Mashrabaمشربة
Skip to the textSkip to the word panel

Ḥayy ibn Yaqẓān (Ibn Ṭufayl), part one

حي بن يقظان لابن طفيل

About the vowels: added by AI; uncertain words are underlined

The source of this text, a printed edition or a manuscript, has few or no vowel marks, as is usual for such texts. The vowels shown were added by AI and checked against an independent grammatical analyser; the few words where the two disagree are underlined as uncertain. Choose “Unvowelled” under Aa to read the letters alone.

  1. 0
    ،،،،،،«»«»..

    Quotes the Quran 96:4–5 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 4:113 · text of the quotation verified against Tanzil

    Praise be to God, the Mighty, the Mightiest; the Eternal, the Most Ancient; the Knowing, the Most Knowing; the Wise, the Wisest; the Merciful, the Most Merciful; the Generous, the Most Generous; the Forbearing, the Most Forbearing, 'who taught by the pen, taught man what he did not know' (Q 96:4–5), 'and God's bounty toward you has been great' (Q 4:113). I praise Him for the abundance of His blessings and thank Him for the unbroken succession of His favors. I bear witness that there is no god but God alone, who has no partner, and that Muḥammad is His servant and His messenger: possessor of pure character, of the dazzling miracle, of the overpowering proof, and of the drawn sword. May God's blessings and peace be upon him, upon his family and his companions, men of lofty aspirations, possessed of virtues and marks of distinction, and upon all the Companions and the Followers until the Day of Judgment; and may He grant them abundant peace.

  2. 1
    --،.--.

    You have asked, O noble brother, sincere and intimate friend — may God grant you everlasting life and make you happy with a perpetual happiness — that I disclose to you what I am able to disclose of the secrets of the Oriental wisdom mentioned by the Master, the Imām, the Chief, Abū ʿAlī ibn Sīnā. Know, then, that whoever desires the truth in which there is no obscurity must seek these secrets and strive earnestly to acquire them. Your question has stirred in me a noble thought which led me — praise be to God — to the direct witnessing of a state I had never witnessed before, and brought me to a point so extraordinary that no tongue can describe it and no discourse can do it justice, for it belongs to a stage other than theirs and a world other than theirs.

  3. 2
    «».:«»:«».

    Quotes a saying: Abū Yazīd al-Bisṭāmī (attrib.)

    Quotes a saying: al-Ḥallāj (attrib.)

    Quotes a saying: attrib. variously (cf. "mā fī l-jubba illā llāh")

    However, that state, on account of the radiance, gladness, delight, and joy it holds, is such that whoever has arrived at it and reached one of its limits cannot conceal its matter or hide its secret. Rather, there comes over him such rapture, vigor, exuberance, and expansiveness as drives him to divulge it in general terms, without detail; and if he is one whom the sciences have not made adept, he speaks of it without precision, so that one of them said in this state, "Glory be to me, how great is my station!" Another said, "I am the Truth," and another said, "There is nothing in the robe but God."

  4. 3
    :..

    Quotes a poetry: commonly ascribed to Ibn al-Muʿtazz (to verify)

    As for the Shaykh Abū Ḥāmid al-Ghazālī (God's mercy be upon him), on his arrival at this state he spoke, quoting this verse: "And there came to be what came to be, of which I shall not speak; so think well of it, and do not ask for an account." For he had been refined by the knowings (maʿārif) and made adept by the sciences.

  5. 4

    وَانْظُرْ اِلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الصَّائِغِ الْمُتَّصِلِ كَلَامُهُ فِي صِفَةِ الِاتِّصَالِ فَإِنَّهُ يَقُولُ : «إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْ كِتَابِهِ ذَلِكَ ، ظَهَرَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَايُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومٌ مِنَ الْعُلُومِ الْمُتَعَاطَاةِ فِي رُتْبَةٍ وَحَصَلَ مُتَصَوِّرُهُ يَفْهَمُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي رُتْبَةٍ يَرَى نَفْسَهُ فِيهَا مُبَايِناً لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مَعَ اعْتِقَادَاتٍ أُخَرَ لَيْسَتْ هَيُولَانِيَّةً وَهِيَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ تُنْسَبَ اِلَى الْحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ بَلْ هِيَ أَحْوَالٌ مِنْ أَحْوَالِ السُّعَدَاءِ مُنَزَّهَةٌ عَنْ تَرْكِيبِ الْحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ بَلْ هِيَ أَحْوَالٌ مِنْ أَحْوَالِ السُّعَدَاءِ خَلِيقَةٌ أَنْ يُقَالَ لَهَا أَحْوَالٌ إِلَهِيَّةٌ يَهَبُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ .

    Quotes a quotation: Ibn Bājja, Risālat al-ittiṣāl

  6. 5

    وَهَذِهِ الرُّتْبَةُ الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ يَنْتَهِي إِلَيْهَا بِطَرِيقِ الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ وَالْبَحْثِ الْفِكْرِيِّ . وَلَاشَكَّ أَنَّهُ بَلَغَهَا وَلَمْ يَتَخَطَّهَا . وَأَمَّا الرُّتْبَةُ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا نَحْنُ أَوَّلاً فَهِيَ غَيْرُهَا وَإِنْ كَانَتْ إِيَّاهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَايَنْكَشِفُ فِيهَا أَمْرٌ عَلَى خِلَافِ مَا انْكَشَفَ فِي هَذِهِ وَإِنَّمَا تُغَايِرُهَا بِزِيَادَةِ الْوُضُوحِ وَمُشَاهَدَتِهَا بِأَمْرٍ لَا نُسَمِّيهِ قُوَّةً إِلَّا عَلَى الْمَجَازِ إِذْ لَانَجِدُ فِي الْأَلْفَاظِ الْجُمْهُورِيَّةِ وَلَا فِي الِاصْطِلَاحَاتِ الْخَاصَّةِ أَسْمَاءً تَدُلُّ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي يُشَاهَدُ بِهِ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ .

  7. 6

    وَهَذِهِ الْحَالُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَحَرَّكْنَا سُؤَالَكَ إِلَى ذَوْقٍ مِنْهَا هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ حَيْثُ يَقُولُ : «ثُمَّ إِذَا بَلَغَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ وَالرِّيَاضَةُ حَدّاً مَا عَنَّتْ بِهِ خَلَسَاتٌ مِنِ اطِّلَاعِ نُورِ الْحَقِّ لَذِيذَةٌ كَأَنَّهَا بُرُوقٌ تُومِضُ إِلَيْهِ ثُمَّ تَخْمُدُ عَنْهُ ثُمَّ إِنَّهُ تَكْثُرُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْغَوَاشِي إِذَا أَمْعَنَ فِي الِارْتِيَاضِ ثُمَّ إِنَّهُ لَيُوغِلُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَغْشَاهُ فِي غَيْرِ الِارْتِيَاضِ فَكُلَّمَا لَمَحَ شَيْئاً عَاجَ مِنْهُ الَى جَنَّاتِ الْقُدْسِ فَيَذْكُرُ مِنْ أَمْرِهِ أَمْراً فَيَغْشَاهُ غَاشٍ فَيَكَادُ يَرَى الْحَقَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ .

    Quotes a quotation: Ibn Sīnā, al-Ishārāt wa-l-tanbīhāt, namaṭ 9 (maqāmāt al-ʿārifīn)

  8. 7

    ثُمَّ إِنَّهُ لَتَبْلُغُ بِهِ الرِّيَاضَةُ مَبْلَغاً يَنْقَلِبُ لَهُ وَقْتُهُ سَكِينَةً» ، «فَيَصِيرُ الْمَخْطُوفُ مَأْلُوفاً وَالْوَمِيضُ شِهَاباً بَيِّناً وَتَحْصُلُ لَهُ مَصَارِفُهُ مُسْتَقِرَّةً كَأَنَّهَا صُحْبَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ» . . اِلَى مَا وَصَفَهُ مِنْ تَدْرِيجِ الْمَرَاتِبِ وَانْتِهَائِهَا اِلَى النُّبْلِ بِأَنْ يَصِيرَ سِرُّهُ مِرْآةً مَجْلُوَّةً يُحَاذِي بِهَا شَطْرَ الْحَقِّ ، وَحِينَئِذٍ تَدِرُّ عَلَيْهِ اللَّذَّاتُ الْعُلَى . وَيَفْرَحُ بِنَفْسِهِ لِمَا يَرَى بِهَا مِنْ أَثَرِ الْحَقِّ وَيَكُونُ لَهُ فِي هَذِهِ الرُّتْبَةِ نَظَرٌ اِلَى الْحَقِّ وَنَظَرٌ اِلَى نَفْسِهِ وَهُوَ بَعْدُ مُتَرَدِّدٌ ثُمَّ إِنَّهُ لَيَغِيبُ عَنْ نَفْسِهِ فَيَلْحَظُ جَنَابَ الْقُدْسِ فَقَطْ وَإِنْ لَحَظَ نَفْسَهُ فَمِنْ حَيْثُ هِيَ لَاحِظَةٌ وَهُنَاكَ يَحِقُّ الْوُصُولُ» .

  9. 8

    فَهَذِهِ الأَحْوَالُ الَّتِي وَصَفَهَا إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا أَنْ تَكُونَ لَهُ ذَوْقاً لَا عَلَى سَبِيلِ الإِدْرَاكِ النَّظَرِيِّ المُسْتَخْرَجِ بِالمَقَايِيسِ وَتَقْدِيمِ المُقَدِّمَاتِ وَإِنْتَاجِ النَّتَائِجِ ، وَإِنْ أَرَدْتَ مِثَالاً يَظْهَرُ لَكَ بِهِ الفَرْقُ بَيْنَ إِدْرَاكِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَإِدْرَاكِ سِوَاهَا فَتَخَيَّلْ حَالَ مَنْ خُلِقَ مَكْفُوفَ البَصَرِ إِلَّا أَنَّهُ جَيِّدُ الفِطْرَةِ قَوِيُّ الحَدْسِ ثَابِتُ الحِفْظِ مُسَدَّدُ الخَاطِرِ فَنَشَأَ مُنْذُ كَانَ فِي بَلْدَةٍ مِنَ البُلْدَانِ وَمَا زَالَ يَتَعَرَّفُ أَشْخَاصَ النَّاسِ بِهَا وَكَثِيراً مِنْ أَنْوَاعِ الحَيَوَانِ وَالجَمَادَاتِ وَسِكَكَ المَدِينَةِ وَمَسَالِكَهَا وَدِيَارَهَا وَأَسْوَاقَهَا بِمَا لَهُ مِنْ ضُرُوبِ الإِدْرَاكَاتِ الأُخَرِ حَتَّى صَارَ يَمْشِي فِي تِلْكَ المَدِينَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَيَعْرِفُ كُلَّ مَنْ يَلْقَاهُ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ بِأَوَّلِ وَهْلَةٍ .

  10. 9

    وَكَانَ يَعْرِفُ الْأَلْوَانَ وَحْدَهَا بِشُرُوحِ أَسْمَائِهَا وَبَعْضِ حُدُودٍ تَدُلُّ عَلَيْهَا . ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ أَنْ حَصَلَ عَلَى هَذِهِ الرُّتْبَةِ فُتِحَ بَصَرُهُ وَحَدَثَتْ لَهُ الرُّؤْيَةُ الْبَصَرِيَّةُ فَمَشَى فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ كُلِّهَا وَطَافَ بِهَا فَلَمْ يَجِدْ أَمْراً عَلَى اخْتِلَافِ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ وَلَا أَنْكَرَ مِنْ أَمْرِهَا شَيْئاً . وَصَادَفَ الْأَلْوَانَ عَلَى نَحْوِ صِدْقِ الرُّسُومِ عِنْدَهُ الَّتِي كَانَتْ رُسِمَتْ لَهُ بِهَا غَيْرَ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حَدَثَ لَهُ أَمْرَانِ عَظِيمَانِ ، أَحَدُهُمَا تَابِعٌ لِلْآخَرِ وَهُمَا . .

