِالْكَلَامِ ، فَمَنْ سَعَى إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَارِ ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَا يَكْشِفُهُ لَكَ طَرِيقُهَا مِنَ الْأَسْرَارِ ، فَقَدْ عَرَفَ الْمَرْتَبَةَ الَّتِي لَهَا وُجِدَ ، وَصَحَّ لَهُ الْمَقَامُ الْآلِيُّ وَلَهُ سَجَدَ ، فَهُوَ الرَّبُّ وَالْمَرْبُوبُ ، وَالْمُحِبُّ وَالْمَحْبُوبُ :
- ¶ 37
انْظُرْ إِلَى بَدْءِ الْوُجُودِ وَكُنْ بِهِ . . . فَطِنًا تَرَ الْجُودَ الْقَدِيمَ الْمُحْدَثَا وَالشَّيْءُ مِثْلُ الشَّيْءِ إِلَّا أَنَّهُ . . . أَبْدَاهُ فِي عَيْنِ الْعَوَالِمِ مُحْدَثَا إِنْ أَقْسَمَ الرَّائِي بِأَنَّ وُجُودَهُ . . . أَزَلًا فَبَرٌّ صَادِقٌ لَنْ يَحْنَثَا أَوْ أَقْسَمَ الرَّائِي بِأَنَّ وُجُودَهُ . . . عَنْ فَقْدِهِ أَحْرَى وَكَانَ مُثَلِّثَا
- ¶ 38
ثُمَّ أَظْهَرْتُ أَسْرَارًا ، وَقَصَصْتُ أَخْبَارًا ، لَا يَسَعُ الْوَقْتُ إِيرَادَهَا ، وَلَا يَعْرِفُ أَكْثَرُ الْخَلْقِ أَيْجَادَهَا ، فَتَرَكْتُهَا مَوْقُوفَةً عَلَى رَأْسِ مَهْيَعِهَا ، خَوْفًا مِنْ وَضْعِ الْحِكْمَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، ثُمَّ رُدِدْتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَشْهَدِ النَّوْمِيِّ الْعَلِيِّ إِلَى الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ ، فَجَعَلْتُ ذَلِكَ الْحَمْدَ الْمُقَدَّسَ خُطْبَةَ الْكِتَابِ ، وَأَخَذْتُ فِي تَتْمِيمِ صَدْرِهِ ، ثُمَّ أَشْرَعُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَبْوَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْغَنِيِّ الْوَهَّابِ . هَذِهِ رِسَالَةٌ كَتَبْتُ بِهَا أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ :
- ¶ 39
لَمَّا انْتَهَى لِلْكَعْبَةِ الحَسْنَاءِ . . . جِسْمِي وَحَصَّلَ رُتْبَةَ الأُمَنَاءِ وَسَعَى وَطَافَ وَثَمَّ عِنْدَ مَقَامِهَا . . . صَلَّى وَأَثْبَتَهُ مِنَ العُتَقَاءِ مَنْ قَالَ هَذَا الفِعْلُ فَرْضٌ وَاجِبٌ . . . ذَاكَ المُؤَمَّلُ خَاتَمُ النُّبَآءِ وَرَأَى بِهَا المَلَأَ الكَرِيمَ وَآدَمًا . . . قَلْبِي فَكَانَ لَهُمْ مِنَ القُرَنَاءِ وَلِآدَمٍ وَلَدًا تَقِيًّا طَائِعًا . . . ضَخْمَ الدَّسِيعَةِ أَكْرَمَ الكُرَمَاءِ وَالكُلُّ بِالبَيْتِ المُكَرَّمِ طَائِفٌ . . . وَقَدِ اخْتَفَى فِي الحُلَّةِ السَّوْدَاءِ
- ¶ 40
يُرْخِي ذَلَاذِلَ بُرْدِهِ لِيُرِيكَ فِي . . . ذَاكَ التَّبَخْتُرِ نَخْوَةَ الْخُيَلَاءِ وَأَبِي عَلَى الْمَلَأِ الْكَرِيمِ مُقَدَّمٌ . . . يَمْشِي بِأَضْعَفِ مِشْيَةِ الزَّمْنَاءِ وَالْعَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ مُطْرِقٌ . . . فِعْلَ الْأَدِيبِ وَجَبْرَئِيلُ إِزَائِي يُبْدِي الْمَعَالِمَ وَالْمَنَاسِكَ خِدْمَةً . . . لِأَبِي لِيُورِثَهَا إِلَى الْأَبْنَاءِ فَعَجِبْتُ مِنْهُمْ كَيْفَ قَالَ جَمِيعُهُمْ . . . بِفَسَادِ وَالِدِنَا وَسَفْكِ دِمَاءِ إِذْ كَانَ يَحْجُبُهُمْ بِظُلْمَةِ طِينِهِ . . . عَمَّا حَوَتْهُ مِنْ سَنَا الْأَسْمَاءِ
- ¶ 41
وَبَدَا بِنُورٍ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ . . . لَكِنَّهُمْ فِيهِ مِنَ الشُّهَدَاءِ إِنْ كَانَ وَالِدُنَا مَحَلًّا جَامِعًا . . . لِلْأَوْلِيَاءِ مَعًا وَلِلْأَعْدَاءِ وَرَأَى الْمُوَيْهَةَ وَالنُّوَيْرَةَ جَاءَتَا . . . كَرْهًا بِغَيْرِ هَوًى وَغَيْرِ صَفَاءِ فَبِنَفْسِ مَا قَامَتْ بِهِ أَضْدَادُهُ . . . حَكَمُوا عَلَيْهِ بِغِلْظَةٍ وَبَذَاءِ وَأَتَى يَقُولُ أَنَا الْمُسَبِّحُ وَالَّذِي . . . مَا زَالَ يَحْمَدُكُمْ صَبَاحَ مَسَاءِ وَأَنَا الْمُقَدِّسُ ذَاتَ نُورِ جَلَالِكُمْ . . . وَأَتَوْا فِي حَقِّ أَبِي بِكُلِّ جَفَاءِ
- ¶ 42
لَمَّا رَأَوْا جِهَةَ الشِّمَالِ وَلَمْ يَرَوْا . . . مِنْهُ يَمِينَ الْقَبْضَةِ الْبَيْضَاءِ وَرَأَوْا نُفُوسَهُمُو عَبِيدًا خُشَّعًا . . . وَرَأَوْهُ رَبًّا طَالِبَ اسْتِيلَاءِ لِحَقِيقَةٍ جَمَعَتْ لَهُ أَسْمَاءَ مَنْ . . . خَصَّ الْحَبِيبَ بِلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَرَأَوْا مُنَازِعَهُ اللَّعِينَ بِجُنْدِهِ . . . يَرْنُو إِلَيْهِ بِمُقْلَةِ الْبَغْضَاءِ وَبِذَاتِ وَالِدِنَا مُنَافِقُ ذَاتِهِ . . . حَظُّ الْعُصَاةِ وَشَهْوَتَا حَوَّاءِ عَلِمُوا بِأَنَّ الْحَرْبَ حَتْمًا وَاقِعٌ . . . مِنْهُ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ وَإِبَاءِ
- ¶ 43
فَلِذَاكَ مَا نَطَقُوا بِمَا نَطَقُوا بِهِ . . . فَاعْذِرْهُمُ فَهُمُ مِنَ الصُّلَحَاءِ فُطِرُوا عَلَى الْخَيْرِ الْأَعَمِّ جِبِلَّةً . . . لَا يَعْرِفُونَ مَوَاقِعَ الشَّحْنَاءِ وَمَتَى رَأَيْتَ أَبِي وَهُمْ فِي مَجْلِسٍ . . . كَانَ الْإِمَامَ وَهُمْ مِنَ الْخُدَمَاءِ وَأَعَادَ قَوْلَهُمُ عَلَيْهِمُ رَبُّنَا . . . عَدْلًا فَأَنْزَلَهُمْ إِلَى الْأَعْدَاءِ فَحِرَابَةُ الْمَلَأِ الْكَرِيمِ عُقُوبَةٌ . . . لِمَقَالِهِمْ فِي أَوَّلِ الْآبَاءِ أَوَ مَا تَرَى فِي يَوْمِ بَدْرٍ حَرْبَهُمْ . . . وَنَبِيُّنَا فِي نِعْمَةٍ وَرَخَاءِ
- ¶ 44
بِعَرِيشِهِ مُتَمَلِّقًا مُتَضَرِّعًا . . . لِإِلَهِهِ فِي نُصْرَةِ الضُّعَفَاءِ لَمَّا رَأَى هَذِي الْحَقَائِقَ كُلَّهَا . . . مَعْصُومَةً قَلْبِي مِنَ الْأَهْوَاءِ نَادَى فَأَسْمَعَ كُلَّ طَالِبِ حِكْمَةٍ . . . يَطْوِي لَهَا بِشِمِلَّةٍ وَجْنَاءِ طَيَّ الَّذِي يَرْجُو لِقَاءَ مُرَادِهِ . . . فَيَجُوبُ كُلَّ مَفَازَةٍ بَيْدَاءِ يَا رَاحِلًا يَقِصُ الْمَهَامِهَ قَاصِدًا . . . نَحْوِي لِيَلْحَقَ رُتْبَةَ السُّمَرَاءِ قُلْ لِلَّذِي تَلْقَاهُ مِنْ شُجَرَائِي . . . عَنِّي مَقَالَةَ أَنْصَحِ النُّصَحَاءِ
- ¶ 45
وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ خَاسِرٌ فِي حَيْرَةٍ . . . لَمَّا جَهِلْتَ رِسَالَتِي وَنِدَائِي إِنَّ الَّذِي مَا زِلْتُ أَطْلُبُ شَخْصَهُ . . . أَلْفَيْتُهُ بِالرَّبْوَةِ الْخَضْرَاءِ الْبَلْدَةِ الزَّهْرَاءِ بَلْدَةِ تُونُسٍ . . . الْخُضْرَةِ الْمُزْدَانَةِ الْغَرَّاءِ بِمَحَلِّهِ الْأَسْنَى الْمُقَدَّسِ تُرْبُهُ . . . بِحُلُولِهِ ذِي الْقِبْلَةِ الزَّوْرَاءِ فِي عُصْبَةٍ مُخْتَصَّةٍ مُخْتَارَةٍ . . . مِنْ صُفَّةِ النُّجَبَاءِ وَالنُّقَبَاءِ يَمْشِي بِهِمْ فِي نُورِ عِلْمِ هِدَايَةٍ . . . مِنْ هَدْيِهِ بِالسُّنَّةِ الْبَيْضَاءِ وَالذِّكْرُ يُتْلَى وَالْمَعَارِفُ تَنْجَلِي . . . فِيهِ مِنَ الْإِمْسَاءِ لِلْإِمْسَاءِ
- ¶ 46
بَدْرًا لِأَرْبَعَةٍ وَعَشْرٍ لَا يُرَى . . . أَبَدًا مُنَوِّرَ لَيْلَةٍ قَمْرَاءِ وَابْنُ الْمُرَابِطِ فِيهِ وَاحِدُ شَانِهِ . . . جَلَّتْ حَقَائِقُهُ عَنِ الْإِفْشَاءِ وَبَنُوهُ قَدْ حَفُّوا بِعَرْشِ مَكَانِهِ . . . فَهُوَ الْإِمَامُ وَهُمْ مِنَ الْبُدَلَاءِ فَكَأَنَّهُ وَكَأَنَّهُمْ فِي مَجْلِسٍ . . . بَدْرٌ تَحُفُّ بِهِ نُجُومُ سَمَاءِ وَإِذَا أَتَاكَ بِحِكْمَةٍ عُلْوِيَّةٍ . . . فَكَأَنَّهُ يُنْبِي عَنِ الْعَنْقَاءِ فَلَزِمْتُهُ حَتَّى إِذَا حَلَّتْ بِهِ . . . أُنْثَى لَهَا نَجْلٌ مِنَ الْغُرَبَاءِ
