Muḥyī al-Dīn Ibn al-ʿArabī · Inshāʾ al-dawāʾir
The Book of Circles
كتاب إنشاء الدوائر
About the vowels: added by AI; uncertain words are underlined
The source of this text, a printed edition or a manuscript, has few or no vowel marks, as is usual for such texts. The vowels shown were added by AI and checked against an independent grammatical analyser; the few words where the two disagree are underlined as uncertain. Choose “Unvowelled” under Aa to read the letters alone.
- ¶ 0
Quotes the Quran 42:11 · text of the quotation verified against Tanzil
In the name of God, the All-Merciful, the Compassionate. Praise belongs to God, who created the human being upon His form, singled him out with His inmost secret, and made correspondence (muḍāhāt) and vaunting (mubāhāt) two premises for securing the conclusion, which is knowledge of Him. At one time He makes him correspond to the Presence of His Essence and Attributes; at another He makes him correspond to the Presence of His creatures. And blessing be upon the Prophet, who gathers together the first principles and stands facing the Presence of pre-eternity: the radiant light that casts no shadow, concealed behind the veil of 'Nothing is like His likeness' (Q 42:11). That is the Reality of realities and the first configuration, brought forth upon the form of the creatures, and upon that of the Creator as well, the latter by way of likeness (shakl).
AI - ¶ 1
…and of it [there is that which is] by way of the reality, and of it by way of the name and the description, and of it by way of the created beings: Muḥammad, may God bless him, his family and his Companions, and grant them peace, honour and dignity. To proceed: when God, glory be to Him, made known to me the realities of things as they are in their essences, and gave me, by unveiling, sight of the realities of their relations and connections, I wished to set them in a mould of sensible figuration, so that they might be easier to grasp for my companion, the friend of God, ʿAbd Allāh Badr al-Ḥabashī, and might become clear to one whose sight is too weak to perceive them and the brilliant stars of whose thoughts have not coursed through their spheres. Then it would become plain to him where his rank in existence comes from, and what honour he has attained, such that the angels submitted to him in prostration.
AI - ¶ 2
Quotes the Quran 45:13 · text of the quotation verified against Tanzil
And if the noble, most sincere angel prostrated before him, what then do you suppose of the lower, more deficient host? Do you not see the true report of the Real concerning him, where He said: “And He has made subservient to you whatever is in the heavens and whatever is in the earth, all of it, from Him” [Q 45:13]? He brought the entire world, all of it together, under the subjection of this most exalted human being. So there is no higher host but that it is put to work for your sake, and no lower host but that it humbles itself before you and implores you. They are thus either one who seeks forgiveness for you, or one who invokes blessing upon you, or an angel of peace who conveys that peace to you from the Real, Exalted is He.