  11. 10

    زِيَادَةُ الْوُضُوحِ وَالِانْبِلَاجِ وَاللَّذَّةُ الْعَظِيمَةُ ، فَحَالُ النَّاظِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا الَى طَوْرِ الْوِلَايَةِ هِيَ حَالَةُ الْأَعْمَى الْأُولَى وَالْأَلْوَانُ الَّتِي فِي هَذِهِ الْحَالِ مَعْلُومَةً بِشُرُوحِ أَسْمَائِهَا هِيَ تِلْكَ الْأُمُورُ الَّتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّهَا أَجَلُّ مِنْ أَنْ تُنْسَبَ الَى الْحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ يَهَبُهَا اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ . وَحَالُ النُّظَّارِ الَّذِينَ وَصَلُوا الَى طَوْرِ الْوِلَايَةِ وَمَنَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي قُلْنَا إِنَّهُ لَايُسَمَّى قُوَّةً إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ، هِيَ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ .

  12. 11

    وَقَدْ خَرَجَ بِنَا الْكَلَامُ اِلَى غَيْرِ مَا حَرَّكْتَنَا إِلَيْهِ بِسُؤَالِكَ بَعْضَ خُرُوجٍ بِحَسَبِ مَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ وَظَهَرَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ مَطْلُوبَكَ لَمْ يَتَعَدَّ أَحَدَ غَرَضَيْنِ . أَمَّا أَنْ تَسْأَلَ عَمَّا يَرَاهُ أَصْحَابُ الْمُشَاهَدَةِ وَالْأَذْوَاقِ وَالْحُضُورِ فِي طَوْرِ الْوِلَايَةِ فَهَذَا مِمَّا لَايُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ عَلَى حَقِيقَةِ أَمْرِهِ فِي كِتَابٍ ، وَمَتَى حَاوَلَ أَحَدٌ ذَلِكَ وَتَكَلَّفَهُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْكَتْبِ اسْتَحَالَتْ حَقِيقَتُهُ وَصَارَ مِنْ قَبِيلِ الْقِسْمِ الْآخَرِ النَّظَرِيِّ لِأَنَّهُ إِذَا كُسِىَ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ وَقَرُبَ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ لَمْ يَبْقَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ وَلَا حَالٍ وَاخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَزَلَّتْ بِهِ أَقْدَامُ قَوْمٍ مِنَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَظُنَّ بِآخَرِينَ أَنَّ أَقْدَامَهُمْ زَلَّتْ وَهِيَ لَمْ تَزِلَّ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَانِهَايَةَ لَهُ فِي حَضْرَةٍ مُتَّسِعَةِ الْأَكْنَافِ ، مُحِيطَةٍ غَيْرِ مُحَاطٍ بِهَا .

  13. 12

    وَالْغَرَضُ الثَّانِي مِنَ الْغَرَضَيْنِ اللَّذَيْنِ قُلْنَا إِنَّ سُؤَالَكَ لَنْ يَتَعَدَّى أَحَدَهُمَا هُوَ أَنْ تَبْتَغِيَ التَّعْرِيفَ بِهَذَا الْأَمْرِ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ النَّظَرِ . وَهَذَا - أَكْرَمَكَ اللَّهُ بِوِلَايَتِهِ - شَيْءٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُوضَعَ فِي الْكُتُبِ وَتَتَصَرَّفَ بِهِ الْعِبَارَاتُ وَلَكِنَّهُ أَعْدَمُ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الصُّقْعِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنَ الْغَرَابَةِ فِي حَدٍّ لَا يَظْفَرُ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ إِلَّا الْفَرْدُ بَعْدَ الْفَرْدِ - وَمَنْ ظَفِرَ بِشَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ إِلَّا رَمْزاً فَإِنَّ الْمِلَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ وَالشَّرِيعَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ قَدْ مَنَعَتْ مِنَ الْخَوْضِ فِيهِ وَحَذَّرَتْ عَنْهُ .

  14. 13

    وَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ الْفَلْسَفَةَ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْنَا فِي كُتُبِ أَرِسْطُوطَالِيسَ وَأَبِي نَصْرٍ وَفِي كِتَابِ الشِّفَاءِ تَفِي بِهَذَا الْغَرَضِ الَّذِي أَرَدْتَهُ وَلَا أَنَّ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ كَتَبَ فِيهِ شَيْئاً فِيهِ كِفَايَةٌ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ نَشَأَ بِالْأَنْدَلُسِ مِنْ أَهْلِ الْفِطْرَةِ الْفَائِقَةِ قَبْلَ شُيُوعِ عِلْمِ الْمَنْطِقِ وَالْفَلْسَفَةِ فِيهَا قَطَعُوا أَعْمَارَهُمْ بِعُلُومِ التَّعَالِيمِ وَبَلَغُوا فِيهَا مَبْلَغاً رَفِيعاً وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . ثُمَّ خَلَفَتْ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ زَادُوا عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْمَنْطِقِ فَنَظَرُوا فِيهِ وَلَمْ يُفْضِ بِهِمْ اِلَى حَقِيقَةِ الْكَمَالِ فَكَانَ فِيهِمْ مَنْ قَالَ :

  15. 14

    بَرَّحَ بِي أَنَّ عُلُومَ الوَرَى اثْنَانِ مَا إِنْ فِيهِمَا مِنْ مَزِيدْ «حَقِيقَةٌ» يَعْجِزُ تَحْصِيلُهَا وَ «بَاطِلٌ» تَحْصِيلُهُ مَا يُفِيدْ ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ آخَرُ أَحْذَقُ مِنْهُمْ نَظَراً وَأَقْرَبُ اِلَى الحَقِيقَةِ . وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَثْقَبُ ذِهْناً وَلَا أَصَحُّ نَظَراً وَلَا أَصْدَقُ رَوِيَّةً مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الصَّائِغِ . غَيْرَ أَنَّهُ شَغَلَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى اخْتَرَمَتْهُ المَنِيَّةُ قَبْلَ ظُهُورِ خَزَائِنِ عِلْمِهِ وَبَثِّ خَفَايَا حِكْمَتِهِ . وَأَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لَهُ مِنَ التَّآلِيفِ إِنَّمَا هِيَ كَامِلَةٌ وَمَجْزُومَةٌ مِنْ أَوَاخِرِهَا كَكِتَابِهِ «فِي النَّفْسِ» وَ «تَدْبِيرِ المُتَوَحِّدِ» وَمَا كَتَبَهُ فِي المَنْطِقِ وَعِلْمِ الطَّبِيعَةِ .

    Quotes a poetry: anonymous (an Andalusian logician, per Ibn Ṭufayl)

  16. 15

    وَأَمَّا كُتُبُهُ الْكَامِلَةُ فَهِيَ كُتُبٌ وَجِيزَةٌ وَرَسَائِلُ مُخْتَلَسَةٌ وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ نَفْسُهُ بِذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ بُرْهَانُهُ فِي «رِسَالَةِ الِاتِّصَالِ» لَيْسَ يُعْطِيهِ ذَلِكَ الْقَوْلُ عَطَاءً بَيِّناً إِلَّا بَعْدَ عُسْرٍ وَاسْتِكْرَاهٍ شَدِيدٍ ، وَأَنَّ تَرْتِيبَ عِبَارَتِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الْأَكْمَلِ وَلَوِ اتَّسَعَ لَهُ الْوَقْتُ مَالَ لِتَبْدِيلِهَا . فَهَذَا حَالُ مَا وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ عِلْمِ هَذَا الرَّجُلِ وَنَحْنُ لَمْ نَلْقَ شَخْصَهُ .

  17. 16

    وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُعَاصِراً لَهُ مِمَّنْ لَمْ يُوصَفْ بِأَنَّهُ فِي مِثْلِ دَرَجَتِهِ فَلَمْ نَرَ لَهُ تَأْلِيفاً . وَأَمَّا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُعَاصِرِينَ لَنَا فَهُمْ بَعْدُ فِي حَدِّ التَّزَايُدِ أَوِ الْوُقُوفِ عَلَى غَيْرِ كَمَالٍ أَوْ مِمَّنْ لَمْ تَصِلْ إِلَيْنَا حَقِيقَةُ أَمْرِهِ .

  18. 17

    وَأَمَّا مَا وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ كُتُبِ أَبِي نَصْرٍ فَأَكْثَرُهَا فِي الْمَنْطِقِ وَمَا وَرَدَ مِنْهَا فِي الْفَلْسَفَةِ فَهِيَ كَثِيرَةُ الشُّكُوكِ . . . . فَقَدْ أَثْبَتَ فِي كِتَابِهِ «الْمِلَّةِ الْفَاضِلَةِ» بَقَاءَ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي آلَامٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَبَقَاءً لَا نِهَايَةَ لَهُ ثُمَّ صَرَّحَ فِي «السِّيَاسَةِ الْمَدَنِيَّةِ» بِأَنَّهَا مُنْحَلَّةٌ وَسَائِرَةٌ الَى الْعَدَمِ وَأَنَّهُ لَا بَقَاءَ إِلَّا لِلنُّفُوسِ الْفَاضِلَةِ الْكَامِلَةِ ثُمَّ وَصَفَ فِي شَرْحِ «كِتَابِ الْأَخْلَاقِ» شَيْئاً مِنْ أَمْرِ السَّعَادَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَأَنَّهَا إِنَّمَا أَنْ تَكُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي هَذِهِ الدَّارِ ، ثُمَّ قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ كَلَاماً هَذَا مَعْنَاهُ :

  19. 18

    «وَكُلُّ مَا يُذْكَرُ غَيْرَ هَذَا فَهُوَ هَذَيَانٌ وَخُرَافَاتُ عَجَائِزَ» ، فَهَذَا قَدْ أَيْأَسَ الْخَلْقَ جَمِيعاً مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَيَّرَ الْفَاضِلَ وَالشِّرِّيرَ فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ إِذْ جَعَلَ مَصِيرَ الْكُلِّ الَى الْعَدَمِ وَهَذِهِ زَلَّةٌ لَا تُقَالُ وَعَثْرَةٌ لَيْسَ بَعْدَهَا جَبْرٌ هَذَا مَعَ مَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ سُوءِ مُعْتَقَدِهِ فِي النُّبُوَّةِ وَأَنَّهَا بِزَعْمِهِ لِلْقُوَّةِ الْخَيَالِيَّةِ خَاصَّةً ، وَتَفْضِيلِهِ الْفَلْسَفَةَ عَلَيْهَا الَى أَشْيَاءَ لَيْسَ بِنَا حَاجَةٌ الَى إِيرَادِهَا .

  20. 19

    وَأَمَّا كُتُبُ «أَرِسْطُوطَالِيسَ» فَقَدْ تَكَفَّلَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ بِالتَّعْبِيرِ عَمَّا فِيهَا وَجَرَى عَلَى مَذْهَبِهِ وَسَلَكَ طَرِيقَ فَلْسَفَتِهِ فِي «كِتَابِ الشِّفَاءِ» وَصَرَّحَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَلَّفَ ذَلِكَ الْكِتَابَ عَلَى مَذْهَبِ الْمَشَّائِينَ وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ الْحَقَّ الَّذِي لَا جَمْجَمَةَ فِيهِ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِهِ فِي «الْفَلْسَفَةِ الْمَشْرِقِيَّةِ» . وَمَنْ عُنِيَ بِقِرَاءَةِ كِتَابِ «الشِّفَاءِ» وَبِقِرَاءَةِ كُتُبِ أَرِسْطُوطَالِيسَ ظَهَرَ لَهُ فِي أَكْثَرِ الْأُمُورِ أَنَّهَا تَتَّفِقُ وَإِنْ كَانَ فِي كِتَابِ «الشِّفَاءِ» أَشْيَاءُ لَمْ تَبْلُغْ إِلَيْنَا عَنْ أَرِسْطُو .

  21. 20

    وَإِذَا أُخِذَ جَمِيعُ مَا تُعْطِيهِ كُتُبُ أَرِسْطُو وَكِتَابُ «الشِّفَاءِ» عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ أَنْ يُتَفَطَّنَ لِسِرِّهِ وَبَاطِنِهِ لَمْ يُوصَلْ بِهِ الَى الْكَمَالِ حَسَبَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي كِتَابِ «الشِّفَاءِ» .