- ¶ 47
حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ عَاشِقُ نَفْسِهِ . . . سِرُّ الْمَجَانَةِ سَيِّدُ الظُّرَفَاءِ مِنْ عُصْبَةِ النُّظَّارِ وَالْفُقَهَاءِ . . . لَكِنَّهُ فِيهِمْ مِنَ الْفُضَلَاءِ وَافَى وَعِنْدِي لِلتَّنَفُّلِ نِيَّةٌ . . . فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ دُجًى وَضَحَاءِ فَتَرَكْتُهُ وَرَحَلْتُ عَنْهُ وَعِنْدَهُ . . . مِنِّي تَغَيُّرُ غَيْرَةِ الْأُدَبَاءِ وَبَدَا يُخَاطِبُنِي بِأَنَّكَ خُنْتَنِي . . . فِي عِتْرَتِي وَصَحَابَتِي الْقُدَمَاءِ وَأَخَذْتَ تَائِبَنَا الَّذِي قَامَتْ بِهِ . . . دَارِي وَلَمْ تُخْبِرْ بِهِ سُجَرَائِي
- ¶ 48
وَاللَّهُ يَعْلَمُ نِيَّتِي وَطَوِيَّتِي . . . فِي أَمْرِ تَائِبِهِ وَصِدْقَ وَفَائِي فَأَنَا عَلَى الْعَهْدِ الْقَدِيمِ مُلَازِمٌ . . . فَوِدَادُهُ صَافٍ مِنَ الْأَقْذَاءِ وَمَتَى وَقَعْتَ عَلَى مُفَتِّشِ حِكْمَةٍ . . . مَسْتُورَةٍ فِي الْغَضَّةِ الْحَوْرَاءِ مُتَحَيِّرٍ مُتَشَوِّفٍ قُلْنَا لَهُ . . . يَا طَالِبَ الْأَسْرَارِ فِي الْإِسْرَاءِ أَسْرِعْ فَقَدْ ظَفِرَتْ يَدَاكَ بِجَامِعٍ . . . لِحَقَائِقِ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ نَظَرَ الْوُجُودَ فَكَانَ تَحْتَ نِعَالِهِ . . . مِنْ مُسْتَوَاهُ إِلَى قَرَارِ الْمَاءِ
- ¶ 49
مَا فَوْقَهُ مِنْ غَايَةٍ يَعْنُو لَهَا . . . إِلَّا هُوَ فَهُوَ مُصَرِّفُ الأَشْيَاءِ لَبِسَ الرِّدَاءَ تَنَزُّهًا وَإِزَارَهُ . . . لَمَّا أَرَادَ تَكَوُّنَ الإِنْشَاءِ فَإِذَا أَرَادَ تَمَتُّعًا بِوُجُودِهِ . . . مِنْ غَيْرِ مَا نَظَرٍ إِلَى الرُّقَبَاءِ شَالَ الرِّدَاءَ فَلَمْ يَكُنْ مُتَكَبِّرًا . . . وَإِزَارَ تَعْظِيمٍ عَلَى القُرَنَاءِ فَبَدَا وُجُودٌ لَا تُقَيِّدُهُ لَنَا . . . صِفَةٌ وَلَا اسْمٌ مِنَ الأَسْمَاءِ إِنْ قِيلَ مَنْ هَذَا وَمَنْ تَعْنِي بِهِ . . . قُلْنَا المُحَقِّقُ آمِرُ الأُمَرَاءِ
- ¶ 50
شَمْسُ الحَقِيقَةِ قُطْبُهَا وَإِمَامُهَا . . . سِرُّ العِبَادِ وَعَالِمُ العُلَمَاءِ عَبْدٌ تَسَوَّدَ وَجْهُهُ مِنْ هَمِّهِ . . . نُورُ البَصَائِرِ خَاتَمُ الخُلَفَاءِ سَهْلُ الخَلَائِقِ طَيِّبٌ عَذْبُ الجَنَى . . . غَوْثُ الخَلَائِقِ أَرْحَمُ الرُّحَمَاءِ جَلَّتْ صِفَاتُ جَلَالِهِ وَجَمَالِهِ . . . وَبَهَاءُ عِزَّتِهِ عَنِ النُّظَرَاءِ يُمْضِي المَشِيئَةَ فِي البَنِينَ مُقَسِّمًا . . . بَيْنَ العَبِيدِ الصُّمِّ وَالأُجَرَاءِ مَا زَالَ سَائِسَ أُمَّةٍ كَانَتْ بِهِ . . . مَحْفُوظَةَ الأَنْحَاءِ وَالأَرْجَاءِ
- ¶ 51
شَرًى إِذَا نَازَعْتَهُ فِي مُلْكِهِ . . . أَرًى إِذَا مَا جِئْتَهُ لِحِبَاءِ صُلْبٌ وَلَكِنْ لَيِّنٌ لِعُفَاتِهِ . . . كَالْمَاءِ يَجْرِي مِنْ صَفًا صَمَّاءِ يُغْنِي وَيُفْقِرُ مَنْ يَشَاءُ فَأَمْرُهُ . . . مُحْيِي الْوُلَاةِ وَمُهْلِكُ الْأَعْدَاءِ لَا أَنْسَ إِذْ قَالَ الْإِمَامُ مَقَالَةً . . . عَنْهَا يُقَصِّرُ أَخْطَبُ الْخُطَبَاءِ كُنَّا بِنَا وَرِدَاءُ وَصْلِى جَامِعٌ . . . لِذَوَاتِنَا فَأَنَا بِحَيْثُ رِدَائِي فَانْظُرْ إِلَى السِّرِّ الْمُكَتَّمِ دُرَّةً . . . مَجْلُوَّةً فِي اللُّجَّةِ الْعَمْيَاءِ
- ¶ 52
حَتَّى يَحَارَ الْخَلْقُ فِي تَكْيِيفِهَا . . . عَيْنًا كَحَيْرَةِ عَوْدَةِ الْإِبْدَاءِ عَجَبًا لَهَا لَمْ تُخْفِهَا أَصْدَافُهَا . . . الشَّمْسُ تَنْفِي حِنْدِسَ الظَّلْمَاءِ فَإِذَا أَتَى بِالسِّرِّ عَبْدٌ هَكَذَا . . . قِيلَ اكْتُبُوا عَبْدِي مِنَ الْأُمَنَاءِ إِنْ كَانَ يُبْدِي السِّرَّ مَسْتُورًا فَمَا . . . تَدْرِي بِهِ أَرْضِي فَكَيْفَ سَمَائِي لَمَّا أَتَيْتُ بِبَعْضِ وَصْفِ جَلَالِهِ . . . إِذْ كَانَ عِيٌّ وَاقِفًا بِحِذَائِي قَالُوا لَقَدْ أَلْحَقْتَهُ بِإِلَهِنَا . . . فِي الذَّاتِ وَالْأَوْصَافِ وَالْأَسْمَاءِ
- ¶ 53
فَبِأَيِّ مَعْنًى تَعْرِفُ الْحَقَّ الَّذِي . . . سَوَّاكَ خَلْقًا فِي دُجَى الْأَحْشَاءِ قُلْنَا صَدَقْتَ وَهَلْ عَرَفْتَ مُحَقِّقًا . . . مَنْ مُوجِدُ الْكَوْنِ الْأَعَمِّ سِوَائِي فَإِذَا مَدَحْتُ فَإِنَّمَا أُثْنِي عَلَى . . . نَفْسِي فَنَفْسِي عَيْنُ ذَاتِ ثَنَائِي وَإِذَا أَرَدْتُ تَعَرُّفًا بِوُجُودِهِ . . . قَسَّمْتُ مَا عِنْدِي عَلَى الْغُرَمَاءِ وَعَدِمْتُ مِنْ عَيْنِي فَكَانَ وُجُودُهُ . . . فَظُهُورُهُ وَقْفٌ عَلَى إِخْفَائِي جَلَّ الْإِلَهُ الْحَقُّ أَنْ يَبْدُو لَنَا . . . فَرْدًا وَعَيْنِي ظَاهِرٌ وَبَقَائِي
- ¶ 54
لَوْ كَانَ ذَاكَ لَكَانَ فَرْدًا طَالِبًا . . . مُتَجَسِّسًا مُتَجَسِّسًا لِثُنَائِي هَذَا مُحَالٌ فَلْيَصِحَّ وُجُودُهُ . . . فِي غَيْبَتِي عَنْ عَيْنِهِ وَفَنَائِي فَمَتَى ظَهَرْتُ إِلَيْكُمُ أَخْفَيْتُهُ . . . إِخْفَاءَ عَيْنِ الشَّمْسِ فِي الْأَنْوَاءِ فَالنَّاظِرُونَ يَرَوْنَ نُصْبَ عُيُونِهِمْ . . . سُحُبًا تُصَرِّفُهَا يَدُ الْأَهْوَاءِ وَالشَّمْسُ خَلْفَ الْغَيْمِ تُبْدِي نُورَهَا . . . لِلسُّحْبِ وَالْأَبْصَارِ فِي الظَّلْمَاءِ فَيَقُولُ قَدْ بَخِلَتْ عَلَيَّ وَأَنَّهَا . . . مَشْغُولَةٌ بِتَحَلُّلِ الْأَجْزَاءِ
- ¶ 55
لِتَجُودَ بِالْمَطَرِ الْغَزِيرِ عَلَى الثَّرَى . . . مِنْ غَيْرِ مَا نَصَبٍ وَلَا إِعْيَاءِ وَكَذَاكَ عِنْدَ شُرُوقِهَا فِي نُورِهَا . . . تَمْحُو طَوَالِعَ نَجْمِ كُلِّ سَمَاءِ فَإِذَا مَضَتْ بَعْدَ الْغُرُوبِ بِسَاعَةٍ . . . ظَهَرَتْ لِعَيْنِكَ أَنْجُمُ الْجَوْزَاءِ هَذَا لِمَيِّتِهَا وَذَاكَ لِحَيِّهَا . . . فِي ذَاتِهَا وَتَقُولُ حُسْنُ رُوَاءِ فَخَفَاؤُهُ مِنْ أَجْلِنَا وَظُهُورُهُ . . . مِنْ أَجْلِهِ وَالرَّمْزُ فِي الْأَقْبَاءِ كَخَفَائِنَا مِنْ أَجْلِهِ وَظُهُورُنَا . . . مِنْ أَجْلِنَا فَسَنَاهُ عَيْنُ ضِيَائِي
- ¶ 56
ثُمَّ الْتَفَتُّ بِالْعَكْسِ رَمْزًا ثَانِيًا . . . جَلَّتْ عَوَارِفُهُ عَنِ الْإِحْصَاءِ فَكَأَنَّنَا سِيَّانِ فِي أَعْيَانِنَا . . . كَصَفَا الزُّجَاجَةِ فِي صَفَا الصَّهْبَاءِ فَالْعِلْمُ يَشْهَدُ مُخْلَصَيْنِ تَأَلَّفَا . . . وَالْعَيْنُ تُعْطِي وَاحِدًا لِلرَّائِي وَالرُّوحُ مُلْتَذٌّ بِمُبْدِعِ ذَاتِهِ . . . وَبِذَاتِهِ مِنْ جَانِبِ الْأَكْفَاءِ وَالْحِسُّ مُلْتَذٌّ بِرُؤْيَةِ رَبِّهِ . . . فَانٍ عَنِ الْإِحْسَاسِ بِالنَّعْمَاءِ فَاللَّهُ أَكْبَرُ وَالْكَبِيرُ رِدَائِي . . . وَالنُّورُ بَدْرِي وَالضِّيَاءُ ذُكَائِي وَالشَّرْقُ غَرْبِي وَالْمَغَارِبُ مَشْرِقِي . . . وَالْبُعْدُ قُرْبِي وَالدُّنُوُّ تَنَائِي
- ¶ 57
وَالنَّارُ غَيْبِي وَالْجِنَانُ شَهَادَتِي . . . وَحَقَائِقُ الْخَلْقِ الْجَدِيدِ إِمَائِي فَإِذَا أَرَدْتُ تَنَزُّهًا فِي رَوْضَتِي . . . أَبْصَرْتُ كُلَّ الْخَلْقِ فِي مَرَائِي وَإِذَا انْصَرَفْتُ أَنَا الْإِمَامُ وَلَيْسَ لِي . . . أَحَدٌ أُخَلِّفُهُ يَكُونُ وَرَائِي فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنَا جَامِعٌ . . . لِحَقَائِقِ الْمُنْشِي وَالْإِنْشَاءِ هَذَا قَرِيضِي مُنْبِئٌ بِعَجَائِبٍ . . . ضَاقَتْ مَسَالِكُهَا عَلَى الْفُصَحَاءِ فَاشْكُرْ مَعِي عَبْدَ الْعَزِيزِ إِلَهَنَا . . . وَلْتَشْكُرَنْ أَيْضًا إِلَى الْعَذْرَاءِ