AI - ¶ 3
And if the Real Lord invokes blessing upon you, what then of His angels? And if He is watchful over you, what do you suppose of His vicegerent? There is no fruit and no bounty which, on reaching its full term, is not supplicating before you and humbly submitting, that it may render to you the benefits God has deposited within it. For in the whole of existence there is no reality and no subtlety but that from you to it, and from it to you, there runs a subtle link (raqīqa); so the number of subtle links equals the number of realities and subtleties. Were it not that this human being was rightly granted 'the finest stature' (Q 95:4), was fashioned upon the form of the Eternal, and that from his lowest short rib there was drawn forth by the Real the one in whom, when he found repose in her, he became enamoured, the existence of creation would not rightly have issued from him; nor would the Highest Assembly have submitted to him, nor would he have appeared at the most manifest Station of standing, nor would there have been humbled before him…
AI - ¶ 4
وُجُوهُ الأَمْلَاكِ وَلَا دَارَتْ بِنَفْسِهِ أَجْرَامُ الأَفْلَاكِ فَاشْكُرِ اللَّهَ ثَانِيًا يَا أَيُّهَا الانْسَانُ عَلَى مَا خَصَّكَ بِهِ الجَوَادُ الرَّحْمٰنُ مِنْ كَمَالِ هَذِهِ النِّسْبَةِ وَأَوْقَفَكَ عَلَى مَعَانِى حَقَائِقِ هَذِهِ النِّسْبَةِ فَابْحَثْ عَنْ وُجُودِكَ وَأَيْنَ مَرْتَبَتُكَ مِنْ مَعْبُودِكَ وَمَيِّزْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَبِيدِكَ فَانَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هَذَا حُشِرْتَ فِى الاسْتِوَاءِ الرَّحْمَانِىِّ وَالانْبَاءِ الرَّبَّانِىِّ
- ¶ 5
وَهَذَا قَدْ أَوْضَحْتُ لَكَ فِى هَذَا الْكِتَابِ الَّذِى سَمَّيْتُهُ إِنْشَاءَ الدَّوَائِرِ الْاِحَاطِيَّةِ عَلَى مُضَاهَاةِ الْاِنْسَانِ لِلْخَالِقِ وَالْخَلَائِقِ فِى الصُّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ وَالْمَعْقُولَةِ وَالْخَلَائِقِ وَتَنْزِيلِ الْحَقَائِقِ عَلَيْهِ فِى أَنَابِيبِ الرَّقَائِقِ فَنَصَبْتُ الْأَشْكَالَ وَضَرَبْتُ الْأَمْثَالَ وَبَيَّنْتُ مَا هُوَ فِى الْاِنْسَانِ بِمَا هُوَ إِنْسَانٌ وَمَا فِيهِ بِمَا هُوَ صَاحِبُ إِيمَانٍ أَوْ إِحْسَانٍ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ وَتَوْصِيلًا لِلْعِلْمِ
- ¶ 6
وَمِنْ مُوجِدِ الكَوْنِ نَسْأَلُ التَّأْيِيدَ وَالعَوْنَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ فَصْلٌ وَاعْلَمُوا وَفَّقَكُمُ اللهُ لِطَاعَتِهِ وَجَعَلَكُمْ مِنَ الفَائِزِينَ بِمَعْرِفَتِهِ بِرَحْمَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الغَرَضُ فِى هَذَا الكِتَابِ أَيْنَ مَرْتَبَةُ الانْسَانِ فِى الوُجُودِ وَمَنْزِلَتُهُ فِى حَضْرَةِ الجُودِ وَبُرُوزُهُ مِنْ غَيْبِهِ بِعَيْنِهِ وَهَلْ كَانَ مُتَّصِفًا بِحَالٍ قَبْلَ كَوْنِهِ احْتَجْنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ عَلَى العَدَمِ وَالوُجُودِ وَلِمَاذَا يَرْجِعَانِ وَهَلْ بَيْنَ ذَلِكَ الوُجُودِ وَالعَدَمِ مَا لَا يَتَّصِفُ بِهِمَا أَمْ لَا فَجَعَلْتُ هَذَا الفَصْلَ لِهَذَا الأَمْرِ وَمَعْرِفَتِهِ
- ¶ 7