  22. 21

    وَأَمَّا كُتُبُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ فَهِيَ بِحَسَبِ مُخَاطَبَتِهِ لِلْجُمْهُورِ تَرْبِطُ فِي مَوْضِعٍ وَتَحُلُّ فِي آخَرَ وَتُكَفِّرُ بِأَشْيَاءَ ثُمَّ تَنْحَلُهَا ، ثُمَّ إِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا كَفَّرَ بِهِ الْفَلَاسِفَةَ فِي «كِتَابِ التَّهَافُتِ» وَإِنْكَارُهُمْ لِحَشْرِ الْأَجْسَادِ وَإِثْبَاتُهُمُ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لِلنُّفُوسِ خَاصَّةً ثُمَّ قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ «الْمِيزَانِ» «إِنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ هُوَ اعْتِقَادُ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ عَلَى الْقَطْعِ» ثُمَّ قَالَ فِي كِتَابِ «الْمُنْقِذِ مِنَ الضَّلَالِ وَالْمُفْصِحِ بِالْأَحْوَالِ» «إِنَّ اعْتِقَادَهُ هُوَ كَاعْتِقَادِ الصُّوفِيَّةِ وَإِنَّ أَمْرَهُ إِنَّمَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ» وَفِي كُتُبِهِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرٌ يَرَاهُ مَنْ تَصَفَّحَهَا وَأَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهَا .

  23. 22

    وَقَدِ اعْتَذَرَ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ فِي آخِرِ كِتَابِ «مِيزَانِ الْعَمَلِ» حَيْثُ وَصَفَ أَنَّ الْآرَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ رَأْيٌ يُشَارِكُ فِيهِ الْجُمْهُورَ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ وَرَأْيٌ يَكُونُ بِحَسَبِ مَا يُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ سَائِلٍ وَمُسْتَرْشِدٍ وَرَأْيٌ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ نَفْسِهِ لَايَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ هُوَ شَرِيكُهُ فِي اعْتِقَادِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ «وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ إِلَّا مَا يُشَكِّكُ فِي اعْتِقَادِكَ الْمَوْرُوثِ لَكَفَى بِذَلِكَ نَفْعًا . فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَشُكَّ لَمْ يَنْظُرْ وَمَنْ لَمْ يَنْظُرْ لَمْ يُبْصِرْ . وَمَنْ لَمْ يُبْصِرْ بَقِيَ فِي الْعَمَى وَالْحَيْرَةِ .

  24. 23

    ثُمَّ تَمَثَّلَ بِهَذَا الْبَيْتِ خُذْ مَا تَرَاهُ وَدَعْ شَيْئاً سَمِعْتَ بِهِ فِي طَلْعَةِ الشَّمْسِ مَا يُغْنِيكَ عَنْ زُحَلِ فَهَذِهِ صِفَةُ تَعْلِيمِهِ وَأَكْثَرُهُ إِنَّمَا هُوَ رَمْزٌ وَإِشَارَةٌ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا إِلَّا مَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا بِبَصِيرَةِ نَفْسِهِ أَوْ لِإِلْمَامٍ سَمِعَهَا مِنْهُ ثَانِياً أَوْ مَنْ كَانَ مُعَدّاً لِفَهْمِهَا فَائِقَ الْفِطْرَةِ فَهُوَ يَكْتَفِي بِأَيْسَرِ إِشَارَةٍ . وَقَدْ ذَكَرَ فِي «كِتَابِ الْجَوْهَرِ» أَنَّ لَهُ كُتُباً مَضْنُوناً بِهَا عَلَى أَهْلِهَا وَأَنَّهُ ضَمَّنْتُهَا صَرِيحَ الْحَقِّ

    Quotes a poetry: commonly ascribed to al-Mutanabbī (to verify)

  25. 24

    وَلَمْ يَصِلْ الَى الْأَنْدَلُسِ فِي عِلْمِنَا مِنْهَا شَيْءٌ بَلْ وَصَلَتْ كُتُبٌ يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا هِيَ تِلْكَ الْمَضْنُونُ بِهَا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَتِلْكَ الْكُتُبُ هِيَ كِتَابُ «الْمَعَارِفِ الْعَقْلِيَّةِ» وَكِتَابُ «النَّفْخِ وَالتَّسْوِيَةِ» وَ «مَسَائِلُ مَجْمُوعَةٌ» وَسِوَاهَا وَهَذِهِ الْكُتُبُ وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا إِشَارَاتٌ فَإِنَّهَا لَاتَتَضَمَّنُ عَظِيمَ زِيَادَةٍ فِي الْكَشْفِ عَلَى مَا هُوَ مَبْثُوثٌ فِي كُتُبِهِ الْمَشْهُورَةِ . وَقَدْ يُوجَدُ فِي كِتَابِ «الْمَقْصَدِ الْأَسْنَى» مَا هُوَ أَغْمَضُ مِمَّا فِي تِلْكَ . وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ بِأَنَّ كِتَابَ «الْمَقْصَدِ الْأَسْنَى» لَيْسَ مَضْنُوناً بِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ الْوَاصِلَةَ لَيْسَتْ هِيَ الْمَضْنُونَ بِهَا .

  26. 25

    وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ كَلَامِهِ الْوَاقِعِ فِي آخِرِ «كِتَابِ الْمِشْكَاةِ» أَمْراً عَظِيماً أَوْقَعَهُ فِي مَهْوَاةٍ لَا مَخْلَصَ لَهُ مِنْهَا وَهُوَ قَوْلُهُ - بَعْدَ ذِكْرِ أَصْنَافِ الْمَحْجُوبِينَ بِالْأَنْوَارِ ثُمَّ انْتِقَالِهِ الَى ذِكْرِ الْوَاصِلِينَ - : إِنَّهُمْ وَقَفُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَوْجُودَ الْعَظِيمَ مُتَّصِفٌ بِصِفَةٍ تُنَافِى الْوَحْدَانِيَّةَ الْمَحْضَةَ فَأَرَادَ أَنْ يُلْزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَوَّلَ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ فِي ذَاتِهِ كَثْرَةٌ مَا تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً .

    Alludes to the Quran 17:43

  27. 26

    وَلَاشَكَّ عِنْدَنَا فِي أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ مِمَّنْ سَعِدَ السَّعَادَةَ الْقُصْوَى وَوَصَلَ تِلْكَ الْمَوَاصِلَ الشَّرِيفَةَ الْمُقَدَّسَةَ . لَكِنَّ كُتُبَهُ الْمَضْنُونَ بِهَا الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى عِلْمِ الْمُكَاشَفَةِ لَمْ تَصِلْ إِلَيْنَا .

  28. 27

    وَلَمْ يَتَخَلَّصْ لَنَا نَحْنُ الْحَقُّ الَّذِي انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ وَكَانَ مَبْلَغُنَا مِنَ الْعِلْمِ تَتَبُّعَ كَلَامِهِ وَكَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ وَصَرْفَ بَعْضِهِمَا اِلَى بَعْضٍ وَإِضَافَةَ ذَلِكَ اِلَى الْآرَاءِ الَّتِي نَبَغَتْ فِي زَمَانِنَا هَذَا وَلَهِجَ بِهَا قَوْمٌ مِنْ مُنْتَحِلِي الْفَلْسَفَةِ حَتَّى اسْتَقَامَ لَنَا الْحَقُّ أَوَّلاً بِطَرِيقِ الْبَحْثِ وَالنَّظَرِ ثُمَّ وَجَدْنَا مِنْهُ الْآنَ هَذَا الذَّوْقَ الْيَسِيرَ بِالْمُشَاهَدَةِ وَحِينَئِذٍ رَأَيْنَا أَنْفُسَنَا أَهْلاً لِوَضْعِ كَلَامٍ يُؤْثَرُ عَنَّا وَتَعَيَّنَ عَلَيْنَا أَنْ تَكُونَ - أَيُّهَا السَّائِلُ - أَوَّلَ مَنْ أَتْحَفْنَاهُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَطْلَعْنَاهُ عَلَى مَا لَدَيْنَا لِصَحِيحِ وَلَائِكَ وَزَكَاءِ صَفَائِكَ .

  29. 28

    غَيْرَ أَنَّنَا إِذَا أَلْقَيْنَا إِلَيْكَ بِغَايَاتِ مَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نُحْكِمَ مَبَادِيَهَا مَعَكَ لَمْ يُفِدْكَ ذَلِكَ شَيْئاً أَكْثَرَ مِنْ أَمْرٍ تَقْلِيدِيٍّ مُجْمَلٍ ، هَذَا إِنْ أَنْتَ حَسَّنْتَ ظَنَّكَ بِنَا بِحَسَبِ الْمَوَدَّةِ وَالْمُؤَالَفَةِ لَا بِمَعْنَى أَنَّا نَسْتَحِقُّ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُنَا .

  30. 29

    وَنَحْنُ لانَرْضَى لَكَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ وَنَحْنُ لَا نَقْنَعُ لَكَ بِهَذِهِ الرُّتْبَةِ وَلَا نَرْضَى لَكَ إِلَّا مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا إِذْ هِيَ غَيْرُ كَفِيلَةٍ بِالنَّجَاةِ فَضْلاً عَنِ الْفَوْزِ بِأَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَإِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ نَحْمِلَكَ عَلَى الْمَسَالِكِ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهَا سُلُوكُنَا وَنَسْبَحَ بِكَ فِي الْبَحْرِ الَّذِي قَدْ عَبَرْنَاهُ أَوَّلاً حَتَّى يُفْضِيَ بِكَ الَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَيْهِ فَتُشَاهِدَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاهَدْنَاهُ وَتَتَحَقَّقَ بِبَصِيرَةِ نَفْسِكَ كُلَّ مَا تَحَقَّقْنَاهُ وَتَسْتَغْنِيَ عَنْ رَبْطِ مَعْرِفَتِكَ بِمَا عَرَفْنَاهُ .

  31. 30

    وَهَذَا يَحْتَاجُ الَى مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ مِنَ الزَّمَانِ غَيْرِ يَسِيرٍ وَفَرَاغٍ مِنَ الشَّوَاغِلِ وَإِقْبَالٍ بِالْهِمَّةِ كُلِّهَا عَلَى هَذَا الْفَنِّ . فَإِنْ صَدَقَ مِنْكَ هَذَا الْعَزْمُ وَصَحَّتْ نِيَّتُكَ لِلتَّشْمِيرِ فِي هَذَا الْمَطْلَبِ فَسَتَحْمَدُ عِنْدَ الصَّبَاحِ مَسْرَاكَ وَتَنَالُ بَرَكَةَ مَسْعَاكَ وَتَكُونُ قَدْ أَرْضَيْتَ رَبَّكَ وَأَرْضَاكَ وَأَنَالَكَ حَيْثُ تُرِيدُهُ مِنْ أَمَلِكَ وَتَطْمَحُ إِلَيْهِ بِهِمَّتِكَ وَكُلِّيَّتِكَ . وَأَرْجُو أَنْ أَصِلَ مِنَ السُّلُوكِ بِكَ عَلَى أَقْصَدِ الطَّرِيقِ وَآمَنِهَا مِنَ الْغَوَائِلِ وَالْآفَاتِ .

  32. 31

    وَإِنْ عَرَضْتُ الْآنَ اِلَى لَمْحَةٍ يَسِيرَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّشْوِيقِ وَالْحَثِّ عَلَى دُخُولِ الطَّرِيقِ فَأَنَا وَاصِفٌ لَكَ «قِصَّةَ حَيِّ بْنِ يَقْظَانَ» وَ «أَبْسَالَ وَسَلَامَانَ» اللَّذَيْنِ سَمَّاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ . فَفِي «قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ» وَ «ذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ» .