- ¶ 58
شَرْعًا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ اشْكُرْ لَنَا . . . وَلِوَالِدَيْكَ وَأَنْتَ عَيْنُ قَضَائِي وَبَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ بِحَمْدِ الْحَمْدِ لَا بِسِوَاهُ ، وَالصَّلَاةِ التَّامَّةِ عَلَى مَنْ أَسْرَى بِهِ إِلَى مُسْتَوَاهُ ، فَاعْلَمْ أَيُّهَا الْعَاقِلُ الْأَدِيبُ ، الْوَلِيُّ الْحَبِيبُ ، أَنَّ الْحَكِيمَ إِذَا نَأَتْ بِهِ الدَّارُ عَنْ قَسِيمِهِ ، وَحَالَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَمِيمِهِ ، لَا بُدَّ أَنْ يُعَرِّفَهُ بِكُلِّ مَا اكْتَسَبَهُ فِي غَيْبَتِهِ ، وَمَا حَصَّلَهُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ الْحِكَمِيَّةِ فِي غَيْبَتِهِ ، لِيَسُرَّ وَلِيَّهُ بِمَا أَسْدَاهُ إِلَيْهِ الْبَرُّ الرَّحِيمُ مِنْ لَطَائِفِهِ ، وَمَنَحَهُ مِنْ عَوَارِفِهِ ،
- ¶ 59
وَأَوْدَعَهُ مِنْ حِكَمِهِ ، وَأَسْمَعَهُ مِنْ كَلِمِهِ ، فَكَأَنَّ وَلِيَّهُ مَا غَابَ عَنْهُ ، بِمَا عَرَفَ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ أَبْقَاهُ اللَّهُ قَدْ أَصَابَ صَفَاءَ وُدِّهِ بَعْضُ كَدَرٍ لِعَرَضٍ ، وَظَهَرَ مِنْهُ انْقِبَاضٌ عِنْدَ الْوَدَاعِ لِإِتْمَامِ غَرَضٍ ، فَقَدْ غَمَّضَ وَلِيُّهُ عَنْ ذَلِكَ جَفْنَ الِانْتِقَادِ ، وَجَعَلَهُ مِنَ الْوَلِيِّ أَبْقَاهُ اللَّهُ مِنْ كَرِيمِ الْإِعْتِقَادِ ، إِذْ لَا يَهْتَمُّ مِنْكَ ، إِلَّا مَنْ يَسْأَلُ عَنْكَ ، فَلْيَهْنَأِ الْوَلِيُّ أَبْقَاهُ اللَّهُ فَإِنَّ الْقَلْبَ سَلِيمٌ ، وَالْوُدُّ كَمَا يَعْلَمُ بَيْنَ الْجَوَانِحِ مُقِيمٌ ، وَقَدْ عَلِمَ الْوَلِيُّ أَبْقَاهُ اللَّهُ ،
- ¶ 60
أَنَّ الوُدَّ فِيهِ كَانَ أَلِيًّا ، لَا غَرَضِيًّا وَلَا نَفْسِيًّا ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ هَذَا قَدِيمًا عَنِّي مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ، وَلَا فَاقَةٍ إِلَيْهِ وَلَا قِلَّةٍ ، وَلَا طَلَبٍ لِمَثُوبَةٍ ، وَلَا حَذَرٍ مِنْ عُقُوبَةٍ ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنَ الوَلِيِّ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرِّحْلَةِ الأُولَى الَّتِي رَحَلْتُ إِلَيْهِ سَنَةَ تِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ عَدَمُ الْتِفَاتٍ فِيهَا إِلَى جَانِبِي ، وَنُفُورٌ عَنِ الجَرْيِ عَلَى مَقَاصِدِي وَمَذَاهِبِي ، لِمَا لَاحَظَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ النَّقْصِ وَعَذَرْتُهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنِّي ظَاهِرُ الحَالِ وَشَاهِدُ النَّصِّ ،
- ¶ 61
فَإِنِّي سَتَرْتُ عَنْهُ وَعَنْ بَنِيهِ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِي ، بِمَا أَظْهَرْتُهُ إِلَيْهِمْ مِنْ سُوءِ حَالِي وَشَرَهِ حِسِّي ، وَرُبَّمَا كُنْتُ أُلَوِّحُ لَهُمْ أَحْيَانًا عَلَى طَرِيقِ التَّنْبِيهِ ، فَيَأْبَى اللَّهُ أَنْ يَلْحَظَنِي وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِعَيْنِ التَّنْزِيهِ ، وَلَقَدْ قَرَعْتُ أَسْمَاعَهُمْ يَوْمًا فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ ، وَالْوَلِيُّ أَبْقَاهُ اللَّهُ فِي صَدْرِ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ جَالِسٌ ، بِأَبْيَاتٍ أَنْشَدْتُهَا ، وَفِي كِتَابِ الْإِسْرَاءِ لَنَا أَوْدَعْتُهَا : وَهِيَ :
- ¶ 62
أَنَا القُرْآنُ وَالسَّبْعُ المَثَانِي . . . وَرُوحُ الرُّوحِ لَا رُوحُ الأَوَانِي فُؤَادِي عِنْدَ مَعْلُومِي مُقِيمٌ . . . يُشَاهِدُهُ وَعِنْدَكُمُ لِسَانِي فَلَا تَنْظُرْ بِطَرْفِكَ نَحْوَ جِسْمِي . . . وَعُدْ عَنِ التَّنَعُّمِ بِالمَغَانِي وَغُصْ فِي بَحْرِ ذَاتِ الذَّاتِ تُبْصِرْ . . . عَجَائِبَ مَا تَبَدَّتْ لِلْعِيَانِ وَأَسْرَارًا تَرَاءَتْ مُبْهَمَاتٍ . . . مُسَتَّرَةً بِأَرْوَاحِ المَعَانِي
- ¶ 63
فَوَاللهِ مَا أَنْشَدْتُ مِنْ هَذِهِ القِطْعَةِ بَيْتًا ، إِلَّا وَكَأَنِّي أُسْمِعُهُ مَيْتًا ، وَسَبَبُ ذَلِكَ حِكْمَةٌ أَبْغِي رِضَاهَا ، وَحَاجَةٌ فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ، وَمَا أَحَسَّ بِي مِنْ ذَلِكَ الجَمْعِ المُكَرَّمِ ، إِلَّا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ المُرَابِطِ كَلِيمُهُمُ المُبَرِّزُ المُقَدَّمُ ، وَلَكِنْ بَعْضَ إِحْسَاسٍ ، وَالغَالِبُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِي الِالْتِبَاسُ وَأَمَّا الشَّيْخُ المُسِنُّ المَرْحُومُ جَرَّاحٌ فَكُنْتُ قَدْ تَكَاشَفْتُ مَعَهُ عَلَى نِيَّةٍ ، فِي حَضْرَةٍ عَلِيَّةٍ ، وَلَمْ أَزَلْ بَعْدَ مُفَارَقَتِي حَضْرَةَ الوَلِيِّ أَبْقَاهُ اللهُ لَهُ ذَاكِرًا ، وَلِأَحْوَالِهِ شَاكِرًا ، وَبِمَنَاقِبِهِ نَاطِقًا ، وَلِآدَابِهِ عَاشِقًا ،
- ¶ 64
وَرُبَّمَا سَطَّرْتُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ مَا سَارَتْ بِهِ الرُّكْبَانُ ، وَشُهِرَ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ ، وَقَدْ وَقَفَ الْوَلِيُّ عَلَيْهِ ، وَرَأَى بَعْضَ مَا لَدَيْهِ ، فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ الْوُدُّ مِنِّي قَبْلَ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ ، وَغَرَضٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ يُثْبِتُهُ فِي النَّفْسِ وَيُمْضِيهِ ، ثُمَّ كَانَ الِاجْتِمَاعُ بِالْوَلِيِّ تَوَلَّاهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَعْوَامٍ فِي مَحَلِّهِ الْأَسْنَى ، وَكَانَتِ الْإِقَامَةُ مَعَهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ دُونَ أَيَّامٍ فِي الْعَيْشِ الْأَرْغَدِ الْأَهْنَى ، عَيْشِ رُوحٍ وَشَبَحٍ ، وَقَدْ جَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِذَاتِهِ عَلَى صَفِيِّهِ وَسَمَحَ ، وَلِي رَفِيقٌ وَلَهُ رَفِيقٌ ،
- ¶ 65
وَكِلَاهُمَا صِدِّيقٌ وَصَدِيقٌ ، فَرَفِيقُهُ شَيْخٌ عَاقِلٌ مُحَصِّلٌ ضَابِطٌ ، يُعْرَفُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُرَابِطِ ، ذُو نَفْسٍ أَبِيَّةٍ ، وَأَخْلَاقٍ رَضِيَّةٍ ، وَأَعْمَالٍ زَكِيَّةٍ ، وَخِلَالٍ مَرْضِيَّةٍ ، يَقْطَعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنًا ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى أَكْثَرِ أَحْيَانِهِ سِرًّا وَإِعْلَانًا ، بَطَلٌ فِي مَيْدَانِ الْمُعَامَلَاتِ ، فَهِمٌ لِمَا يَرِدُ بِهِ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ وَالْمُنَازَلَاتِ ، مُنْصِفٌ فِي حَالِهِ ، مُفَرِّقٌ بَيْنَ حَقِّهِ وَمُحَالِهِ .