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ نُنْشِئُ الدَّوَائِرَ وَالْجَدَاوِلَ وَنَمُدُّ الرَّقَائِقَ وَالْحَبَائِلَ وَنُبْرِزُ الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ وَنُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَفْرُوقِ وَالْمَجْمُوعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنَ الْأَسْمَاءِ وَأَيْنَ الْأَرْضُ مِنَ الْاِنْسَانِ وَالسَّمَاءِ وَكَيْفِيَّاتِ التَّجَلِّيَاتِ وَتَرْتِيبَهَا عَلَى الْمَقَامَاتِ كُلُّ ذَلِكَ وَأَشْبَاهُهُ فِى اَبْوَابٍ مُبَوَّبَةٍ فِى هَذَا الْمَجْمُوعِ وَأَشْكَالٍ مَنْصُوبَةٍ بِصِنَاعَةٍ عَمَلِيَّةٍ لِيَقْرُبَ عَلَى الطَّالِبِ مَأْخَذُ الْفَوَائِدِ وَالْمَعَانِى مِنْهَا وَيَتَصَوَّرَ الْمَعْنَى فِى نَفْسِهِ صُورَةً مُتَجَسِّدَةً تَسْهُلُ عَلَيْهِ الْعِبَارَةُ عَنْهَا لِقُوَّةِ حُصُولِهَا فِى الْخَيَالِ وَيَحْرِصَ النَّاظِرُ عَلَى اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ حَتَّى يَقِفَ عَلَى كُلِّيَّةِ مَعَانِيهَا إِنَّ الْمَعْنَى إِذَا أُدْخِلَ فِى قَالَبِ الصُّورَةِ وَالشَّكْلِ تَعَشَّقَ بِهِ الْحِسُّ وَصَارَ
- ¶ 8
لَهُ فُرْجَةٌ يَتَفَرَّجُ عَلَيْهَا وَيَتَنَزَّهُ فِيهَا فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إِلَى تَحْقِيقِ مَا نُصِبَ لَهُ ذَلِكَ الشَّكْلُ وَجُسِّدَتْ لَهُ تِلْكَ الصُّورَةُ فَلِهَذَا مَا أَدْخَلْنَاهُ فِى التَّصْوِيرِ وَالتَّشْكِيلِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ لَيْسَا بِشَىْءٍ زَائِدٍ عَلَى الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ لَكِنْ هُوَ نَفْسُ الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ لَكِنَّ الْوَهْمَ يَتَخَيَّلُ أَنَّ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ صِفَتَانِ رَاجِعَتَانِ إِلَى الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَيَتَخَيَّلُهُمَا كَالْبَيْتِ وَالْمَوْجُودُ وَالْمَعْدُومُ قَدْ دَخَلَا فِيهِ
- ¶ 9
وَلِهَذَا تَقُولُ قَدْ دَخَلَ هَذَا الشَّىْءُ فِى الْوُجُودِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمُتَحَذْلِقِينَ أَنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الشَّىْءَ وُجِدَ فِى عَيْنِهِ فَالْوُجُودُ وَالْعَدَمُ عِبَارَتَانِ عَنْ إِثْبَاتِ عَيْنِ الشَّىْءِ أَوْ نَفْيِهِ ثُمَّ إِذَا ثَبَتَ عَيْنُ الشَّىْءِ أَوِ انْتَفَى فَقَدْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الِاتِّصَافُ بِالْعَدَمِ وَالْوُجُودِ مَعًا وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ وَالْاِضَافَةِ فَيَكُونُ زَيْدٌ الْمَوْجُودُ فِى عَيْنِهِ مَوْجُودًا فِى السُّوقِ مَعْدُومًا فِى الدَّارِ
- ¶ 10
فَلَوْ كَانَ الْعَدَمُ وَالْوُجُودُ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِى تَرْجِعُ إِلَى الْمَوْجُودِ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ لَاسْتَحَالَ وَصْفُهُ بِهِمَا مَعًا بَلْ كَانَ إِذَا كَانَ مَعْدُومًا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَسْوَدَ لَا يَكُونُ أَبْيَضَ وَقَدْ صَحَّ وَصْفُهُ بِالْعَدَمِ وَالْوُجُودِ مَعًا فِى زَمَانٍ وَاحِدٍ هَذَا هُوَ الْوُجُودُ الِاضَافِىُّ وَالْعَدَمُ مَعَ ثُبُوتِ الْعَيْنِ
- ¶ 11
فَاِذَا صَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ قَائِمَةٍ بِمَوْصُوفٍ مَحْسُوسٍ وَلَا بِمَوْصُوفٍ مَعْقُولٍ وَحْدَهُ دُونَ إِضَافَةٍ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْاِضَافَاتِ وَالنِّسَبِ مُطْلَقًا مِثْلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَالْأَمَامِ وَالْوَرَاءِ فَلَا يُخَصُّ بِهَذَا الْوَصْفِ وُجُودٌ دُونَ وُجُودٍ فَاِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ اَنْ يَكُونَ الشَّىْءُ مَعْدُومًا فِى عَيْنِهِ يَتَّصِفُ بِالْوُجُودِ فِى عَالَمٍ مَّا أَوْ بِنِسْبَةٍ مَّا فَيَكُونُ مَوْجُودًا فِى عَيْنِهِ مَعْدُومًا بِنِسْبَةٍ مَّا