    Quotes the Quran 12:111 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 50:37 · text of the quotation verified against Tanzil

  33. 32

    ذَكَرَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّ جَزِيرَةً مِنْ جُزُرِ الْهِنْدِ الَّتِي تَحْتَ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ وَهِيَ الْجَزِيرَةُ الَّتِي يَتَوَلَّدُ بِهَا الْإِنْسَانُ مِنْ غَيْرِ أُمٍّ وَلَا أَبٍ وَبِهَا شَجَرٌ يُثْمِرُ نِسَاءً وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَ الْمَسْعُودِيُّ أَنَّهَا جَزِيرَةُ الْوَاقْوَاقِ لِأَنَّ تِلْكَ الْجَزِيرَةَ أَعْدَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ هَوَاءً وَأَتَمُّهَا لِشُرُوقِ النُّورِ الْأَعْلَى عَلَيْهَا اسْتِعْدَاداً وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَا يَرَاهُ جُمْهُورُ الْفَلَاسِفَةِ وَكِبَارِ الْأَطِبَّاءِ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ أَعْدَلَ مَا فِي الْمَعْمُورَةِ الْإِقْلِيمُ الرَّابِعُ

  34. 33

    فَإِنْ كَانُوا قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ صَحَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى خَطِّ الاسْتِوَاءِ عِمَارَةٌ لِمَانِعٍ مِنَ الْمَوَانِعِ الْأَرْضِيَّةِ فَلِقَوْلِهِمْ إِنَّ الْإِقْلِيمَ الرَّابِعَ أَعْدَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ الْبَاقِيَةِ وَجْهٌ وَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ مَا عَلَى خَطِّ الاسْتِوَاءِ شَدِيدُ الْحَرَارَةِ ، كَالَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ أَكْثَرُهُمْ فَهُوَ خَطَأٌ يَقُومُ الْبُرْهَانُ عَلَى خِلَافِهِ ،

  35. 34

    وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَبَرْهَنَ فِي الْعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ أَنَّهُ لَاسَبَبَ لِتَكَوُّنِ الْحَرَارَةِ إِلَّا الْحَرَكَةُ أَوْ مُلَاقَاةُ الْأَجْسَامِ الْحَارَّةِ وَالْإِضَاءَةُ وَتَبَيَّنَ فِيهَا أَيْضاً أَنَّ الشَّمْسَ بِذَاتِهَا غَيْرُ حَارَّةٍ وَلَا مُتَكَيِّفَةٍ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمِزَاجِيَّةِ وَقَدْ تَبَيَّنَ فِيهَا أَيْضاً أَنَّ الْأَجْسَامَ الَّتِي تَقْبَلُ الْإِضَاءَةَ أَتَمَّ الْقَبُولِ هِيَ الْأَجْسَامُ الصَّقِيلَةُ غَيْرُ الشَّفَّافَةِ وَيَلِيهَا فِي قَبُولِ ذَلِكَ الْأَجْسَامُ الْكَثِيفَةُ غَيْرُ الصَّقِيلَةِ . فَأَمَّا الْأَجْسَامُ الشَّفَّافَةُ الَّتِي لَا شَيْءَ فِيهَا مِنَ الْكَثَافَةِ فَلَا تَقْبَلُ الضَّوْءَ بِوَجْهٍ وَهَذَا وَحْدَهُ مِمَّا بَرْهَنَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ خَاصَّةً وَلَمْ يَذْكُرْهُ مَنْ تَقَدَّمَهُ .

  36. 35

    فَإِذَا تَمَّ وَصَحَّتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ فَاللَّازِمُ عَنْهَا أَنَّ الشَّمْسَ لَاتُسَخِّنُ الْأَرْضَ كَمَا تُسَخِّنُ الْأَجْسَامُ الْحَارَّةُ أَجْسَاماً أُخَرَ تُمَاسُّهَا لِأَنَّ الشَّمْسَ فِي ذَاتِهَا غَيْرُ حَارَّةٍ وَلَا الْأَرْضُ أَيْضاً تَسْخُنُ بِالْحَرَكَةِ لِأَنَّهَا سَاكِنَةٌ وَلَا عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ عَلَيْهَا وَفِي وَقْتِ مَغِيبِهَا عَنْهَا . وَأَحْوَالُهَا فِي التَّسْخِينِ وَالتَّبْرِيدِ ظَاهِرَةُ الِاخْتِلَافِ لِلْحِسِّ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَلَا لِلشَّمْسِ أَيْضاً تُسَخِّنُ الْهَوَاءَ أَوَّلاً ثُمَّ تُسَخِّنُ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَرْضَ بِتَوَسُّطِ سُخُونَةِ الْهَوَاءِ .

  37. 36

    وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَنَحْنُ نَجِدُ أَنَّ مَا قَرُبَ مِنَ الْهَوَاءِ مِنَ الْأَرْضِ فِي وَقْتِ الْحَرِّ أَسْخَنُ كَثِيراً مِنَ الْهَوَاءِ الَّذِي يَبْعُدُ مِنْهُ عُلُوّاً فَبَقِيَ أَنَّ تَسْخِينَ الشَّمْسِ لِلْأَرْضِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْإِضَاءَةِ لَا غَيْرُ فَإِنَّ الْحَرَارَةَ تَتْبَعُ الضَّوْءَ أَبَداً حَتَّى إِنَّ الضَّوْءَ إِذَا أَفْرَطَ فِي الْمِرْآةِ الْمُقَعَّرَةِ أَشْعَلَ مَا حَاذَاهَا وَقَدْ ثَبَتَ فِي عُلُومِ التَّعَالِيمِ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ أَنَّ الشَّمْسَ كُرَوِيَّةٌ وَأَنَّ الْأَرْضَ كَذَلِكَ وَأَنَّ الشَّمْسَ أَعْظَمُ مِنَ الْأَرْضِ كَثِيراً وَأَنَّ الَّذِي يَسْتَضِيءُ مِنَ الْأَرْضِ بِالشَّمْسِ أَبَداً هُوَ أَعْظَمُ مِنْ نِصْفِهَا

  38. 37

    وَأَنَّ هَذَا النِّصْفَ الْمُضِيءَ مِنَ الْأَرْضِ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَشَدُّ مَا يَكُونُ الضَّوْءُ فِي وَسَطِهِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ الْمَوَاضِعِ مِنَ الظُّلْمَةِ عِنْدَ مُحِيطِ الدَّائِرَةِ وَلِأَنَّهُ يُقَابِلُ مِنَ الشَّمْسِ أَجْزَاءً أَكْثَرَ وَمَا قَرُبَ مِنَ الْمُحِيطِ كَانَ أَقَلَّ ضَوْءاً حَتَّى يَنْتَهِيَ اِلَى الظُّلْمَةِ عِنْدَ مُحِيطِ الدَّائِرَةِ الَّذِي مَا أَضَاءَ مَوْقِعُهُ مِنَ الْأَرْضِ قَطُّ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَوْضِعُ وَسَطَ دَائِرَةِ الضِّيَاءِ إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى سَمْتِ رُؤُوسِ السَّاكِنِينَ فِيهِ

  39. 38

    وَحِينَئِذٍ تَكُونُ الحَرَارَةُ فِي ذَلِكَ المَوْضِعِ أَشَدَّ مَا يَكُونُ فَإِنْ كَانَ المَوْضِعُ مِمَّا تَبْعُدُ الشَّمْسُ فِيهِ عَنْ مُسَامَتَةِ رُؤُوسِ أَهْلِهِ كَانَ شَدِيدَ البُرُودَةِ جِدّاً وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَدُومُ فِيهِ المُسَامَتَةُ كَانَ شَدِيدَ الحَرَارَةِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي عِلْمِ الهَيْئَةِ أَنَّ بِقَاعَ الأَرْضِ الَّتِي عَلَى خَطِّ الِاسْتِوَاءِ لَا تُسَامِتُ الشَّمْسُ رُؤُوسَ أَهْلِهَا سِوَى مَرَّتَيْنِ فِي العَامِ عِنْدَ حُلُولِهَا بِرَأْسِ الحَمَلِ وَعِنْدَ حُلُولِهَا بِرَأْسِ المِيزَانِ . وَهِيَ فِي سَائِرِ العَامِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ جَنُوباً مِنْهُمْ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ شَمَالاً مِنْهُمْ ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ حَرٌّ مُفْرِطٌ ، وَلَا بَرْدٌ مُفْرِطٌ . وَأَحْوَالُهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُتَشَابِهَةٌ .

  40. 39

    وَهَذَا الْقَوْلُ يَحْتَاجُ الَى بَيَانٍ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا لَايَلِيقُ بِمَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ وَإِنَّمَا نَبَّهْنَاكَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَشْهَدُ بِصِحَّةِ مَا ذُكِرَ مِنْ تَجْوِيزِ تَوَلُّدِ الْإِنْسَانِ بِتِلْكَ الْبُقْعَةِ مِنْ غَيْرِ أُمٍّ وَلَا أَبٍ فَمِنْهُمْ مَنْ بَتَّ الْحُكْمَ وَجَزَمَ الْقَضِيَّةَ بِأَنَّ «حَيَّ بْنَ يَقْظَانَ» مِنْ جُمْلَةِ مَنْ تَكَوَّنَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ مِنْ غَيْرِ أُمٍّ وَلَا أَبٍ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَرَوَي مِنْ أَمْرِهِ خَبَراً نَقُصُّهُ عَلَيْكَ فَقَالَ :

  41. 40

    إِنَّهُ كَانَ بِإِزَاءِ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ جَزِيرَةٌ عَظِيمَةٌ مُتَّسِعَةُ الْأَكْنَافِ كَثِيرَةُ الْفَوَائِدِ عَامِرَةٌ بِالنَّاسِ يَمْلِكُهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ شَدِيدُ الْأَنَفَةِ وَالْغَيْرَةِ ، وَكَانَتْ لَهُ أُخْتٌ ذَاتُ جَمَالٍ وَحُسْنٍ بَاهِرٍ ، فَعَضَلَهَا وَمَنَعَهَا مِنَ الْأَزْوَاجِ إِذَا لَمْ يَجِدْ لَهَا كُفْئاً . وَكَانَ لَهُ قَرِيبٌ يُسَمَّى يَقْظَانَ فَتَزَوَّجَهَا سِرّاً عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ فِي مَذْهَبِهِمُ الْمَشْهُورِ فِي زَمَنِهِمْ ثُمَّ إِنَّهَا حَمَلَتْ مِنْهُ فَوَضَعَتْ طِفْلاً .

  42. 41

    فَلَمَّا خَافَتْ أَنْ يَفْتَضِحَ أَمْرُهَا وَيَنْكَشِفَ سِرُّهَا وَضَعَتْهُ فِي تَابُوتٍ أَحْكَمَتْ زَمَّهُ بَعْدَ أَنْ أَرْوَتْهُ مِنَ الرَّضَاعِ وَخَرَجَتْ بِهِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فِي جُمْلَةٍ مِنْ خَدَمِهَا وَثِقَاتِهَا الى سَاحِلِ الْبَحْرِ وَقَلْبُهَا يَحْتَرِقُ صَبَابَةً بِهِ وَخَوْفاً عَلَيْهِ ثُمَّ إِنَّهَا وَدَّعَتْهُ ، وَقَالَتْ : «اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ خَلَقْتَ هَذَا الطِّفْلَ وَلَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا وَرَزَقْتَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَحْشَاءِ وَتَكَفَّلْتَ بِهِ حَتَّى تَمَّ وَاسْتَوَى وَأَنَا قَدْ سَلَّمْتُهُ الى لُطْفِكَ ، وَرَجَوْتُ لَهُ فَضْلَكَ خَوْفاً مِنْ هَذَا الْمَلِكِ الْغَشُومِ الْجَبَّارِ الْعَنِيدِ . . فَكُنْ لَهُ وَلَا تُسْلِمْهُ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» .

    Quotes the Quran 76:1 · text of the quotation verified against Tanzil

    Alludes to the Quran 39:6

    Alludes to the Quran 14:15

    Alludes to the Quran 12:64

  43. 42

    ثُمَّ قَذَفَتْ بِهِ فِي الْيَمِّ فَصَادَفَ ذَلِكَ جَرْيَ الْمَاءِ بِقُوَّةِ الْمَدِّ فَاحْتَمَلَهُ مِنْ لَيْلَتِهِ الَى سَاحِلِ الْجَزِيرَةِ الْأُخْرَى الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا . وَكَانَ الْمَدُّ يَصِلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَى مَوْضِعٍ لَايَصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ عَامٍ . فَأَدْخَلَهُ الْمَاءُ بِقُوَّتِهِ الَى أَجَمَةٍ مُلْتَفَّةِ الشَّجَرِ عَذْبَةِ التُّرْبَةِ مَسْتُورَةٍ عَنِ الرِّيَاحِ وَالْمَطَرِ مَحْجُوبَةٍ عَنِ الشَّمْسِ تَزْوَرُّ عَنْهَا إِذَا طَلَعَتْ وَتَمِيلُ إِذَا غَرَبَتْ .