- ¶ 66
وَأَمَّا رَفِيقِي فَضِيَاءٌ خَالِصٌ وَنُورٌ صِرْفٌ ، حَبَشِيٌّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بَدْرٌ لَا يَلْحَقُهُ خَسْفٌ ، يَعْرِفُ الْحَقَّ لِأَهْلِهِ فَيُؤَدِّيهِ ، وَيُوقِفُهُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُعَدِّيهِ ، قَدْ نَالَ دَرَجَةَ التَّمْيِيزِ ، وَتَخَلَّصَ عِنْدَ السَّبْكِ كَالذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ ، كَلَامُهُ حَقٌّ ، وَوَعْدُهُ صِدْقٌ ، فَكُنَّا الْأَرْبَعَةَ الْأَرْكَانَ ، الَّتِي قَامَ عَلَيْهَا شَخْصُ الْعَالَمِ وَالْإِنْسَانِ ، فَافْتَرَقْنَا وَنَحْنُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ ، لِانْحِرَافٍ قَامَ بِبَعْضِ هَذِهِ الْمَحَالِّ ، فَإِنِّي كُنْتُ نَوَيْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، ثُمَّ أُسْرِعُ إِلَى مَجْلِسِهِ الْكَرِيمِ الْكَرَّهْ ،
- ¶ 67
فَلَمَّا وَصَلْتُ أُمَّ الْقُرَى ، بَعْدَ زِيَارَتِي الْخَلِيلَ الَّذِي سَنَّ الْقِرَى ، وَبَعْدَ صَلَاتِي بِالصَّخْرَةِ وَالْأَقْصَى ، وَزِيَارَةِ سَيِّدِي سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ دِيوَانِ الْإِحَاطَةِ وَالْإِحْصَا ، أَقَامَ اللَّهُ فِي خَاطِرِي أَنْ أُعَرِّفَ الْوَلِيَّ أَبْقَاهُ اللَّهُ بِفُنُونٍ مِنَ الْمَعَارِفِ حَصَّلْتُهَا فِي غَيْبَتِي ، وَأُهْدِيَ إِلَيْهِ أَكْرَمَهُ اللَّهُ مِنْ جَوَاهِرِ الْعِلْمِ الَّتِي اقْتَنَيْتُهَا فِي غُرْبَتِي ، فَقَيَّدْتُ لَهُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ الْيَتِيمَةَ ، الَّتِي أَوْجَدَهَا الْحَقُّ لِاَعْرَاضِ الْجَهْلِ تَمِيمَهْ ، وَلِكُلِّ صَاحِبٍ صَفِيٍّ ، وَمُحَقِّقٍ صُوفِيٍّ ، وَلِحَبِيبِنَا الْوَلِيِّ وَأَخِينَا الذَّكِيِّ ، وَوَلَدِنَا الرَّضِيِّ ، عَبْدِ اللَّهِ بَدْرٍ الْحَبَشِيِّ الْيَمَنِيِّ ،
- ¶ 68
مُعْتَقِ أَبِي الغَنَائِمِ ابْنِ أَبِي الفُتُوحِ الحَرَّانِيِّ ، وَسَمَّيْتُهَا رِسَالَةَ الفُتُوحَاتِ المَكِّيَّةِ ، فِي مَعْرِفَةِ الأَسْرَارِ المَالِكِيَّةِ وَالمُلْكِيَّةِ ، إِذْ كَانَ الأَغْلَبُ مِمَّا أَوْدَعْتُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ مَا فَتَحَ اللَّهُ بِهِ عَلَيَّ عِنْدَ طَوَافِي بِبَيْتِهِ المُكَرَّمِ ، أَوْ قُعُودِي مُرَاقِبًا لَهُ بِحُرْمَةِ الشَّرِيفِ المُعَظَّمِ ، وَجَعَلْتُهَا أَبْوَابًا شَرِيفَةً ، وَأَوْدَعْتُهَا المَعَانِيَ اللَّطِيفَةَ ، فَإِنَّ الإِنْسَانَ لَا تَسْهُلُ عَلَيْهِ شَدَائِدُ البِدَايَةِ ، إِلَّا إِذَا عَرَفَ شَرَفَ الغَايَةِ ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ ذَاقَ مِنْ ذَلِكَ عُذُوبَةَ الجَنَى ، وَوَقَعَ مِنْهُ مَوْقِعَ المُنَى ،
- ¶ 69
فَإِذَا حَصَرَ الْبَابُ الْبَصَرَ ، تَرَدَّدَ عَلَيْهِ عَيْنُ بَصِيرَةِ الْحَكِيمِ فَنَظَرَ فَاسْتَخْرَجَ اللَّآلِئَ وَالدُّرَرَ ، وَيُعْطِيهِ الْبَابُ عِنْدَ ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ حِكَمٍ رُوحَانِيَّةٍ ، وَنُكَتٍ رَبَّانِيَّةٍ ، عَلَى قَدْرِ نُفُوذِهِ وَفَهْمِهِ ، وَقُوَّةِ عَزْمِهِ وَوَهْمِهِ ، وَاتِّسَاعِ نَفَسِهِ مِنْ أَجْلِ غَطْسِهِ فِي أَعْمَاقِ بِحَارِ عِلْمِهِ :
- ¶ 70
لَمَّا لَزِمْتُ قَرْعَ بَابِ اللَّهِ . . . كُنْتُ المُرَاقِبَ لَمْ أَكُنْ بِاللَّاهِي حَتَّى بَدَتْ لِلْعَيْنِ سُبْحَةُ وَجْهِهِ . . . وَإِلَى هَلُمَّ لَمْ تَكُنْ إِلَّاهِي فَأَحَطْتُ عِلْمًا بِالوُجُودِ فَمَا لَنَا . . . فِي قَلْبِنَا عِلْمٌ بِغَيْرِ اللَّهِ لَوْ يَسْلُكُ الخَلْقُ الغَرِيبُ مَحَجَّتِي . . . لَمْ يَسْأَلُوكَ عَنِ الحَقَائِقِ مَا هِي
- ¶ 71
فَلْنُقَدِّمْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ بَابًا فِي فِهْرِسْتِ أَبْوَابِهِ ، ثُمَّ أَتْلُوهُ بِمُقَدِّمَةٍ فِي تَمْهِيدِ مَا يَتَضَمَّنُهُ هَذَا الْكِتَابُ مِنَ الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَسْرَارِيَّةِ ، وَعَلَى أَثَرِهَا يَكُونُ الْكَلَامُ عَلَى الْأَبْوَابِ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهَا فِي بَابِ الْفِهْرِسْتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ . انْتَهَى الْجُزْءُ الْأَوَّلُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . يَتْلُوهُ الْجُزْءُ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ .
Quotes the Quran 33:4 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 72
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الرُّوحِ الَّذِي أَخَذْتُ مِنْ تَفْصِيلِ نَشْأَتِهِ مَا سَطَّرْتُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَمَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنَ الْأَسْرَارِ فَمِنْ ذَلِكَ نَظْمٌ قُلْتُ عِنْدَ الطَّوَافِ كَيْفَ أَطُوفُ . . . وَهْوَ عَنْ دَرْكِ سِرِّنَا مَكْفُوفُ جَلْمَدٌ غَيْرُ عَاقِلٍ حَرَكَاتِي . . . قِيلَ أَنْتَ الْمُحَيِّرُ الْمَتْلُوفُ انْظُرِ الْبَيْتَ نُورُهُ يَتَلَأْلَا . . . لِقُلُوبٍ تَطَهَّرَتْ مَكْشُوفُ نَظَرَتْهُ بِاللَّهِ دُونَ حِجَابٍ . . . فَبَدَا سِرُّهُ الْعَلِيُّ الْمُنِيفُ
- ¶ 73
وَتَجَلَّى لَهَا مِنْ أُفْقِ جَلَالِي . . . قَمَرُ الصِّدْقِ مَا اعْتَرَاهُ خُسُوفُ لَوْ رَأَيْتَ الْوَلِيَّ حِينَ يَرَاهُ . . . قُلْتَ فِيهِ مُدَلَّهٌ مَلْهُوفُ يَلْثِمُ السِّرَّ فِي سَوَادِ يَمِينِي . . . أَيُّ سِرٍّ لَوَ انَّهُ مَعْرُوفُ جُهِلَتْ ذَاتُهُ فَقِيلَ كَثِيفٌ . . . عِنْدَ قَوْمٍ وَعِنْدَ قَوْمٍ لَطِيفُ قَالَ لِي حِينَ قُلْتُ لِمْ جَهِلُوهُ . . . إِنَّمَا يَعْرِفُ الشَّرِيفَ الشَّرِيفُ عَرَفُوهُ فَلَازَمُوهُ زَمَانًا . . . فَتَوَلَّاهُمُ الرَّحِيمُ الرَّؤُوفُ
- ¶ 74
وَاسْتَقَامُوا فَمَا يُرَى قَطُّ فِيهِمْ . . . عَنْ طَوَافٍ بِذَاتِهِ تَحْرِيفُ قُمْ فَبَشِّرْ عَنِّي مُجَاوِرَ بَيْتِي . . . بِأَمَانٍ مَا عِنْدَهُ تَخْوِيفُ إِنْ أُمِتْهُمْ فَرَّحْتُهُمْ بِلِقَائِي . . . أَوْ يَعِيشُوا فَالثَّوْبُ مِنْهُمْ نَظِيفُ
- ¶ 75
اعْلَمْ أَيُّهَا الوَلِيُّ الحَمِيمُ وَالصَّفِيُّ الكَرِيمُ أَنِّي لَمَّا وَصَلْتُ إِلَى مَكَّةَ البَرَكَاتِ وَمَعْدِنِ السَّكَنَاتِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالحَرَكَاتِ وَكَانَ مِنْ شَأْنِي فِيهِ مَا كَانَ طُفْتُ بِبَيْتِهِ العَتِيقِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ مُسَبِّحًا وَمُمَجِّدًا وَمُكَبِّرًا وَمُهَلِّلًا تَارَةً أَلْثُمُ وَاَسْتَلِمُ وَتَارَةً لِلْمُلْتَزَمِ أَلْتَزِمُ إِذْ لُقِيتُ وَأَنَا عِنْدَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ بَاهِتَ الفَتَى الفَائِتَ المُتَكَلِّمَ الصَّامِتَ الَّذِي لَيْسَ بِحَيٍّ وَلَا مَائِتٍ المُرَكَّبَ البَسِيطَ المُحَاطَ المُحِيطَ
- ¶ 76