- ¶ 12
فَنَقُولُ نَعَمْ لِكُلِّ شَىْءٍ فِى الْوُجُودِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ إِلَّا اللّٰهَ تَعَالَى فَاِنَّ لَهُ فِى الْوُجُودِ الْمُضَافِ ثَلٰثَ مَرَاتِبَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى وُجُودُ الشَّىْءِ فِى عَيْنِهِ وَهِىَ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ بِالنَّظَرِ إِلَى عِلْمِ الْحَقِّ بِالْمُحْدَثِ وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ وُجُودُهُ فِى الْعِلْمِ وَهِىَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى بِالنَّظَرِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِنَا وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ وُجُودُهُ فِى الْأَلْفَاظِ وَالْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ وُجُودُهُ فِى الرُّقُومِ وَوُجُودُ اللَّهِ الْحَقِّ تَعَالَى بِالنَّظَرِ اِلَى عِلْمِنَا عَلَى هَذِهِ الْمَرَاتِبِ مَا عَدَا مَرْتَبَةَ الْعِلْمِ هَذَا هُوَ الْاِدْرَاكُ الَّذِى حَصَلَ بِأَيْدِينَا الْيَوْمَ وَلَا اَدْرِى إِذَا وَقَعَتِ الْمُعَايَنَةُ الْبَصَرِيَّةُ الْمُقَدَّرَةُ فِى الشَّرْعِ هَلْ يَحْصُلُ فِى نُفُوسِنَا
- ¶ 13
عِلْمُ إِثْبَاتٍ أَوْ مَزِيدُ وُضُوحٍ فِى جِنْسِ الْعِلْمِ الَّذِى بِأَيْدِينَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِى عِلْمِنَا بِهِ سُبْحَانَهُ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ثَلٰثُ مَرَاتِبَ وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ النَّظَرُ إِثْبَاتًا فِى الدَّارِ الْآخِرَةِ أَوْ حَيْثُ وَقَعَتِ الْمُعَايَنَةُ لِمَنْ وَقَعَتْ فَقَدْ نَصِفُهُ بِالْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ فَتَحَقَّقْ هَذِهِ الاِشَارَةَ فِى عِلْمِنَا بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ فَانَّهَا نَافِعَةٌ فِى الْبَابِ
- ¶ 14
ثُمَّ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْنَا كَمَا قَدَّمْنَا بِتَقَدُّمِ وُجُودِ الْعَيْنِ أَوْ وُجُودِ مَا يُمَاثِلُ الْعَيْنَ أَوْ وُجُودِ أَجْزَاءِ الْعَيْنِ مُبَدَّدَةً غَيْرَ مَجْمُوعٍ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ بِالِاضَافَةِ إِلَى شَكْلٍ مَّا يَخْتَرِعُهُ الْعَاقِلُ كُلُّ هَذَا لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهِ أَعْنِى وَاحِدًا مِنْهَا ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يَنْضَبِطُ فِى الْعِلْمِ وَيُتَصَوَّرُ فِى الذِّهْنِ هَذَا بِالِاضَافَةِ إِلَيْنَا وَبِالِاضَافَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا الْعِلْمُ مُتَقَدِّمٌ مِنْ غَيْرِ زَمَانٍ بِالشَّىْءِ قَبْلَ عَيْنِهِ فَوُجُودُ الشَّىْءِ الْمُحْدَثِ فِى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ وُجُودِ الشَّىْءِ فِى عَيْنِهِ وَمُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ
- ¶ 15
ثُمَّ سِرًّا سَنُومِى إِلَيْهِ فِى هَذَا الْفَصْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَنُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ وُجُودَ الْعَيْنِ يَتَقَدَّمُ عَلَى وُجُودِ الْعِلْمِ بِالْمَرْتَبَةِ وَيُسَاوِيهِ فِى الْوُجُودِ أَزَلًا لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مُحْدَثَةً وَهَذَا فِى حَقِّ الْحَقِّ وَأَمَّا فِى حَقِّ الْخَلْقِ فَسَنُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ إِدْرَاكَ الْحَقِّ لِلْمَوْجُودِ فِى عَيْنِهِ تَفْصِيلًا اَنَّهُ قَدْ كَانَتْ لَهُ حَالَةٌ مَّا بِالنَّظَرِ إِلَى أَمْرٍ مَّا لَا يَتَّصِفُ فِيهَا بِالْوُجُودِ وَلَا بِالْعَدَمِ مَعَ عَدَمِهِ فِى عَيْنِهِ