    Alludes to the Quran 20:39

    Alludes to the Quran 18:17

  44. 43

    ثُمَّ أَخَذَ الْمَاءُ فِي النَّقْصِ وَالْجَزْرِ عَنِ التَّابُوتِ الَّذِي فِيهِ الطِّفْلُ وَبَقِيَ التَّابُوتُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَعَلَتِ الرِّمَالُ بِهُبُوبِ الرِّيَاحِ ، وَتَرَاكَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى سَدَّتْ بَابَ الْأَجَمَةِ عَلَى التَّابُوتِ ، وَرَدَمَتْ مَدْخَلَ الْمَاءِ اِلَى تِلْكَ الْأَجَمَةِ . فَكَانَ الْمَدُّ لَايَنْتَهِي إِلَيْهَا . وَكَانَتْ مَسَامِيرُ التَّابُوتِ قَدْ قَلِقَتْ وَأَلْوَاحُهُ قَدِ اضْطَرَبَتْ عِنْدَ رَمْيِ الْمَاءِ إِيَّاهُ فِي تِلْكَ الْأَجَمَةِ . فَلَمَّا اشْتَدَّ الْجُوعُ بِذَلِكَ الطِّفْلِ بَكَى وَاسْتَغَاثَ وَعَالَجَ الْحَرَكَةَ فَوَقَعَ صَوْتُهُ فِي أُذُنِ ظَبْيَةٍ فَقَدَتْ طَلَاهَا ، خَرَجَ مِنْ كِنَاسِهِ فَحَمَلَهُ الْعُقَابُ .

  45. 44

    فَلَمَّا سَمِعَتِ الصَّوْتَ ظَنَّتْهُ وَلَدَهَا فَتَتَبَّعَتِ الصَّوْتَ وَهِيَ تَتَخَيَّلُ طَلَاهَا حَتَّى وَصَلَتْ الَى التَّابُوتِ فَفَحَصَتْ عَنْهُ بِأَظْلَافِهَا وَهُوَ يَنُوءُ وَيَئِنُّ مِنْ دَاخِلِهِ حَتَّى طَارَ عَنِ التَّابُوتِ لَوْحٌ مِنْ أَعْلَاهُ . فَحَنَّتِ الظَّبْيَةُ وَحَنَتْ عَلَيْهِ وَرَئِمَتْ بِهِ وَأَلْقَمَتْهُ حَلَمَتَهَا وَأَرْوَتْهُ لَبَناً سَائِغاً . وَمَا زَالَتْ تَتَعَهَّدُهُ وَتُرَبِّيهِ وَتَدْفَعُ عَنْهُ الْأَذَى . هَذَا مَا كَانَ مِنِ ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ عِنْدَ مَنْ يُنْكِرُ التَّوَلُّدَ . وَنَحْنُ نَصِفُ هُنَا كَيْفَ تَرَبَّى وَكَيْفَ انْتَقَلَ فِي أَحْوَالِهِ حَتَّى بَلَغَ الْمَبْلَغَ الْعَظِيمَ .

  46. 45

    وَأَمَّا الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنَ الْأَرْضِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ بَطْناً مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ تَخَمَّرَتْ فِيهِ طِينَةٌ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ وَالْأَعْوَامِ حَتَّى امْتَزَجَ فِيهَا الْحَارُّ بِالْبَارِدِ وَالرَّطْبُ بِالْيَابِسِ امْتِزَاجَ تَكَافُؤٍ وَتَعَادُلٍ فِي الْقُوَى وَكَانَتْ هَذِهِ الطِّينَةُ الْمُتَخَمِّرَةُ كَبِيرَةً جِدّاً وَكَانَ بَعْضُهَا يَفْضُلُ بَعْضاً فِي اعْتِدَالِ الْمِزَاجِ وَالتَّهَيُّؤِ لِتَكَوُّنِ الْأَمْشَاجِ .

    Alludes to the Quran 76:2

  47. 46

    وَكَانَ الْوَسَطُ مِنْهَا أَعْدَلَ مَا فِيهَا وَأَتَمَّهُ بِمِزَاجِ الْإِنْسَانِ فَتَمَخَّضَتْ تِلْكَ الطِّينَةُ وَحَدَثَ فِيهَا شِبْهُ نُفَّاخَاتِ الْغَلَيَانِ لِشِدَّةِ لُزُوجَتِهَا وَحَدَثَ فِي الْوَسَطِ مِنْهَا لُزُوجَةٌ وَنُفَّاخَةٌ صَغِيرَةٌ جِدّاً مُنْقَسِمَةٌ بِقِسْمَيْنِ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ رَقِيقٌ مُمْتَلِئَةٌ بِجِسْمٍ لَطِيفٍ هَوَائِيٍّ فِي غَايَةٍ مِنَ الِاعْتِدَالِ اللَّائِقِ بِهِ فَتَعَلَّقَ بِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الرُّوحُ الَّذِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَشَبَّثَ بِهِ تَشَبُّثاً يَعْسُرُ انْفِصَالُهُ عَنْهُ عِنْدَ الْحِسِّ وَعِنْدَ الْعَقْلِ إِذْ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الرُّوحَ دَائِمُ الْفَيَضَانِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ نُورِ الشَّمْسِ الَّذِي هُوَ دَائِمُ الْفَيَضَانِ عَلَى الْعَالَمِ .

    Alludes to the Quran 17:85

  48. 47

    فَمِنَ الْأَجْسَامِ مَا لَا يُسْتَضَاءُ بِهِ وَهُوَ الْهَوَاءُ الشَّفَّافُ جِدّاً وَمِنْهَا مَا يُسْتَضَاءُ بِهِ بَعْضَ اسْتِضَاءَةٍ وَهِيَ الْأَجْسَامُ الْكَثِيفَةُ غَيْرُ الصَّقِيلَةِ وَهَذِهِ تَخْتَلِفُ فِي قَبُولِ الضِّيَاءِ وَتَخْتَلِفُ بِحَسَبِ ذَلِكَ أَلْوَانُهَا . وَمِنْهَا مَا يُسْتَضَاءُ بِهِ غَايَةَ الِاسْتِضَاءَةِ وَهِيَ الْأَجْسَامُ الصَّقِيلَةُ كَالْمِرْآةِ وَنَحْوِهَا .

  49. 48

    فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمِرْآةُ مُقَعَّرَةً عَلَى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ حَدَثَتْ فِيهَا النَّارُ لِإِفْرَاطِ الضِّيَاءِ وَكَذَلِكَ الرُّوحُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَّاضٌ أَبَداً عَلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ فَمِنْهَا مَا لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيهِ لِعَدَمِ الِاسْتِعْدَادِ وَهُوَ الْجَمَادَاتُ الَّتِي لَا حَيَاةَ لَهَا وَهَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الْهَوَاءِ فِي الْمِثَالِ الْمُتَقَدِّمِ وَمِنْهَا مَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيهِ وَهِيَ أَنْوَاعُ النَّبَاتِ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادَاتِهَا ، وَهَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ فِي الْمِثَالِ الْمُتَقَدِّمِ وَمِنْهَا مَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيهِ ظُهُوراً كَثِيراً وَهِيَ أَنْوَاعُ الْحَيَوَانِ وَهِيَ الصَّقِيلَةُ فِي الْمِثَالِ الْمُتَقَدِّمِ .

  50. 49

    وَمِنْ هَذِهِ الأَجْسَامِ الصَّقِيلَةِ مَا يَزِيدُ عَلَى شِدَّةِ قَبُولِهِ لِضِيَاءِ الشَّمْسِ أَنَّهُ يَحْكِي صُورَةَ الشَّمْسِ وَمِثَالَهَا وَكَذَلِكَ أَيْضاً مِنَ الحَيَوَانِ مَا يَزِيدُ عَلَى شِدَّةِ قَبُولِهِ لِلرُّوحِ أَنَّهُ يَحْكِي الرُّوحَ وَيَتَصَوَّرُ بِصُورَتِهِ وَهُوَ الإِنْسَانُ خَاصَّةً . وَإِلَيْهِ الإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» فَإِنْ قَوِيَتْ فِيهِ هَذِهِ الصُّورَةُ حَتَّى تَتَلَاشَى جَمِيعُ الصُّوَرِ فِي حَقِّهَا وَتَبْقَى هِيَ وَحْدَهَا وَتُحْرِقَ سُبُحَاتُ نُورِهَا كُلَّ مَا أَدْرَكَتْهُ كَانَتْ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ المِرْآةِ المُنْعَكِسَةِ عَلَى نَفْسِهَا المُحْرِقَةِ لِسِوَاهَا وَهَذَا لَايَكُونُ إِلَّا لِلأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَهَذَا كُلُّهُ مُبَيَّنٌ فِي مَوَاضِعِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ .

    Quotes a hadith: al-Bukhārī, Istiʾdhān 1; Muslim, Birr 115 (and Janna 28)

  51. 50

    فَلْيَرْجِعْ اِلَى تَمَامِ مَا حَكَوْهُ مِنْ وَصْفِ ذَلِكَ التَّخَلُّقِ قَالُوا ، فَلَمَّا تَعَلَّقَ هَذَا الرُّوحُ بِتِلْكَ الْقَرَارَةِ خَضَعَتْ لَهُ جَمِيعُ الْقُوَى وَسَجَدَتْ لَهُ وَسُخِّرَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كَمَالِهَا فَتَكَوَّنَ بِإِزَاءِ تِلْكَ الْقَرَارَةِ نُفَّاخَةٌ أُخْرَى مُنْقَسِمَةٌ ثَلَاثَ قَرَارَاتٍ بَيْنَهَا حُجُبٌ لَطِيفَةٌ وَمَسَالِكُ نَافِذَةٌ وَامْتَلَأَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْهَوَائِيِّ الَّذِي امْتَلَأَتْ مِنْهُ الْقَرَارَةُ الْأُولَى إِلَّا أَنَّهُ أَلْطَفُ مِنْهُ

  52. 51

    وَسَكَنَ فِي هَذِهِ الْبُطُونِ الثَّلَاثَةِ الْمُنْقَسِمَةِ مِنْ وَاحِدَةٍ طَائِفَةٌ مِنْ تِلْكَ الْقُوَى الَّتِي خَضَعَتْ لَهُ وَتَوَكَّلَتْ بِحِرَاسَتِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا . وَإِنْهَاءِ مَا يَطْرَأُ فِيهَا مِنْ دَقِيقِ الْأَشْيَاءِ وَجَلِيلِهَا اِلَى الرُّوحِ الْأَوَّلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْقَرَارَةِ الْأُولَى وَتَكَوَّنَ أَيْضاً بِإِزَاءِ هَذِهِ الْقَرَارَةِ مِنَ الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْقَرَارَةِ الثَّانِيَةِ نُفَّاخَةٌ ثَالِثَةٌ مَمْلُوءَةٌ جِسْماً هَوَائِيّاً إِلَّا أَنَّهُ أَغْلَظُ مِنَ الْأَوَّلَيْنِ وَسَكَنَ فِي هَذِهِ الْقَرَارَةِ فَرِيقٌ مِنْ تِلْكَ الْقُوَى الْخَاضِعَةِ وَتَوَكَّلَتْ بِحِفْظِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا فَكَانَتْ هَذِهِ الْقَرَارَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ أَوَّلَ مَا تَخَلَّقَ مِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ الْمُتَخَمِّرَةِ الْكُبْرَى عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ

  53. 52

    وَاحْتَاجَ بَعْضُهَا اِلَى بَعْضٍ فَالْأُولَى مِنْهَا حَاجَتُهَا اِلَى الْأُخْرَيَيْنِ حَاجَةُ اسْتِخْدَامٍ وَتَسْخِيرٍ وَالْأُخْرَيَانِ حَاجَتُهُمَا اِلَى الْأُولَى حَاجَةُ الْمَرْؤُوسِ إِلَى الرَّئِيسِ وَالْمُدَبَّرِ اِلَى الْمُدَبِّرِ وَكِلَاهُمَا لِمَا يَتَخَلَّقُ بَعْدَهُمَا مِنَ الْأَعْضَاءِ رَئِيسٌ لَا مَرْؤُوسٌ وَأَحَدُهُمَا وَهُوَ الثَّانِي أَتَمُّ رِئَاسَةً مِنَ الثَّالِثِ فَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا لَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ الرُّوحُ وَاشْتَعَلَتْ حَرَارَتُهُ تَشَكَّلَ بِشَكْلِ النَّارِ الصَّنَوْبَرِيِّ وَتَشَكَّلَ أَيْضاً الْجِسْمُ الْغَلِيظُ الْمُحْدِقُ بِهِ عَلَى شَكْلِهِ وَتَكَوَّنَ لَحْماً صُلْباً وَصَارَ عَلَيْهِ غِلَافٌ صِفَاقِيٌّ يَحْفَظُهُ .