فَعِنْدَمَا أَبْصَرْتُهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْحَيِّ بِالْمَيِّتِ عَرَفْتُ حَقِيقَتَهُ وَمَجَازَهُ وَعَلِمْتُ أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ كَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَأَنْشَدْتُ الْفَتَى الْمَذْكُورَ مَا تَسْمَعُهُ مِنَ الْأَبْيَاتِ عِنْدَمَا رَأَيْتُ الْحَيَّ طَائِفًا بِالْأَمْوَاتِ شِعْرٌ
- ¶ 77
وَلَمَّا رَأَيْتُ الْبَيْتَ طَافَتْ بِذَاتِهِ . . . شُخُوصٌ لَهُمْ سِرُّ الشَّرِيعَةِ غَيْبِي وَطَافَ بِهِ قَوْمٌ هُمُ الشَّرْعُ وَالْحِجَا . . . وَهُمْ كُحْلُ عَيْنِ الْكَشْفِ مَا هُمْ بِهِ عُمِى تَعَجَّبْتُ مِنْ مَيْتٍ يَطُوفُ بِهِ حَيٌّ . . . عَزِيزٌ وَحِيدُ الدَّهْرِ مَا مِثْلَهُ شَيْ تَجَلَّى لَنَا مِنْ نُورِ ذَاتِ مُجِلِّهِ . . . وَلَيْسَ مِنَ الْأَمْلَاكِ بَلْ هُوَ إِنْسِي تَيَقَّنْتُ أَنَّ الْأَمْرَ غَيْبٌ وَأَنَّهُ . . . لَدَى الْكَشْفِ وَالتَّحْقِيقِ حَيٌّ وَمَرْئِي
- ¶ 78
قُلْتُ فَعِنْدَمَا وَقَعَتْ مِنِّي هَذِهِ الْأَبْيَاتُ وَأَلْحَقْتُ بَيْتَهُ الْمُكَرَّمَ مِنْ جِهَةٍ مَّا بِجَانِبِ الْأَمْوَاتِ خَطَفَنِي مِنِّي خَطْفَةَ قَاهِرٍ وَقَالَ لِي قَوْلَةَ رَادِعٍ زَاجِرٍ انْظُرْ إِلَى سِرِّ الْبَيْتِ قَبْلَ الْفَوْتِ تَجِدْهُ زَاهِيًا بِالْمُطِيفِينَ وَالطَّائِفِينَ بِأَحْجَارِهِ نَاظِرًا إِلَيْهِمْ مِنْ خَلْفِ حُجُبِهِ وَأَسْتَارِهِ فَرَأَيْتُهُ يَزْهُو كَمَا قَالَ فَأَفْصَحْتُ لَهُ فِي الْمَقَالِ وَأَنْشَدْتُهُ فِي عَالَمِ الْمِثَالِ عَلَى الِارْتِجَالِ :
- ¶ 79
أَرَى البَيْتَ يَزْهُو بِالمُطِيفِينَ حَوْلَهُ . . . وَمَا الزَّهْوُ إِلَّا مِنْ حَكِيمٍ لَهُ صُنْعُ وَهَذَا جَمَادٌ لَا يُحِسُّ وَلَا يَرَى . . . وَلَيْسَ لَهُ عَقْلٌ وَلَيْسَ لَهُ سَمْعُ فَقَالَ شُخَيْصٌ هَذِهِ طَاعَةٌ لَنَا . . . قَدْ أَثْبَتَهَا طُولَ الحَيَاةِ لَنَا الشَّرْعُ فَقُلْتُ لَهُ هَذَا بَلَاغُكَ فَاسْتَمِعْ . . . مَقَالَةَ مَنْ أَبْدَى لَهُ الحِكْمَةَ الوَضْعُ رَأَيْتُ جَمَادًا لَا حَيَاةَ بِذَاتِهِ . . . وَلَيْسَ لَهُ ضَرٌّ وَلَيْسَ لَهُ نَفْعُ
- ¶ 80
وَلَكِنْ لِعَيْنِ الْقَلْبِ فِيهِ مَنَاظِرٌ . . . إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْعَيْنِ ضَعْفٌ وَلَا صَدْعُ يَرَاهُ عَزِيزًا إِنْ تَجَلَّى بِذَاتِهِ . . . فَلَيْسَ لِمَخْلُوقٍ عَلَى حَمْلِهِ وُسْعُ فَكُنْتُ أَبَا حَفْصٍ وَكُنْتُ عَلِيَّنَا . . . فَمِنِّي الْعَطَاءُ الْجَزْلُ وَالْقَبْضُ وَالْمَنْعُ
- ¶ 81
وَصْلٌ ثُمَّ إِنَّهُ أَطْلَعَنِي عَلَى مَنْزِلَةِ ذَلِكَ الْفَتَى وَنَزَاهَتِهِ عَنْ أَيْنَ وَمَتَى فَلَمَّا عَرَفْتُ مَنْزِلَتَهُ وَإِنْزَالَهُ وَعَايَنْتُ مَكَانَتَهُ مِنَ الْوُجُودِ وَأَحْوَالَهُ قَبَّلْتُ يَمِينَهُ وَمَسَحْتُ مِنْ عَرَقِ الْوَحْيِ جَبِينَهُ وَقُلْتُ لَهُ انْظُرِ مَنْ طَالِبُ مُجَالَسَتِكَ وَرَاغِبٌ فِي مُؤَانَسَتِكَ فَأَشَارَ إِلَىَّ إِيمَاءً وَلُغْزًا أَنَّهُ فُطِرَ عَلَى أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَحَدًا إِلَّا رَمْزًا وَأَنَّ رَمْزِي إِذَا عَلِمْتَهُ وَتَحَقَّقْتَهُ وَفَهِمْتَهُ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا تُدْرِكُهُ فَصَاحَةُ الْفُصَحَاءِ وَنُطْقُهُ لَا تَبْلُغُهُ بَلَاغَةُ الْبُلَغَاءِ
- ¶ 82
فَقُلْتُ لَهُ يَا أَيُّهَا الْبَشِيرُ وَهَذَا خَيْرٌ كَثِيرٌ فَعَرِّفْنِي بِاصْطِلَاحِكَ وَأَوْقِفْنِي عَلَى كَيْفِيَّةِ حَرَكَاتِ مِفْتَاحِكَ فَإِنِّي أُرِيدُ مُسَامَرَتَكَ وَأُحِبُّ مُصَاهَرَتَكَ فَإِنَّ عِنْدَكَ الْكُفْؤَ وَالنَّظِيرَ وَهُوَ النَّازِلُ بِذَاتِكَ وَالْأَمِيرُ وَلَوْلَا مَا كَانَتْ لَكَ حَقِيقَةٌ ظَاهِرَهْ مَا تَطَلَّعَتْ إِلَيْهِ وُجُوهٌ نَاضِرَةٌ نَاظِرَهْ فَأَشَارَ فَعَلِمْتُ وَجَلَّى لِي حَقِيقَةَ جَمَالِهِ فَهُيِّمْتُ فَسُقِطَ فِي يَدَيَّ وَغَلَبَنِي فِي الْحِينِ عَلَيَّ
- ¶ 83
فَعِنْدَمَا أَفَقْتُ مِنَ الغَشْيَةِ وَأُرْعِدَتْ فَرَائِصِي مِنَ الخَشْيَةِ عَلِمَ أَنَّ العِلْمَ بِهِ قَدْ حَصَلَ وَأَلْقَى عَصَا سَيْرِهِ وَنَزَلَ فَتَلَا حَالُهُ عَلَيَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الأَنْبَاءُ وَتَنَزَّلَتْ بِهِ المَلَائِكَةُ الأُمَنَاءُ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟ فَجَعَلَهَا دَلِيلًا وَاتَّخَذَهَا إِلَى مَعْرِفَةِ العِلْمْ الحَاصِلِ بِهِ سَبِيلًا فَقُلْتُ لَهُ اطْلِعْنِي عَلَى بَعْضِ أَسْرَارِكَ حَتَّى أَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ أَحْبَارِكَ
Quotes the Quran 35:28 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 84
فَقَالَ انْظُرْ فِي تَفَاصِيلِ نَشْأَتِي وَفِي تَرْتِيبِ هَيْأَتِي تَجِدْ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فِيَّ مَرْقُومًا فَإِنِّي لَا أَكُونُ مُكَلِّمًا وَلَا كَلِيمًا فَلَيْسَ عِلْمِي بِسِوَايَ وَلَيْسَتْ ذَاتِي مُغَايِرَةً لِأَسْمَائِي فَأَنَا الْعِلْمُ وَالْمَعْلُومُ وَالْعَلِيمُ وَأَنَا الْحِكْمَةُ وَالْمُحْكَمُ وَالْحَكِيمُ ثُمَّ قَالَ لِي طُفْ عَلَى أَثَرِي وَانْظُرْ إِلَيَّ بِنُورِ قَمَرِي حَتَّى تَأْخُذَ مِنْ نَشْأَتِي مَا تَسْطُرُهُ فِي كِتَابِكَ وَتُمْلِيهِ عَلَى كُتَّابِكَ وَعَرِّفْنِي مَا أَشْهَدَكَ الْحَقُّ فِي طَوَافِكَ مِنَ اللَّطَائِفِ مِمَّا لَا يَشْهَدُهُ كُلُّ طَائِفٍ حَتَّى أَعْرِفَ هِمَّتَكَ وَمَعْنَاكَ فَأَذْكُرَكَ عَلَى مَا عَلِمْتُ مِنْكَ هُنَاكَ
- ¶ 85
فَقُلْتُ أَنَا أُعَرِّفُكَ أَيُّهَا الشَّاهِدُ الْمَشْهُودُ بِبَعْضِ مَا أَشْهَدَنِي مِنْ أَسْرَارِ الْوُجُودِ الْمُتَرَفِّلَاتِ فِي غَلَائِلِ النُّورِ وَالْمُتَّحِدَاتِ الْعَيْنِ مِنْ وَرَاءِ السُّتُورِ الَّتِي أَنْشَأَهَا الْحَقُّ حِجَابًا مَرْفُوعًا وَسَمَاءً مَوْضُوعًا وَالْفِعْلُ بِالنَّظَرِ إِلَى الذَّاتِ لَطِيفٌ وَلِعَدَمِ دَرْكِهِ عَلِىٌّ شَرِيفٌ
- ¶ 86
فَوَصْفُهُ ألطفُ مِنْ ذاتِهِ . . . وَفِعْلُهُ ألطفُ مِنْ وَصْفِهِ وَأَوْدَعَ الكُلَّ بِذَاتِي كَمَا . . . أَوْدَعَ مَعْنَى الشَّيْءِ فِي حَرْفِهِ فَالخَلْقُ مَطْلُوبٌ لِمَعْنًى كَمَا . . . يُطْلَبُ ذَاتُ المِسْكِ مِنْ عَرْفِهِ
- ¶ 87
وَلَوْلَا مَا أُودِعَ فِيَّ مَا اقْتَضَتْهُ حَقِيقَتِي وَوَصَلْتُ إِلَيْهِ طَرِيقَتِي لَمْ أَجِدْ لِمَشْرَبِهِ نَيْلًا وَلَا إِلَى مَعْرِفَتِهِ مَيْلًا وَلِذَلِكَ أَعُودُ عَلَيَّ عِنْدَ النِّهَايَةِ وَلِهَذَا يَرْجِعُ فَخِذُ الْبِرْكَارِ فِي فَتْحِ الدَّائِرَةِ عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَى غَايَةِ وُجُودِهَا إِلَى نُقْطَةِ الْبِدَايَةِ فَارْتَبَطَ آخِرُ الْأَمْرِ بِأَوَّلِهِ وَانْعَطَفَ أَبَدُهُ عَلَى أَزَلِهِ فَلَيْسَ إِلَّا وُجُودٌ مُسْتَمِرٌّ وَشُهُودٌ ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌّ وَإِنَّمَا طَالَ الطَّرِيقُ مِنْ أَجْلِ رُؤْيَةِ الْمَخْلُوقِ فَلَوْ صَرَفَ الْعَبْدُ وَجْهَهُ إِلَى الَّذِي يَلِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحُلَّ فِيهِ لَنَظَرَ إِلَى السَّالِكِينَ إِذَا وَصَلُوا بِعَيْنٍ بِئْسَ وَاللَّهِ مَا فَعَلُوا وَلَوْ عَرَفُوا مِنْ
- ¶ 88