- ¶ 16
ثُمَّ نَرْجِعُ وَنَقُولُ فَأَمَّا تَبْيِينُ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ الْأَرْبَعِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهِىَ أَنْ نَقُولَ زَيْدٌ بِاللِّسَانِ فَنَعْقِلَ مَعْنَاهُ أَوْ نَرْقُمَهُ فِى الْكَاغَدِ زَيْدٌ فَنَعْقِلَ مَعْنَاهُ أَوْ يَظْهَرَ فِى عَيْنِهِ فَنَعْقِلَ مَعْنَاهُ أَوْ نَتَخَيَّلَهُ فِى اَنْفُسِنَا وَهُوَ غَيْرُ حَاضِرٍ فَنَعْقِلَ مَعْنَاهُ وَهَذَا هُوَ الْوُجُودُ فِى الْعِلْمِ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ مُتَّحِدَةُ الْمَعْنَى لَمْ يَزِدْ بِاخْتِلَافِهَا مَعْنًى فِى زَيْدٍ فَكُلُّ شَىْءٍ قَدِيمٍ اَوْ مُحْدَثٍ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِى بَعْضِ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ أَوْ فِى كُلِّهَا
- ¶ 17
فَاِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَثَبَتَ أَنَّهُ الْحَقُّ فَنَقُولُ اِنَّ الْاِنْسَانَ قَدِيمٌ مُحْدَثٌ مَوْجُودٌ مَعْدُومٌ أَمَّا قَوْلُنَا قَدِيمٌ فَلِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِى الْعِلْمِ الْقَدِيمِ مُتَصَوَّرٌ فِيهِ أَزَلًا وَهِىَ مِنْ بَعْضِ مَرَاتِبِ الْوُجُودِ الْمَذْكُورَةِ وَأَمَّا قَوْلُنَا مُحْدَثٌ فَأَنَّ شَكْلَهُ وَعَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّ زَيْدًا مَوْجُودٌ فِى الْعِلْمِ مَوْجُودٌ فِى الْكَلَامِ مَعْدُومٌ فِى الْعَيْنِ أَزَلًا مَثَلًا فَقَدْ تُصُوِّرَ اتِّصَافُهُ بِالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ أَزَلًا فَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّ الْوُجُودَ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْمَوْجُودِ وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَ هَذَا فَبَقِىَ لَنَا أَنْ نَنْظُرَ بِمَاذَا ذَا يَتَعَلَّقُ الْعِلْمُ هَلْ بِالْمَوْجُودِ أَوْ بِالْمَعْدُومِ وَلَا نَعْلَمُ ذَلِكَ مَا
- ¶ 18
لَمْ نُعْلِمْ مَا هُوَ الْعِلْمُ وَإِلَى مَاذَا تَنْقَسِمُ الْمَعْدُومَاتُ فَنَقُولُ أَوَّلًا أَنَّ الْعِلْمَ عِبَارَةٌ عَنْ حَقِيقَةٍ فِى النَّفْسِ تَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ وَالْمَوْجُودِ عَلَى حَقِيقَتِهِ الَّتِى هُوَ عَلَيْهَا أَوْ يَكُونُ إِذَا وُجِدَ فَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ هِىَ الْعِلْمُ وَالْمَعْدُومَاتُ تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ مَعْدُومٌ مَفْرُوضٌ لَا يَصِحُّ وُجُودُهُ الْبَتَّةَ كَالشَّرِيكِ وَالْوَلَدِ لِلالٰهِ وَالصَّاحِبَةِ لَهُ وَدُخُولِ الْجَمَلِ فِى سَمِّ الْخِيَاطِ وَمَعْدُومٌ يَجِبُ وُجُودُهُ وُجُوبًا تَرْجِيحِيًّا اخْتِيَارِيًّا لَا اضْطِرَارِيًّا كَشَخْصٍ مِنَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَكَنَعِيمِ الْجَنَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَعْدُومٌ يَجُوزُ وُجُودُهُ كَعُذُوبَةِ مَاءِ الْبَحْرِ فِى الْبَحْرِ وَمَرَارَةِ الْحُلْوِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَمَعْدُومٌ لَا يَصِحُّ وُجُودُهُ قَطْعًا اخْتِيَارِيًّا لَكِنْ وُجُودُ شَخْصٍ
Alludes to the Quran 7:40
- ¶ 19