  54. 53

    وَسُمِّيَ الْعُضْوُ كُلُّهُ قَلْباً وَاحْتَاجَ لِمَا يَتْبَعُ الْحَرَارَةَ مِنَ التَّحْلِيلِ وَإِفْنَاءِ الرُّطُوبَاتِ اِلَى شَيْءٍ يَمُدُّهُ وَيَغْذُوهُ وَيَخْلُفُ مَا تَحَلَّلَ مِنْهُ عَلَى الدَّوَامِ وَإِلَّا لَمْ يَطُلْ بَقَاؤُهُ وَاحْتَاجَ أَيْضاً اِلَى أَنْ يُحِسَّ بِمَا يُلَائِمُهُ فَيَجْتَذِبَهُ وَبِمَا يُخَالِفُهُ فَيَدْفَعَهُ . فَتَكَفَّلَ لَهُ الْعُضْوُ الْوَاحِدُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقُوَى الَّتِي أَصْلُهَا مِنْهُ بِحَاجَتِهِ الْوَاحِدَةِ وَتَكَفَّلَ لَهُ الْعُضْوُ الْآخَرُ بِحَاجَتِهِ الْأُخْرَى .

  55. 54

    وَكَانَ الْمُتَكَفِّلُ بِالْحِسِّ هُوَ «الدِّمَاغَ» وَالْمُتَكَفِّلُ بِالْغِذَاءِ هُوَ «الْكَبِدَ» وَاحْتَاجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ إِلَيْهِ فِي أَنْ يُمِدَّهَا بِحَرَارَتِهِ وَبِالْقُوَى الْمَخْصُوصَةِ بِهِمَا الَّتِي أَصْلُهَا مِنْهُ . فَانْتَسَجَتْ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ كُلِّهِ مَسَالِكُ وَطُرُقٌ بَعْضُهَا أَوْسَعُ مِنْ بَعْضٍ بِحَسَبِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ فَكَانَتِ الشَّرَايِينُ وَالْعُرُوقُ .

  56. 55

    ثُمَّ مَا زَالُوا يَصِفُونَ الْخِلْقَةَ كُلَّهَا وَالْأَعْضَاءَ بِجُمْلَتِهَا عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفَهُ الطَّبِيعِيُّونَ فِي خِلْقَةِ الْجَنِينِ فِي الرَّحِمِ لَمْ يُغَادِرُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً الَى أَنْ كَمُلَ خَلْقُهُ وَتَمَّتْ أَعْضَاؤُهُ وَحَصَلَ فِي حَدِّ خُرُوجِ الْجَنِينِ مِنَ الْبَطْنِ وَاسْتَعَانُوا فِي وَصْفِ كَمَالِ ذَلِكَ بِتِلْكَ الطِّينَةِ الْكَبِيرَةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ تَهَيَّأَتْ لِأَنْ يَتَخَلَّقَ مِنْهَا كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَغْشِيَةِ الْمُجَلِّلَةِ لِجُمْلَةِ بَدَنِهِ وَغَيْرِهَا فَلَمَّا كَمُلَ انْشَقَّتْ عَنْهُ تِلْكَ الْأَغْشِيَةُ بِشِبْهِ الْمَخَاضِ وَتَصَدَّعَ بَاقِي الطِّينَةِ إِذْ كَانَ قَدْ لَحِقَهُ الْجَفَافُ .

  57. 56

    ثُمَّ اسْتَغَاثَ ذَلِكَ الطِّفْلُ عِنْدَ فَنَاءِ مَادَّةِ غِذَائِهِ وَاشْتِدَادِ جُوعِهِ فَلَبَّتْهُ «ظَبْيَةٌ» فَقَدَتْ طَلَاهَا . ثُمَّ اسْتَوَى مَا وَصَفَهُ هَؤُلَاءِ بَعْدَ هَذَا الْمَوْضِعِ وَمَا وَصَفَتْهُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي مَعْنَى التَّرْبِيَةِ فَقَالُوا جَمِيعاً . إِنَّ الظَّبْيَةَ الَّتِي تَكَفَّلَتْ بِهِ وَافَقَتْ خِصْباً وَمَرْعًى أَثِيثاً . فَكَثُرَ لَحْمُهَا وَدَرَّ لَبَنُهَا حَتَّى قَامَتْ بِغِذَاءِ ذَلِكَ الطِّفْلِ أَحْسَنَ قِيَامٍ . وَكَانَتْ مَعَهُ لَاتَبْعُدُ عَنْهُ إِلَّا لِضَرُورَةِ الرَّعْيِ . وَأَلِفَ الطِّفْلُ تِلْكَ الظَّبْيَةَ حَتَّى كَانَ بِحَيْثُ إِذَا هِيَ أَبْطَأَتْ عَنْهُ اشْتَدَّ بُكَاؤُهُ فَطَارَتْ إِلَيْهِ .

  58. 57

    وَلَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الْجَزِيرَةِ شَيْءٌ مِنَ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ فَتَرَبَّى الطِّفْلُ وَنَمَا وَاغْتَذَى بِلَبَنِ تِلْكَ الظَّبْيَةِ اِلَى أَنْ تَمَّ لَهُ حَوْلَانِ وَتَدَرَّجَ فِي الْمَشْيِ وَأَثْغَرَ فَكَانَ يَتْبَعُ تِلْكَ الظَّبْيَةَ وَكَانَتْ هِيَ تَرْفُقُ بِهِ وَتَرْحَمُهُ وَتَحْمِلُهُ اِلَى مَوَاضِعَ فِيهَا شَجَرٌ مُثْمِرٌ فَكَانَتْ تُطْعِمُهُ مَا تَسَاقَطَ مِنْ ثَمَرَاتِهَا الْحُلْوَةِ النَّضِيجَةِ ،

  59. 58

    وَمَا كَانَ مِنْهَا صُلْبَ الْقِشْرِ كَسَرَتْهُ لَهُ بِطَوَاحِينِهَا وَمَتَى عَادَ اِلَى اللَّبَنِ أَرْوَتْهُ وَمَتَى ظَمِئَ اِلَى الْمَاءِ أَوْرَدَتْهُ وَمَتَى ضَحَا ظَلَّلَتْهُ وَمَتَى خَصِرَ أَدْفَأَتْهُ وَإِذَا جَنَّ اللَّيْلُ صَرَفَتْهُ اِلَى مَكَانِهِ الْأَوَّلِ وَجَلَّلَتْهُ بِنَفْسِهَا وَبِرِيشٍ كَانَ هُنَاكَ مِمَّا مُلِئَ بِهِ التَّابُوتُ أَوَّلاً فِي وَقْتِ وَضْعِ الطِّفْلِ فِيهِ . وَكَانَ فِي غُدُوِّهِمَا وَرَوَاحِهِمَا قَدْ أَلِفَهُمَا رَبْرَبٌ يَسْرَحُ وَيَعِيشُ وَيَبِيتُ مَعَهُمَا حَيْثُ مَبِيتُهُمَا .

  60. 59

    فَمَا زَالَ الطِّفْلُ مَعَ الظَّبْيِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ يَحْكِي نَغْمَتَهَا بِصَوْتِهِ حَتَّى لَا يَكَادُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ كَانَ يَحْكِي جَمِيعَ مَا يَسْمَعُهُ مِنْ أَصْوَاتِ الطَّيْرِ وَأَنْوَاعِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ مُحَاكَاةً شَدِيدَةً لِقُوَّةِ انْفِعَالِهِ لِمَا يُرِيدُهُ وَأَكْثَرُ مَا كَانَتْ مُحَاكَاتُهُ لِأَصْوَاتِ الظِّبَاءِ فِي الِاسْتِصْرَاخِ وَالِاسْتِئْلَافِ وَالِاسْتِدْعَاءِ وَالِاسْتِدْفَاعِ إِذْ لِلْحَيَوَانَاتِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ أَصْوَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ . فَأَلِفَتْهُ الْوُحُوشُ وَأَلِفَهَا وَلَمْ تُنْكِرْهُ وَلَا أَنْكَرَهَا . فَلَمَّا ثَبَتَ فِي نَفْسِهِ أَمْثِلَةُ الْأَشْيَاءِ بَعْدَ مَغِيبِهَا عَنْ مُشَاهَدَتِهِ حَدَثَ لَهُ نُزُوعٌ اِلَى بَعْضِهَا وَكَرَاهِيَةٌ لِبَعْضٍ .

  61. 60

    وَكَانَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَنْظُرُ اِلَى جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ فَيَرَاهَا كَاسِيَةً بِالْأَوْبَارِ وَالْأَشْعَارِ وَ أَنْوَاعِ الرِّيشِ وَكَانَ يَرَى مَالَهَا مِنْ سُرْعَةِ الْعَدْوِ وَقُوَّةِ الْبَطْشِ وَمَا لَهَا مِنَ الْأَسْلِحَةِ الْمُعَدَّةِ لِمُدَافَعَةِ مَنْ يُنَازِعُهَا مِثْلَ الْقُرُونِ وَالْأَنْيَابِ وَالْحَوَافِرِ وَالصَّيَاصِي وَالْمَخَالِبِ . ثُمَّ يَرْجِعُ اِلَى نَفْسِهِ فَيَرَى مَا بِهِ مِنَ الْعُرْيِ وَعَدَمِ السِّلَاحِ وَضَعْفِ الْعَدْوِ ، وَقِلَّةِ الْبَطْشِ عِنْدَمَا كَانَتْ تُنَازِعُهُ الْوُحُوشُ أَكْلَ الثَّمَرَاتِ وَتَسْتَبِدُّ بِهَا دُونَهُ وَتَغْلِبُهُ عَلَيْهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ الْمُدَافَعَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا الْفِرَارَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا وَكَانَ يَرَى أَتْرَابَهُ مِنْ أَوْلَادِ الظِّبَاءِ .

  62. 61

    قَدْ نَبَتَتْ لَهَا قُرُونٌ ، وَبَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ وَصَارَتْ قَوِيَّةً بَعْدَ ضَعْفِهَا فِي الْعَدْوِ . وَلَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ . فَكَانَ يُفَكِّرُ فِي ذَلِكَ وَلَايَدْرِي مَا سَبَبُهُ . وَكَانَ يَنْظُرُ اِلَى ذَوِي الْعَاهَاتِ وَالْخَلْقِ النَّاقِصِ فَلَا يَجِدُ لِنَفْسِهِ شَبِيهاً فِيهِمْ . وَكَانَ أَيْضاً يَنْظُرُ اِلَى مَخَارِجِ الْفُضُولِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ فَيَرَاهَا مَسْتُورَةً . أَمَّا مَخْرَجُ أَغْلَظِ الْفَضْلَتَيْنِ فَبِالْأَذْنَابِ وَأَمَّا مَخْرَجُ أَرَقِّهِمَا فَبِالْأَوْبَارِ وَمَا أَشْبَهَهَا . وَلِأَنَّهَا كَانَتْ أَيْضاً أَخْفَى قُضْبَاناً مِنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يَكْرُبُهُ وَيَسُوؤُهُ .

  63. 62

    فَلَمَّا طَالَ هَمُّهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ قَدْ قَارَبَ سَبْعَةَ أَعْوَامٍ وَيَئِسَ مِنْ أَنْ يَكْمُلَ لَهُ ذَلِكَ وَمَا قَدْ أَضَرَّ بِهِ نَقْصُهُ اتَّخَذَ أَوْرَاقَ الشَّجَرِ الْعَرِيضَةِ شَيْئاً جَعَلَ بَعْضَهُ خَلْفَهُ وَبَعْضَهُ قُدَّامَهُ وَعَمِلَ مِنَ الْخُوصِ وَالْحَلْفَاءِ شِبْهَ حِزَامٍ عَلَى وَسَطِهِ ، عَلَّقَ بِهِ تِلْكَ الْأَوْرَاقَ ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيراً حَتَّى ذَوَى ذَلِكَ الْوَرَقُ وَجَفَّ وَتَسَاقَطَ عَنْهُ فَمَا زَالَ يَتَّخِذُ غَيْرَهُ وَيَخْصِفُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ طَاقَاتٍ مُضَاعَفَةً وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَطْوَلَ لِبَقَائِهِ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَصِيرُ الْمُدَّةِ وَاتَّخَذَ مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ عِصِيّاً سَوَّى أَطْرَافَهَا وَعَدَّلَ مَتْنَهَا .