مَكَانَهُمْ مَا انْتَقَلُوا لَكِنْ حُجِبُوا بِشَفْعِيَّةِ الْحَقَائِقِ عَنْ وِتْرِيَّةِ الْحَقِّ الْخَالِقِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ وَالطَّرَائِقَ فَنَظَرُوا مَدَارِجَ الْأَسْمَاءِ وَطَلَبُوا مَعَارِجَ الْإِسْرَاءِ وَتَخَيَّلُوهَا أَعْظَمَ مَنْزِلَةٍ تُطْلَبُ وَأَسْنَى حَالَةٍ يُقْصَدُ الْحَقُّ تَعَالَى فِيهَا وَيُرْغَبُ فَسُيِّرَ بِهِمْ عَلَى بُرَاقِ الصِّدْقِ وَرَفَارِفِهِ وَحَقَّقَهُمْ بِمَا عَايَنُوهُ مِنْ آيَاتِهِ وَلَطَائِفِهِ وَذَلِكَ لَمَّا كَانَتِ النَّظْرَةُ شِمَالِيَّةً وَكَانَتِ الْفِطْرَةُ عَلَى النَّشْأَةِ الْكَمَالِيَّةِ تُقَابِلُ بِوَجْهِهَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ نُقْطَةَ الدَّائِرَةِ فَشَطْرُ مُهْجَتِهَا مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مُنَقَّبَةٌ وَمِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ سَافِرَةٌ فَلَوْ سَفَرَتْ عَنِ الْيَمِينِ لَنَالَتْ مِنْ أَوَّلِ طَرْفَتِهَا مَقَامَ التَّمْكِينِ فِي مُشَاهَدَةِ
- ¶ 89
التَّعْيِينِ وَيَا عَجَبًا لِمَنْ هُوَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَيَتَخَيَّلُ أَنَّهُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ فَشِمَالُهَا يَمِينُ مُدِيرِهَا وَوُقُوفُهَا فِي مَوْضِعِهَا الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ غَايَةُ مَسِيرِهَا فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْعَاقِلِ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ وَصَحَّ وَعَلِمَ أَنَّ إِلَيْهِ الْمَرْجِعَ فَمِنْ مَوْقِفِهِ لَمْ يَبْرَحْ لَكِنْ يَتَخَيَّلُ الْمِسْكِينُ الْقَرْعَ وَالْفَتْحَ وَيَقُولُ وَهَلْ فِي مُقَابَلَةِ الضِّيقِ وَالْحَرَجِ إِلَّا السَّعَةُ وَالشَّرْحُ
Quotes the Quran 2:67 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 90
ثُمَّ يَتْلُو ذَلِكَ قُرْآنًا عَلَى الْخُصَمَاءِ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ فَكَمَا أَنَّ الشَّرْحَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الضِّيقِ كَذَلِكَ الْمَطْلُوبُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ سُلُوكِ الطَّرِيقِ وَغَفَلَ الْمِسْكِينُ عَنْ تَحْصِيلِ مَا حَصَلَ لَهُ بِالْإِلْهَامِ مِمَّا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْفِكْرِ وَالدَّلِيلِ عِنْدَ أَهْلِ النُّهَى وَالْإِفْهَامِ وَلَقَدْ صَدَقَ فِيمَا
Quotes the Quran 6:125 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 6:125 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 91
قَالَ فَإِنَّهُ نَاظِرٌ بِعَيْنِ الشِّمَالِ فَسَلِّمُوا لَهُ حَالَهُ وَثَبِّتُوا لَهُ مَحَالَّهُ وَضَعِّفُوا مِنْهُ مِحَالَهُ وَقُولُوا لَهُ عَلَيْكَ بِالِاسْتِعَانَةِ إِنْ أَرَدْتَ الْوُصُولَ إِلَى مَا مِنْهُ خُرِجْتَ لَا مَحَالَةَ وَاسْتُرُوا عَنْهُ مَقَامَ الْمُجَاوَرَةِ وَعَظِّمُوا لَهُ أَجْرَ التَّزَاوُرِ وَالْمُزَاوَرَةِ وَالْمُوَازَرَةِ فَسَيَحْزَنُ عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَى مَا مِنْهُ سَارَ وَسَيَفْرَحُ بِمَا حَصَلَ فِي طَرِيقِهِ مِنَ الْأَسْرَارِ وَصَارْ وَلَوْلَا مَا طُلِبَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمِعْرَاجِ مَا رَحَلَ وَلَا صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَلَا نَزَلَ وَكَانَ يَأْتِيهِ شَأْنُ الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَآيَاتُ رَبِّهِ فِي مَوْضِعِهِ كَمَا زُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَهُوَ فِي مَضْجَعِهِ
- ¶ 92
وَلَكِنَّهُ سِرٌّ إِلَهِيٌّ لِيُنْكِرْهُ مَنْ شَاءَ لِأَنَّهُ لَا يُعْطِيهِ الْإِنْشَاءُ وَيُؤْمِنْ بِهِ مَنْ شَاءَ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِلْأَشْيَاءِ فَعِنْدَمَا أَتَيْتُ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ الْعَقْلُ وَحْدَهُ وَلَا يُحَصِّلُهُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ الْفَهْمُ قَالَ لَقَدْ أَسْمَعْتَنِي سِرًّا غَرِيبًا وَكَشَفْتَ لِي مَعْنًى عَجِيبًا مَا سَمِعْتُهُ مِنْ وَلِيٍّ قَبْلَكَ وَلَا رَأَيْتُ أَحَدًا تُمِّمَتْ لَهُ هَذِهِ الْحَقَائِقُ مِثْلَكَ عَلَى أَنَّهَا عِنْدِي مَعْلُومَةٌ وَهِيَ بِذَاتِي مَرْقُومَةٌ سَتَبْدُو لَكَ عِنْدَ رَفْعِ سِتَارَاتِي وَاطِّلَاعِكَ عَلَى إِشَارَاتِي وَلَكِنْ أَخْبِرْنِي مَا أَشْهَدَكَ عِنْدَمَا أَنْزَلَكَ بِحَرَمِهِ وَأَطْلَعَكَ عَلَى حُرَمِهِ مَشَاهَدَةُ مَشْهَدِ الْبَيْعَةِ الْإِلَهِيَّةِ قُلْتُ
- ¶ 93
اعْلَمْ يَا فَصِيحًا لَا يَتَكَلَّمُ وَسَائِلًا عَمَّا يَعْلَمُ لَمَّا وَصَلْتُ إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَنَزَلْتُ عَلَيْهِ فِي حَضْرَةِ الْإِحْسَانِ أَنْزَلَنِي فِي حَرَمِهِ وَأَطْلَعَنِي عَلَى حُرَمِهِ وَقَالَ إِنَّمَا كَثَّرْتُ الْمَنَاسِكَ رَغْبَةً فِي التَّمَاسُكِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْنِي هُنَا وَجَدْتَنِي هُنَا وَإِنِ احْتَجَبْتُ عَنْكَ فِي جَمْعٍ تَجَلَّيْتُ لَكَ فِي مِنًى مَعَ أَنِّي قَدْ أَعْلَمْتُكَ فِي غَيْرِ مَا مَوْقِفٍ مِنْ مَوَاقِفِكَ وَأَشَرْتُ بِهِ إِلَيْكَ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي بَعْضِ لَطَائِفِكَ إِنِّي وَإِنِ احْتَجَبْتُ فَهُوَ تَجَلٍّ لَا يَعْرِفُهُ كُلُّ عَارِفٍ إِلَّا مَنْ أَحَاطَ عِلْمًا بِمَا أَحَطتُّ بِهِ مِنَ الْمَعَارِفِ أَلَا تَرَانِي أَتَجَلَّى
- ¶ 94
لَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا وَالْعَلَامَةِ فَيُنْكِرُونَ رُبُوبِيَّتِي وَمِنْهَا يَتَعَوَّذُونَ وَبِهَا يَتَعَوَّذُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِذَلِكَ الْمُتَجَلِّي نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ وَهَا نَحْنُ لِرَبِّنَا مُنْتَظِرُونَ فَحِينَئِذٍ أَخْرُجُ عَلَيْهِمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي لَدَيْهِمْ فَيُقِرُّونَ لِي بِالرُّبُوبِيَّةِ وَعَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْعُبُودِيَّةِ فَهُمْ لِعَلَامَتِهِمْ عَابِدُونَ وَلِلصُّورَةِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ عِنْدَهُمْ مُشَاهِدُونَ فَمَنْ
- ¶ 95
قَالَ مِنْهُمْ أَنَّهُ عَبَدَنِي فَقَوْلُهُ زُورٌ وَقَدْ بَاهَتَنِي وَكَيْفَ يَصِحُّ مِنْهُ ذَلِكَ وَعِنْدَمَا تَجَلَّيْتُ لَهُ أَنْكَرَنِي فَمَنْ قَيَّدَنِي بِصُورَةٍ دُونَ صُورَةٍ فَتَخَيُّلَهُ عَبَدَ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الْمُمْكِنَةُ فِي قَلْبِهِ الْمَسْتُورَةُ فَهُوَ يَتَخَيَّلُ أَنَّهُ يَعْبُدُنِي وَهُوَ يَجْحَدُنِي وَالْعَارِفُونَ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ خَفَائِي عَنْ أَبْصَارِهِمْ لِأَنَّهُمْ غَابُوا عَنِ الْخَلْقِ وَعَنْ أَسْرَارِهِمْ فَلَا يَظْهَرُ لَهُمْ عِنْدَهُمْ سِوَائِي وَلَا يَعْقِلُونَ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ سِوَى أَسْمَائِي فَكُلُّ شَيْءٍ ظَهَرَ لَهُمْ وَتَجَلَّى قَالُوا أَنْتَ الْمُسَبَّحُ الْأَعْلَى فَلَيْسُوا سَوَاءً فَالنَّاسُ بَيْنَ غَائِبٍ وَشَاهِدٍ وَكِلَاهُمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ وَفَهِمْتُ إِشَارَاتِهِ وَأَعْلَامَهُ جَذَبَنِي جَذْبَةَ غَيُورٍ إِلَيْهِ وَأَوْقَفَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ
- ¶ 96
مُخَاطَبَاتُ التَّعْلِيمِ وَالْأَلْطَافِ بِسِرِّ الْكَعْبَةِ مِنَ الْوُجُودِ وَالطَّوَافِ وَمَدَّ الْيَمِينَ فَقَبَّلْتُهَا وَوَصَلَتْنِي الصُّورَةُ الَّتِي تَعَشَّقْتُهَا فَتَحَوَّلَ لِي فِي صُورَةِ الْحَيَاةِ فَتَحَوَّلْتُ لَهُ فِي صُورَةِ الْمَمَاتِ فَطَلَبَتِ الصُّورَةُ تُبَايِعُ الصُّورَةَ فَقَالَتْ لَهَا لَمْ تُحْسِنِي السِّيرَةَ وَقَبَضَتْ يَمِينَهَا عَنْهَا وَقَالَتْ لَهَا مَا عَرَفْتِ لَهَا فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ كُنْهَا ثُمَّ تَحَوَّلَ لِي فِي صُورَةِ الْبَصَرِ فَتَحَوَّلْتُ لَهُ فِي صُورَةِ مَنْ عَمِىَ عَنِ النَّظَرِ وَذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ شَوْطٍ وَتَخَيُّلِ نَقْضِ شَرْطٍ فَطَلَبَتِ الصُّورَةُ تُبَايِعُ الصُّورَةَ فَقَالَتْ لَهَا مِثْلَ الْمَقَالَةِ الْمَذْكُورَةِ
- ¶ 97
ثُمَّ تَحَوَّلَ لِي فِي صُورَةِ الْعِلْمِ الْأَعَمِّ فَتَحَوَّلْتُ لَهُ فِي صُورَةِ الْجَهْلِ الْأَتَمِّ فَطَلَبَتِ الصُّورَةُ تُبَايِعُ الصُّورَةَ فَقَالَتْ لَهَا الْمَقَالَةَ الْمَشْهُورَةَ ثُمَّ تَحَوَّلَ لِي فِي صُورَةِ سَمَاعِ النِّدَاءِ فَتَحَوَّلْتُ لَهُ فِي صُورَةِ الصَّمَمِ عَنِ الدُّعَاءِ فَطَلَبَتِ الصُّورَةُ تُبَايِعُ الصُّورَةَ فَأَسْدَلَ الْحَقُّ بَيْنَهُمَا سُتُورَهُ ثُمَّ تَحَوَّلَ لِي فِي صُورَةِ الْخِطَابِ فَتَحَوَّلْتُ لَهُ فِي صُورَةِ الْخَرَسِ عَنِ الْجَوَابِ فَطَلَبَتِ الصُّورَةُ تُبَايِعُ الصُّورَةَ فَأَرْسَلَ الْحَقُّ بَيْنَهُمَا رُقُومَ اللَّوْحِ وَسُطُورَهُ
- ¶ 98
ثُمَّ تَحَوَّلَ لِي فِي صُورَةِ الْإِرَادَةِ فَتَحَوَّلْتُ لَهُ فِي صُورَةِ قُصُورِ الْحَقِيقَةِ وَالْعَادَةِ فَطَلَبَتِ الصُّورَةُ تُبَايِعُ الصُّورَةَ فَأَفَاضَ الْحَقُّ بَيْنَهُمَا ضِيَاءَهُ وَنُورَهُ ثُمَّ تَحَوَّلَ لِي فِي صُورَةِ الْقُدْرَةِ وَالطَّاقَةِ فَتَحَوَّلْتُ لَهُ فِي صُورَةِ الْعَجْزِ وَالْفَاقَةِ فَطَلَبَتِ الصُّورَةُ تُبَايِعُ الصُّورَةَ فَأَبْدَى الْحَقُّ لِلْعَبْدِ تَقْصِيرَهُ فَقُلْتُ لَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ الْإِعْرَاضَ وَمَا حَصَلَ لِي تَمَامُ الْآمَالِ وَالْأَغْرَاضِ لِمَ أَبَيْتَ عَلَيَّ وَلَمْ تَفِ بِعَهْدِي
- ¶ 99
فَقَالَ أَنْتَ أَبَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ يَا عَبْدِي لَوْ قَبَّلْتَ الْحَجَرَ فِي كُلِّ شَوْطٍ أَيُّهَا الطَّائِفُ لَقَبَّلْتَ يَمِينِي هُنَا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ اللَّطَائِفِ فَإِنَّ بَيْتِي هُنَاكَ بِمَنْزِلَةِ الذَّاتِ وَأَشْوَاطَ الطَّوَافِ بِمَنْزِلَةِ السَّبْعِ الصِّفَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَا صِفَاتِ الْجَلَالِ لِأَنَّهَا صِفَاتُ الِاتِّصَالِ بِكَ وَالِانْفِصَالِ فَسَبْعَةُ أَشْوَاطٍ لِسَبْعِ صِفَاتٍ وَبَيْتٌ قَائِمٌ يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ غَيْرَ أَنِّي أَنْزَلْتُهُ فِي فَرْشِي وَقُلْتُ لِلْعَامَّةِ هَذَا عِنْدَكُمْ بِمَنْزِلَةِ عَرْشِي وَخَلِيفَتِي فِي الْأَرْضِ هُوَ الْمُسْتَوِي عَلَيْهِ وَالْمُحْتَوَى فَانْظُرْ إِلَى الْمَلَكِ مَعَكَ طَائِفًا وَإِلَى جَانِبِكَ وَاقِفًا فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَعَادَ إِلَى عَرْشِهِ وَتَاهَ عَلَيَّ بِسُمُوِّ نَعْشِهِ فَتَبَسَّمْتُ جَذَلًا وَقُلْتُ مُرْتَجِلًا
- ¶ 100
يَا كَعْبَةً طافَ بِهَا الْمُرْسَلُونْ . . . مِنْ بَعْدِ مَا طَافَ بِهَا الْمُكْرَمُونْ ثُمَّ أَتَى مِنْ بَعْدِهِمْ عَالَمٌ . . . طَافُوا بِهَا مِنْ بَيْنِ عَالٍ وَدُونْ أَنْزَلَهَا مِثْلًا إِلَى عَرْشِهِ . . . وَنَحْنُ حَافُونَ لَهَا مُكْرَمُونْ فَإِنْ يَقُلْ أَعْظَمُ حَافٍّ بِهِ . . . إِنِّي أَنَا خَيْرٌ فَهَلْ تَسْمَعُونْ وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِنَصٍّ وَلَا . . . أَتَى لَنَا إِلَّا بِمَا لَا يُبِينْ هَلْ ذَاكَ إِلَّا النُّورُ حَفَّتْ بِهِ . . . أَنْوَارُهُمْ وَنَحْنُ مَاءٌ مَهِينْ
- ¶ 101
فَانْجَذَبَ الشَّيْءُ إِلَى مِثْلِهِ . . . وَكُلُّنَا عَبْدٌ لَدَيْهِ مَكِينْ هَلَّا رَأَوْا مَا لَمْ يَرَوْا أَنَّهُمْ . . . طَافُوا بِمَا طُفْنَا وَلَيْسُوا بِطِينْ لَوْ جُرِّدَ الْأَلْطَفُ مِنَّا اسْتَوَى . . . عَلَى الَّذِي حَفُّوا بِهِ طَائِفِينْ قَدْ سَهِمُو أَنْ يَجْهَلُوا حَقَّ مَنْ . . . قَدْ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الْعَالَمِينْ كَيْفَ لَهُمْ وَعِلْمُهُمْ أَنَّنِي . . . ابْنُ الَّذِي خَرُّوا لَهُ سَاجِدِينْ وَاعْتَرَفُوا بَعْدَ اعْتِرَاضِ عَلَى . . . وَالِدِنَا بِكَوْنِهِمْ جَاهِلِينْ
- ¶ 102
وَأَبْلَسَ الشَّخْصُ الَّذِي قَدْ أَبَى . . . وَكَانَ لِلْفَضْلِ مِنَ الْجَاحِدِينْ قَدْ سَهِمُوا قَدْ سَهِمُو أَنَّهُمْ . . . قَدْ عُصِمُوا مِنْ خَطَأِ الْمُخْطِئِينْ قُلْتُ ثُمَّ صَرَفْتُ عَنْهُ وَجْهَ قَلْبِي وَأَقْبَلْتُ بِهِ عَلَى رَبِّي فَقَالَ لِي انْتَصَرْتَ لِأَبِيكَ حَلَّتْ بَرَكَتِي فِيكَ اسْمَعْ مَنْزِلَةَ مَنْ أَثْنَيْتَ عَلَيْهَا وَمَا قَدَّمْتَهُ مِنَ الْخَيْرِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَأَيْنَ مَنْزِلَتُكَ مِنْ مَنَازِلِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ كَعْبَتِي هَذِهِ قَلْبُ الْوُجُودِ وَعَرْشِي لِهَذَا الْقَلْبِ جِسْمٌ مُحْدُودٌ وَمَا وَسِعَنِي وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَا أَخْبَرَنِي بِالَّذِي أَخْبَرْتُ عَنْهُمَا وَبَيْتِي الَّذِي وَسِعَنِي
- ¶ 103
قَلْبُكَ الْمَقْصُودُ الْمُودَعُ فِي جَسَدِكَ الْمَشْهُودِ فَالطَّائِفُونَ بِقَلْبِكَ الْأَسْرَارُ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَجْسَادِكُمْ عِنْدَ طَوَافِهَا بِهَذِهِ الْأَحْجَارِ وَالطَّائِفُونَ الْحَافُّونَ بِعَرْشِنَا الْمُحِيطِ كَالطَّائِفِينَ مِنْكَ بِعَالَمِ التَّخْطِيطِ فَكَمَا أَنَّ الْجِسْمَ مِنْكَ فِي الرُّتْبَةِ دُونَ قَلْبِكَ الْبَسِيطِ كَذَلِكَ هِيَ الْكَعْبَةُ مَعَ الْعَرْشِ الْمُحِيطِ فَالطَّائِفُونَ بِالْكَعْبَةِ بِمَنْزِلَةِ الطَّائِفِينَ بِقَلْبِكَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْقَلْبِيَّةِ وَالطَّائِفُونَ بِجِسْمِكَ كَالطَّائِفِينَ بِالْعَرْشِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الصِّفَةِ الْإِحَاطِيَّةِ فَكَمَا أَنَّ عَالَمَ الْأَسْرَارِ الطَّائِفِينَ بِالْقَلْبِ الَّذِي وَسِعَنِي أَسْنَى مَنْزِلَةً مِنْ غَيْرِهِمْ وَأَعْلَى كَذَلِكَ أَنْتُمْ بِنَعْتِ الشَّرَفِ وَالسِّيَادَةِ عَلَى الطَّائِفِينَ بِالْعَرْشِ الْمُحِيطِ أَوْلَى فَإِنَّكُمُ الطَّائِفُونَ بِقَلْبِ وُجُودِ الْعَالَمِ فَأَنْتُمْ بِمَنْزِلَةِ