    Alludes to the Quran 7:22

  64. 63

    وَكَانَ يَهُشُّ بِهَا عَلَى الْوُحُوشِ الْمُنَازِعَةِ لَهُ فَيَحْمِلُ عَلَى الضَّعِيفِ مِنْهَا وَيُقَاوِمُ الْقَوِيَّ مِنْهَا فَنَبُلَ بِذَلِكَ قَدْرُهُ عِنْدَ نَفْسِهِ بَعْضَ نَبَالَةٍ وَرَأَى أَنَّ لِيَدِهِ فَضْلاً كَثِيراً عَلَى أَيْدِيهَا إِذْ أَمْكَنَ لَهُ بِهَا سَتْرُ عَوْرَتِهِ وَاتِّخَاذُ الْعِصِىِّ الَّتِي يُدَافِعُ بِهَا عَنْ حَوْزَتِهِ مَا اسْتَغْنَى بِهِ عَمَّا أَرَادَهُ مِنَ الذَّنَبِ وَالسِّلَاحِ الطَّبِيعِيِّ . وَفِي خِلَالِ ذَلِكَ تَرَعْرَعَ وَأَرْبَى عَلَى السَّبْعِ سِنِينَ ، وَطَالَ بِهِ الْعَنَاءُ فِي تَجْدِيدِ الْأَوْرَاقِ الَّتِي كَانَ يَسْتَتِرُ بِهَا .

    Alludes to the Quran 20:18

  65. 64

    فَكَانَتْ نَفْسُهُ عِنْدَ ذَلِكَ تُنَازِعُهُ اِلَى اتِّخَاذِ ذَنَبٍ مِنْ أَذْنَابِ الْوُحُوشِ الْمَيِّتَةِ لِيُعَلِّقَهُ عَلَى نَفْسِهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَحْيَاءَ الْوُحُوشِ تَتَحَامَى مَيِّتَهَا وَتَفِرُّ عَنْهُ فَلَا يَتَأَتَّى لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ إِلَى أَنْ صَادَفَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ نَسْراً مَيِّتاً فَهُدِيَ إِلَى نَيْلِ أَمَلِهِ مِنْهُ وَاغْتَنَمَ الْفُرْصَةَ فِيهِ إِذْ لَمْ يَرَ لِلْوُحُوشِ عَنْهُ نَفْرَةً فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ وَقَطَعَ جَنَاحَيْهِ وَذَنَبَهُ صِحَاحاً كَمَا هِيَ وَفَتَحَ رِيشَهَا وَسَوَّاهَا وَسَلَخَ عَنْهُ سَائِرَ جِلْدِهِ ،

  66. 65

    وَفَصَّلَهُ عَلَى قِطْعَتَيْنِ رَبَطَ إِحْدَاهُمَا عَلَى ظَهْرِهِ وَالْأُخْرَى عَلَى سُتْرَتِهِ وَمَا تَحْتَهَا وَعَلَّقَ الذَّنَبَ مِنْ خَلْفِهِ وَعَلَّقَ الْجَنَاحَيْنِ عَلَى عَضُدَيْهِ فَأَكْسَبَهُ ذَلِكَ سِتْراً وَدِفْئاً وَمَهَابَةً فِي نُفُوسِ جَمِيعِ الْوُحُوشِ حَتَّى كَانَتْ لَاتُنَازِعُهُ وَلَا تُعَارِضُهُ .

  67. 66

    فَصَارَ لَايَدْنُو إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا سِوَى الظَّبْيَةِ الَّتِي كَانَتْ أَرْضَعَتْهُ وَرَبَّتْهُ فَإِنَّهَا لَمْ تُفَارِقْهُ وَلَا فَارَقَهَا الَى أَنْ أَسَنَّتْ وَضَعُفَتْ فَكَانَ يَرْتَادُ بِهَا الْمَرَاعِيَ الْخَصِبَةَ وَيَجْتَنِي لَهَا الثَّمَرَاتِ الْحُلْوَةَ وَيُطْعِمُهَا . وَمَا زَالَ الْهُزَالُ وَالضَّعْفُ يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا وَيَتَوَالَى الَى أَنْ أَدْرَكَهَا الْمَوْتُ فَسَكَنَتْ حَرَكَاتُهَا بِالْجُمْلَةِ وَتَعَطَّلَتْ جَمِيعُ أَفْعَالِهَا . فَلَمَّا رَآهَا الصَّبِيُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ جَزِعَ جَزَعاً شَدِيداً وَكَادَتْ نَفْسُهُ تَفِيضُ أَسَفاً عَلَيْهَا . فَكَانَ يُنَادِيهَا بِالصَّوْتِ الَّذِي كَانَتْ عَادَتُهَا أَنْ تُجِيبَهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ وَيَصِيحُ بِأَشَدِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَلَا يَرَى لَهَا عِنْدَ ذَلِكَ حَرَكَةً وَلَا تَغَيُّراً .

  68. 67

    فَكَانَ يَنْظُرُ اِلَى أُذُنَيْهَا وَاِلَى عَيْنَيْهَا فَلَا يَرَى بِهَا آفَةً ظَاهِرَةً وَكَذَلِكَ كَانَ يَنْظُرُ اِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهَا فَلَا يَرَى بِشَيْءٍ مِنْهَا آفَةً . فَكَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَعْثُرَ عَلَى مَوْضِعِ الْآفَةِ فَيُزِيلَهَا عَنْهَا فَتَرْجِعَ اِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَتَأَتَّ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا اسْتِطَاعَةٌ ، وَكَانَ الَّذِي أَرْشَدَهُ لِهَذَا الرَّأْيِ مَا كَانَ قَدِ اعْتَبَرَهُ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّهُ إِذَا أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ أَوْ أَحْجَبَهُمَا بِشَيْءٍ لَا يُبْصِرُ شَيْئاً حَتَّى يَزُولَ ذَلِكَ الْعَائِقُ ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَرَى أَنَّهُ إِذَا أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَسَدَّهُمَا لَا يَسْمَعُ شَيْئاً حَتَّى يَزُولَ ذَلِكَ الْعَارِضُ ، وَإِذَا أَمْسَكَ أَنْفَهُ بِيَدِهِ لَا يَشَمُّ مِنَ الرَّوَائِحِ شَيْئاً حَتَّى يَفْتَحَ أَنْفَهُ .

  69. 68

    فَاعْتَقَدَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا لَهَا مِنَ الْإِدْرَاكَاتِ وَالْأَفْعَالِ قَدْ تَكُونُ لَهَا عَوَائِقُ تَعُوقُهَا فَإِذَا أُزِيلَتْ تِلْكَ الْعَوَائِقُ عَادَتِ الْأَفْعَالُ . فَلَمَّا نَظَرَ اِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهَا الظَّاهِرَةِ وَلَمْ يَرَ فِيهَا آفَةً ظَاهِرَةً وَكَانَ يَرَى مَعَ ذَلِكَ الْعُطْلَةَ قَدْ شَمِلَتْهَا وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهَا عُضْوٌ دُونَ عُضْوٍ - وَقَعَ فِي خَاطِرِهِ أَنَّ الْآفَةَ الَّتِي نَزَلَتْ بِهَا إِنَّمَا هِيَ فِي عُضْوٍ غَائِبٍ عَنِ الْعِيَانِ مُسْتَكِنٍّ فِي بَاطِنِ الْجَسَدِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْعُضْوَ لَايُغْنِي عَنْهُ فِي فِعْلِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ .

  70. 69

    فَلَمَّا نَزَلَتْ بِهِ الْآفَةُ عَمَّتِ الْمَضَرَّةُ وَشَمِلَتِ الْعُطْلَةُ وَطَمِعَ بِأَنَّهُ لَوْ عَثَرَ عَلَى ذَلِكَ الْعُضْوِ وَأَزَالَ عَنْهُ مَا نَزَلَ بِهِ لَاسْتَقَامَتْ أَحْوَالُهُ وَفَاضَ عَلَى سَائِرِ الْبَدَنِ نَفْعُهُ ، وَعَادَتِ الْأَفْعَالُ الَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ . وَكَانَ قَدْ شَاهَدَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْأَشْبَاحِ الْمَيِّتَةِ مِنَ الْوُحُوشِ وَسِوَاهَا أَنَّ جَمِيعَ أَعْضَائِهَا مُصْمَتَةٌ لَا تَجْوِيفَ فِيهَا إِلَّا الْقِحْفَ وَالصَّدْرَ وَالْبَطْنَ فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الْعُضْوَ الَّذِي بِتِلْكَ الصِّفَةِ لَنْ يَعْدُوَ أَحَدَ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَكَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ غَلَبَةً قَوِيَّةً أَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَوْضِعِ الْمُتَوَسِّطِ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ إِذْ كَانَ قَدِ اسْتَقَرَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ وَأَنَّ الْوَاجِبَ بِحَسَبِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَسْكَنُهُ فِي الْوَسَطِ .

  71. 70

    وَكَانَ أَيْضاً إِذَا رَجَعَ اِلَى ذَاتِهِ شَعَرَ بِمِثْلِ هَذَا الْعُضْوِ فِي صَدْرِهِ وَلِأَنَّهُ كَانَ يَعْتَرِضُ سَائِرَ أَعْضَائِهِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْأُذُنِ وَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ وَيُقَدِّرُ مُفَارَقَتَهَا فَيَأْتِي لَهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَغْنِي عَنْهَا ، وَكَانَ يُقَدِّرُ فِي رَأْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَظُنُّ أَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْهُ فَإِذَا فَكَّرَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَجِدُهُ فِي صَدْرِهِ لَمْ يَأْتِ لَهُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ . وَكَذَلِكَ كَانَ عِنْدَ مُحَارَبَتِهِ الْوُحُوشَ أَكْثَرُ مَا كَانَ يَتَّقِي مِنْ صَيَاصِيهِمْ عَلَى صَدْرِهِ ، لِشُعُورِهِ بِالشَّيْءِ الَّذِي فِيهِ .

  72. 71

    فَلَمَّا جَزَمَ بِالْحُكْمِ بِأَنَّ الْعُضْوَ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ الْآفَةُ إِنَّمَا هُوَ فِي صَدْرِهَا أَجْمَعَ عَلَى الْبَحْثِ عَلَيْهِ وَالتَّنْقِيرِ عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَظْفَرُ بِهِ وَيَرَى آفَتَهُ فَيُزِيلُهَا . ثُمَّ إِنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ فِعْلِهِ هَذَا أَعْظَمَ مِنَ الْآفَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهَا أَوَّلاً فَيَكُونَ سَعْيُهُ عَلَيْهَا .

  73. 72

    ثُمَّ إِنَّهُ فَكَّرَ هَلْ رَأَى مِنَ الْوُحُوشِ وَسِوَاهَا مَنْ صَارَ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ ثُمَّ عَادَ اِلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأَوَّلِ ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً فَحَصَلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْيَأْسُ مِنْ رُجُوعِهَا اِلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ إِنْ هُوَ تَرَكَهَا وَبَقِيَ لَهُ بَعْضُ رَجَاءٍ مِنْ رُجُوعِهَا اِلَى تِلْكَ الْحَالِ إِنْ هُوَ وَجَدَ ذَلِكَ الْعُضْوَ وَأَزَالَ الْآفَةَ عَنْهُ .

  74. 73

    فَعَزَمَ عَلَى شَقِّ صَدْرِهَا وَتَفْتِيشِ مَا فِيهِ فَاتَّخَذَ مِنْ كُسُورِ الْأَحْجَارِ الصَّلْدَةِ وَشُقُوقِ الْقَصَبِ الْيَابِسَةِ أَشْبَاهَ السَّكَاكِينِ وَشَقَّ بِهَا بَيْنَ أَضْلَاعِهَا حَتَّى قَطَعَ اللَّحْمَ الَّذِي بَيْنَ الْأَضْلَاعِ وَأَفْضَى اِلَى الْحِجَابِ الْمُسْتَبْطِنِ لِلْأَضْلَاعِ فَرَآهُ قَوِيّاً فَقَوِيَ ظَنُّهُ بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الْحِجَابِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمِثْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ . وَطَمِعَ بِأَنَّهُ إِذَا تَجَاوَزَهُ أَلْفَى مَطْلُوبَهُ ، فَحَاوَلَ شَقَّهُ فَصَعُبَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْآلَاتِ وَلِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ إِلَّا مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْقَصَبِ ، فَاسْتَجَدَّهَا ثَانِيَةً وَاسْتَحَدَّهَا وَتَلَطَّفَ فِي خَرْقِ الْحِجَابِ حَتَّى انْخَرَقَ لَهُ فَأَفْضَى اِلَى الرِّئَةِ فَظَنَّ أَوَّلاً أَنَّهَا مَطْلُوبُهُ فَمَا زَالَ يُقَلِّبُهَا وَيَطْلُبُ مَوْضِعَ الْآفَةِ بِهَا .