- ¶ 104
أَسْرَارُ الْعُلَمَاءِ وَهُمُ الطَّائِفُونَ بِجِسْمِ الْعَالَمِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ فَكَيْفَ تَكُونُونَ سَوَاءً وَمَا وَسِعَنِي سِوَاكُمْ وَمَا تَجَلَّيْتُ فِي صُورَةِ كَمَالٍ إِلَّا فِي مَعْنَاكُمْ فَاعْرِفُوا قَدْرَ مَا وَهَبْتُكُمُوهُ مِنَ الشَّرَفِ الْعَالِي وَبَعْدَ هَذَا فَأَنَا الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي لَا يَحُدُّنِي الْحَدُّ وَلَا يَعْرِفُنِي السَّيِّدُ وَلَا الْعَبْدُ تَقَدَّسَتِ الْأُلُوهَةُ فَتَنَزَّهَتْ أَنْ تُدْرَكَ وَفِي مَنْزِلَتِهَا أَنْ تُشْرَكَ أَنْتَ الْأَنَا وَأَنَا أَنَا فَلَا تَطْلُبْنِي فِيكَ فَتَعْنَى وَلَا مِنْ خَارِجٍ فَمَا تَتَهَنَّى وَلَا تَتْرُكْ طَلَبِي فَتَشْقَى فَاطْلُبْنِي حَتَّى تَلْقَانِي فَتَرْقَى وَلَكِنْ تَأَدَّبْ فِي طَلَبِكَ وَاحْضُرْ عِنْدَ شُرُوعِكَ فِي مَذْهَبِكَ وَمَيِّزْ بَيْنِي
- ¶ 105
وَبَيْنَكَ فَإِنَّكَ لَا تَشْهَدُنِي وَإِنَّمَا تَشْهَدُ عَيْنَكَ فَقِفْ فِي صِفَةِ الِاشْتِرَاكِ وَإِلَّا فَكُنْ عَبْدًا وَقُلِ الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إِدْرَاكٌ تَلْحَقْ فِي ذَلِكَ عَتِيقًا وَتَكُنِ الْمُكْرَمَ الصِّدِّيقَا ثُمَّ قَالَ لِي اخْرُجْ عَنْ حَضْرَتِي فَمِثْلُكَ لَا يَصْلُحُ لِخِدْمَتِي فَخَرَجْتُ طَرِيدًا فَضَجَّ الْحَاضِرُ فَقَالَ ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ثُمَّ قَالَ رُدُّوهُ فَرُدِدْتُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ سَاعَتِي وُجِدْتُ وَكَأَنِّي مَازُلْتُ عَنْ بِسَاطِ شُهُودِهِ وَمَا بَرِحْتُ مِنْ حَضْرَةِ وُجُودِهِ
Quotes the Quran 74:11 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 106
فَقَالَ كَيْفَ يَدْخُلُ عَلَيَّ فِي حَضْرَتِي مَنْ لَا يَصْلُحُ لِخِدْمَتِي لَوْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَكَ الْحُرْمَةُ الَّتِي تُوجِبُ الْخِدْمَةَ مَا قَبِلَتْكَ الْحَضْرَةُ وَلَرَمَتْ بِكَ فِي أَوَّلِ نَظْرَةٍ وَهَا أَنْتَ فِيهَا وَقَدْ رَأَيْتَ مِنْ بُرْهَانِهَا وَتَخَفِّيهَا مَا يَزِيدُكَ احْتِرَامًا وَعِنْدَ تَجَلِّيهَا احْتِشَامًا ثُمَّ قَالَ لِمَ لَمْ تَسْأَلْنِي حِينَ أُمِرْتُ بِإِخْرَاجِكَ وَرَدِّكَ عَلَى مِعْرَاجِكَ وَأَعْرِفُكَ صَاحِبَ حُجَّةٍ وَلِسَانٍ مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيتَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ
- ¶ 107
فَقُلْتُ بَهَرَنِي عَظِيمُ مُشَاهَدَةِ ذَاتِكَ وَسُقِطَ فِي يَدِي لِقَبْضِكَ يَمِينَ الْبَيْعَةِ فِي تَجَلِّيَاتِكَ وَبَقِيتُ أُرَدِّدُ النَّظَرَ مَا الَّذِي طَرَأَ فِي الْغَيْبِ مِنَ الْخَبَرِ فَلَوِ الْتَفَتُّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَيّ َ لَعَلِمْتُ أَنَّ مِنِّي أَتَى عَلَيّ َ وَلَكِنَّ الْحَضْرَةَ تُعْطِي أَنْ لَا يُشْهَدَ سِوَاهَا وَأَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى مُحَيّا غَيْرِ مُحَيّاهَا فَقَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَاثْبُتْ فِي الْمَقَامِ الْأَوْحَدِ وَإِيَّاكَ وَالْعَدَدَ فَإِنَّ فِيهِ هَلَاكَ الْأَبَدِ ثُمَّ اتَّفَقَتْ مُخَاطَبَاتٌ وَأَخْبَارٌ أَذْكُرُهَا فِي بَابِ الْحَجِّ وَمَكَّةَ مَعَ جُمْلَةِ أَسْرَارٍ وَصْلٌ
- ¶ 108
فَقَالَ النَّجِيُّ الوَفِيُّ يَا أَكْرَمَ وَلِيٍّ وَصَفِيٍّ مَا ذَكَرْتَ لِي أَمْرًا إِلَّا أَنَا بِهِ عَالِمٌ وَهُوَ بِذَاتِي مُسَطَّرٌ قَائِمٌ قُلْتُ لَقَدْ شَوَّقْتَنِي إِلَى التَّطَلُّعِ إِلَيْكَ مِنْكَ حَتَّى أُخْبِرَ عَنْكَ فَقَالَ نَعَمْ أَيُّهَا الغَرِيبُ الوَارِدُ وَالطَّالِبُ القَاصِدُ ادْخُلْ مَعِي كَعْبَةَ الحِجْرِ فَهُوَ البَيْتُ المُتَعَالِي عَنِ الحِجَابِ وَالسِّتْرِ وَهُوَ مَدْخَلُ العَارِفِينَ وَفِيهِ رَاحَةُ الطَّائِفِينَ فَدَخَلْتُ مَعَهُ بَيْتَ الحِجْرِ فِي الحَالِ وَأَلْقَى يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ أَنَا السَّابِعُ فِي مَرْتَبَةِ الإِحَاطَةِ بِالكَوْنِ وَبِأَسْرَارِ وُجُودِ العَيْنِ وَالأَيْنِ أَوْجَدَنِي الحَقُّ قِطْعَةَ نُورٍ حَوَائِيٍّ سَادِجَهْ وَجَعَلَنِي لِلْكُلِّيَّاتِ مُمَازِجَهْ
- ¶ 109
فَبَيْنَا أَنَا مُتَطَلِّعٌ لِمَا يُلْقَى لَدَيَّ أَوْ يُنْزَلُ عَلَيَّ وَإِذَا بِالْعِلْمِ الْقَلَمِيِّ الْأَعْلَى قَدْ نَزَلَ بِذَاتِي مِنْ مَنَازِلِهِ الْعُلَى رَاكِبًا عَلَى جَوَادٍ قَائِمٍ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ فَنَكَّسَ رَأْسَهُ إِلَى ذَاتِي فَانْتَشَرَتِ الْأَنْوَارُ وَالظُّلُمَاتُ وَنَفَثَ فِي رُوعِي جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ فَفَتَقَ أَرْضِي وَسَمَائِي وَأَطْلَعَنِي عَلَى جَمِيعِ أَسْمَائِي فَعَرَفْتُ نَفْسِي وَغَيْرِي وَمَيَّزْتُ بَيْنَ شَرِّي وَخَيْرِي وَفَصَّلْتُ مَا بَيْنَ خَالِقِي وَحَقَائِقِي ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي ذَلِكَ الْمَلَكُ
- ¶ 110
وَقَالَ تَعَلَّمْ أَنَّكَ حَضْرَةُ الْمَلِكِ فَتَهَيَّأْتُ لِلنُّزُولِ وَوُرُودِ الرَّسُولِ فَتَجَارَتِ الْأَمْلَاكُ إِلَيَّ وَدَارَتِ الْأَفْلَاكُ عَلَيَّ وَالْكُلُّ لِيَمِينِي مُقَبِّلُونَ وَعَلَى حَضْرَتِي مُقْبِلُونَ وَمَا رَأَيْتُ مَلِكًا نَزَلَ وَلَا مَلَكًا عَنِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيَّ انْتَقَلَ وَلَحَظْتُ فِي بَعْضِ جَوَانِبِي فَرَأَيْتُ صُورَةَ الْأَزَلِ فَعَلِمْتُ أَنَّ النُّزُولَ مُحَالٌ فَثَبَتُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ وَأَعْلَمْتُ بَعْضَ الْخَاصَّةِ مَا شَهِدْتُ وَأَطْلَعْتُهُمْ مِنِّي عَلَى مَا وَجَدْتُ فَأَنَا الرَّوْضَةُ الْيَانِعَةُ وَالثَّمَرَةُ الْجَامِعَةُ فَارْفَعْ سُتُورِي وَاقْرَأْ مَا تَضَمَّنَتْهُ سُطُورِي فَمَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ مِنِّي فَاجْعَلْهُ فِي كِتَابِكَ وَخَاطِبْ بِهِ جَمِيعَ أَحْبَابِكَ فَرَفَعْتُ سُتُورَهُ وَلَحَظْتُ مَسْطُورَهُ فَأَبْدَى لِعَيْنِي
- ¶ 111
نُورُهُ الْمُودَعُ فِيهِ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْعِلْمِ الْمَكْنُونِ وَيَحْوِيهِ فَأَوَّلُ سَطْرٍ قَرَأْتُهُ وَأَوَّلُ سِرٍّ مِنْ ذَلِكَ السَّطْرِ عَلِمْتُهُ مَا أَذْكُرُهُ الْآنَ فِي هَذَا الْبَابِ الثَّانِي وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَهْدِي إِلَى الْعِلْمِ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ
Alludes to the Quran 46:30
Translations, word glosses and term notes are AI-generated (Claude) and marked as such; no published translation is reproduced.Word analysis is automatic (CAMeL Tools), guided by the text's vowelling. How this text was established.