  75. 74

    وَكَانَ أَوَّلاً إِنَّمَا وَجَدَ مِنْهَا نِصْفَهَا الَّذِي هُوَ فِي الْجَانِبِ الْوَاحِدِ ، فَلَمَّا رَآهَا مَائِلَةً الَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَانَ قَدِ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الْعُضْوَ لَايَكُونُ إِلَّا فِي الْوَسَطِ فِي عَرْضِ الْبَدَنِ كَمَا هُوَ فِي الْوَسَطِ فِي طُولِهِ . فَمَا زَالَ يُفَتِّشُ فِي وَسَطِ الصَّدْرِ حَتَّى أَلْفَى «الْقَلْبَ» وَهُوَ مُجَلَّلٌ بِغِشَاءٍ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ مَرْبُوطٌ بِمَعَالِيقَ فِي غَايَةِ الْوَثَاقَةِ وَالرِّئَةُ مُطِيفَةٌ بِهِ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي بَدَأَ بِالشَّقِّ مِنْهَا ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ :

  76. 75

    «إِنْ كَانَ لِهَذَا الْعُضْوِ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِثْلُ مَا لَهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ فَهُوَ فِي حَقِيقَةِ الْوَسَطِ ، وَلَا مَحَالَةَ أَنَّهُ مَطْلُوبِي ، لَاسِيَّمَا مَعَ مَا أَرَى لَهُ مِنْ حُسْنِ الْوَضْعِ وَجَمَالِ الشَّكْلِ وَقِلَّةِ التَّشَتُّتِ وَقُوَّةِ اللَّحْمِ وَأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِمِثْلِ هَذَا الْحِجَابِ الَّذِي لَمْ أَرَ مِثْلَهُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ» . فَبَحَثَ عَنِ الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الصَّدْرِ فَوَجَدَ فِيهِ الْحِجَابَ الْمُسْتَبْطِنَ لِلْأَضْلَاعِ وَوَجَدَ الرِّئَةَ عَلَى مَا وَجَدَهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ . فَحَكَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْعُضْوَ هُوَ مَطْلُوبُهُ فَحَاوَلَ هَتْكَ حِجَابِهِ وَشَقَّ شِغَافِهِ فَبِكَدٍّ وَاسْتِكْرَاهٍ مَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ مَجْهُودِهِ .

  77. 76

    وَجَرَّدَ الْقَلْبَ فَرَآهُ مُصْمَتاً مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَنَظَرَ هَلْ يَرَى فِيهِ آفَةً ظَاهِرَةً ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئاً فَشَدَّ عَلَيْهِ يَدَهُ فَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ فِيهِ تَجْوِيفاً ، فَقَالَ : «لَعَلَّ مَطْلُوبِي الْأَقْصَى إِنَّمَا هُوَ فِي دَاخِلِ هَذَا الْعُضْوِ وَأَنَا حَتَّى الْآنَ لَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ» .

  78. 77

    فَشَقَّ عَلَيْهِ فَأَلْفَى فِيهِ تَجْوِيفَيْنِ اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنَ الْجِهَةِ الْيُمْنَى وَالْآخَرُ مِنَ الْجِهَةِ الْيُسْرَى وَالَّذِي مِنَ الْجِهَةِ الْيُمْنَى مَمْلُوءٌ بِعَلَقٍ مُنْعَقِدٍ وَالَّذِي مِنَ الْجِهَةِ الْيُسْرَى خَالٍ لَا شَيْءَ فِيهِ . فَقَالَ : «لَنْ يَعْدُوَ مَطْلَبِي أَنْ يَكُونَ مَسْكَنُهُ أَحَدَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ» ثُمَّ قَالَ : «أَمَّا هَذَا الْبَيْتُ الْأَيْمَنُ فَلَا أَرَى فِيهِ غَيْرَ هَذَا الدَّمِ الْمُنْعَقِدِ .

  79. 78

    وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ حَتَّى صَارَ الْجَسَدُ كُلُّهُ الَى هَذَا الْحَالِ» إِذَا كَانَ قَدْ شَاهَدَ أَنَّ الدِّمَاءَ كُلَّهَا مَتَى سَالَتْ وَخَرَجَتِ انْعَقَدَتْ وَجَمَدَتْ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا إِلَّا دَماً كَسَائِرِ الدِّمَاءِ وَأَنَا أَرَى أَنَّ هَذَا الدَّمَ مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لَايَخْتَصُّ بِهِ عُضْوٌ دُونَ آخَرَ . وَأَنَا لَيْسَ مَطْلُوبِي شَيْئاً بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِنَّمَا مَطْلُوبِيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي أَجِدُنِي لَا أَسْتَغْنِي عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَإِلَيْهِ كَانَ انْبِعَاثِي مِنْ أَوَّلٍ .

  80. 79

    وَأَمَّا هَذَا الدَّمُ فَكَمْ مَرَّةٍ جَرَحَتْنِي الْوُحُوشُ وَالْحِجَارَةُ فَسَالَ مِنِّي كَثِيرٌ مِنْهُ فَمَا ضَرَّنِي ذَلِكَ وَلَا أَفْقَدَنِي شَيْئاً مِنْ أَفْعَالِي فَهَذَا بَيْتٌ لَيْسَ فِيهِ مَطْلُوبِي . وَأَمَّا هَذَا الْبَيْتُ الْأَيْسَرُ فَأَرَاهُ خَالِياً لَا لِشَيْءٍ فِيهِ وَمَا أَرَى ذَلِكَ لِبَاطِلٍ فَإِنِّي رَأَيْتُ كُلَّ عُضْوٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ إِنَّمَا هُوَ لِفِعْلٍ يَخْتَصُّ بِهِ فَيَكُونُ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى مَا شَاهَدْتُ مِنْ شَرَفِهِ بَاطِلاً ، مَا أَرَى إِلَّا أَنَّ مَطْلُوبِي كَانَ فِيهِ ، فَارْتَحَلَ عَنْهُ وَأَخْلَاهُ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ طَرَأَ عَلَى الْجَسَدِ مِنَ الْعُطْلَةِ مَا طَرَأَ فَفَقَدَ الْإِدْرَاكَ وَعَدِمَ الْحَرَاكَ .

  81. 80

    فَلَمَّا رَأَى أَنَّ السَّاكِنَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ قَدِ ارْتَحَلَ قَبْلَ انْهِدَامِهِ وَتَرَكَهُ وَهُوَ بِحَالِهِ تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَحْرَى أَنْ لَايَعُودَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ حَدَثَ فِيهِ مِنَ الْخَرَابِ وَالتَّخْرِيبِ مَا حَدَثَ فَصَارَ عِنْدَهُ الْجَسَدُ كُلُّهُ خَسِيساً لَا قَدْرَ لَهُ بِالْإِضَافَةِ اِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي اعْتَقَدَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يَسْكُنُهُ مُدَّةً وَيَرْحَلُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ . فَاقْتَصَرَ عَلَى الْفِكْرَةِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ مَا هُوَ ؟ وَكَيْفَ هُوَ ؟ وَمَا الَّذِي رَبَطَهُ بِهَذَا الْجَسَدِ ؟ وَاِلَى أَيْنَ صَارَ ؟ وَمِنْ أَيِّ الْأَبْوَابِ خَرَجَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْجَسَدِ ؟ وَمَا السَّبَبُ الَّذِي أَزْعَجَهُ إِنْ كَانَ خَرَجَ كَارِهاً ؟

  82. 81

    وَمَا السَّبَبُ الَّذِي كَرَّهَ إِلَيْهِ الْجَسَدَ حَتَّى فَارَقَهُ إِنْ كَانَ خَرَجَ مُخْتَاراً ؟ وَتَشَتَّتَ فِكْرُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَسَلَا عَنْ ذَلِكَ الْجَسَدِ وَطَرَحَهُ وَعَلِمَ أَنَّ أُمَّهُ الَّتِي عَطَفَتْ عَلَيْهِ وَأَرْضَعَتْهُ إِنَّمَا كَانَتْ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمُرْتَحِلَ ، وَعَنْهُ كَانَتْ تَصْدُرُ تِلْكَ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا لَا هَذَا الْجَسَدِ الْعَاطِلِ ، وَأَنَّ هَذَا الْجَسَدَ بِجُمْلَتِهِ إِنَّمَا هُوَ كَالْآلَةِ لِذَلِكَ وَبِمَنْزِلَةِ الْعَصَا الَّتِي اتَّخَذَهَا هُوَ لِقِتَالِ الْوُحُوشِ . فَانْتَقَلَتْ عَلَاقَتُهُ عَنِ الْجَسَدِ الَى صَاحِبِ الْجَسَدِ وَمُحَرِّكِهِ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَوْقٌ إِلَّا إِلَيْهِ .

  83. 82

    وَفِي خِلَالِ ذَلِكَ نَتُنَ ذَلِكَ الْجَسَدُ وَقَامَتْ مِنْهُ رَوَائِحُ كَرِيهَةٌ فَزَادَتْ نُفْرَتُهُ عَنْهُ وَوَدَّ أَنْ لَايَرَاهُ . ثُمَّ إِنَّهُ سَنَحَ لِنَظَرِهِ غُرَابَانِ يَقْتَتِلَانِ حَتَّى صَرَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ مَيْتاً . ثُمَّ جَعَلَ الْحَيُّ يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى حَفَرَ حُفْرَةً فَوَارَى فِيهَا ذَلِكَ الْمَيْتَ بِالتُّرَابِ . فَقَالَ فِي نَفْسِهِ :

    Alludes to the Quran 5:31

  84. 83

    «مَا أَحْسَنَ مَا صَنَعَ هَذَا الْغُرَابُ فِي مُوَارَاةِ جِيفَةِ صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ أَسَاءَ فِي قَتْلِهِ إِيَّاهُ ، وَأَنَا كُنْتُ أَحَقَّ بِالِاهْتِدَاءِ الَى هَذَا الْفِعْلِ بِأُمِّي» فَحَفَرَ حُفْرَةً وَأَلْقَى جَسَدَ أُمِّهِ ، وَحَثَا عَلَيْهَا التُّرَابَ وَبَقِيَ يَتَفَكَّرُ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُصَرِّفِ لِلْجَسَدِ وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ الَى أَشْخَاصِ الظِّبَاءِ كُلِّهَا فَيَرَاهَا عَلَى شَكْلِ أُمِّهِ وَعَلَى صُورَتِهَا فَكَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِنَّمَا يُحَرِّكُهُ وَيُصَرِّفُهُ شَيْءٌ هُوَ مِثْلُ الشَّيْءِ الَّذِي كَانَ يُحَرِّكُ أُمَّهُ وَيُصَرِّفُهَا . فَكَانَ يَأْلَفُ الظِّبَاءَ وَيَحِنُّ إِلَيْهَا لِمَكَانِ ذَلِكَ الشَّبَهِ .

  85. 84

    وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَانِ يَتَصَفَّحُ أَنْوَاعَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ ، وَيَطُوفُ بِسَاحِلِ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ وَيَتَطَلَّبُ هَلْ يَرَى أَوْ يَجِدُ لِنَفْسِهِ شَبِيهاً حَسْبَمَا يَرَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَشْخَاصِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ أَشْبَاهاً كَثِيرَةً فَلَا يَجِدُ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ يَرَى الْبَحْرَ قَدْ أَحْدَقَ بِالْجَزِيرَةِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ سِوَى جَزِيرَتِهِ تِلْكَ .

Translations, word glosses and term notes are AI-generated (Claude) and marked as such; no published translation is reproduced.Word analysis is automatic (CAMeL Tools), guided by the text's vowelling. How this text was established.