مِنْ جِنْسِهِ وَهَذَا كُلُّهُ أَعْنِى مَا يَجُوزُ وُجُودُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ اخْتِيَارًا إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الشَّخْصُ الثَّانِى مِنَ الْجِنْسِ فَصَاعِدًا عَلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ تُثْبِتُ الْاِرَادَةَ وَتَنْفِى الِاخْتِيَارَ كَمَا تُثْبِتُ الْعِلْمَ وَتَنْفِى التَّدْبِيرَ وَإِنْ كَانَ وَرَدَ فِى السَّمْعِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ وَوَرَدَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ وَلَكِنْ مَنْ وَقَفَ عَلَى سِرِّ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ عَرَفَ مَوْضِعَ هَذَا الْخِطَابِ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاخْتِيَارِ وَسَأُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِى كِتَابِى هَذَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُرِيدٌ غَيْرُ مُخْتَارٍ وَأَنَّهُ مَا فِى الْوُجُودِ مُمْكِنٌ أَصْلًا وَأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ فِى الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحَالَةِ وَأَنَّهُ كُلَّمَا وَرَدَ فِى الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ
Quotes the Quran 28:68 · text of the quotation verified against Tanzil
Alludes to the Quran 10:3; 13:2; 32:5
- ¶ 20
شِئْنَا وَلَوْ شَاءَ اقْتِرَانُ الْمَشِيئَةِ بِحَرْفِ الْاِمْتِنَاعِ لِسَبَبٍ مَوْجُودٍ قَدِيمٍ يَسْتَحِيلُ عَدَمُهُ فَيَسْتَحِيلُ ضِدُّ مَشِيئَتِهِ فَخَرَجَتِ الْمَشِيئَةُ عَنْ بَابِهَا الْمَعْقُولِ فِى الْعَادَةِ إِلَى بَابِهَا الْمَعْقُولِ فِى الْحَقِيقَةِ فَمَهْمَا ذَكَرْتُ فِى كِتَابِى هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْاِمْكَانِ أَوِ الْاخْتِيَارِ أَوِ التَّدْبِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَأْبَاهُ الْحَقَائِقُ فَاِنَّمَا أَسُوقُهُ لِلتَّوْصِيلِ وَالتَّفْهِيمِ الْجَارِى فِى الْعَادَةِ وَصَاحِبُ الْحَقِيقَةِ يَعْرِفُ مَرْتَبَةَ الْمَوْضُوعَاتِ وَمَعَهُ أَتَكَلَّمُ فِى الْحَقَائِقِ وَإِيَّاهُ أُخَاطِبُ
Alludes to the Quran e.g. 32:13; 10:99
- ¶ 21
وَمَنْ نَزَلَ عَنْ هَذِهِ الْحَقَائِقِ فَانَّهُ يَحْمِلُ الْكَلَامَ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ فِى عُرْفِ الْعَادَةِ الَّذِى يُتَخَيَّلُ فِيهِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فَيَقْبَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمَسْأَلَةَ وَلَا يَرْمِى بِهَا لَكِنْ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَبَيْنَهُمَا مَا بَيْنَ مَفْهُومَيْهِمَا فَاذَا عَلِمْتَ هَذَا فَالْعِلْمُ لَا يَتَعَلَّقُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ إِلَّا بِالثَّلٰثَةِ
- ¶ 22
وَأَمَّا الْمَعْدُومُ الَّذِى لَا يَصِحُّ وُجُودُهُ الْبَتَّةَ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمٌ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا يَكُونُ فَالْعِلْمُ إِذًا لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِمَوْجُودٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ رَأْسًا إِذِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا يُتَصَوَّرُ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى صُورَةٍ وَلَا مُقَيَّدٍ بِصِفَةٍ وَلَا لَهُ حَقِيقَةٌ تَنْضَبِطُ إِلَّا النَّفْىُ الْمَحْضُ وَالنَّفْىُ الْمَحْضُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ فِى النَّفْسِ شَىْءٌ إِذْ لَوْ حَصَلَ لَكَانَ وُجُودًا وَالْعَدَمُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ لَا يَكُونُ وُجُودًا أَبَدًا
- ¶ 23
فَانَّ الْحَقَائِقَ لَا سَبِيلَ إِلَى قَلْبِهَا أَلَا تَرَى عِلْمَكَ بِنَفْىِ شَرِيكٍ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ تَأَمَّلْتَ إِلَى مَا تَقَدَّرَ لَكَ فِى نَفْسِكَ وَمَا انْضَبَطَ لَكَ فِى قَلْبِكَ مِنْ نَفْىِ الشَّرِيكِ فَمَا تَجِدُ فِى النَّفْسِ شَيْئًا إِلَّا الْوَحْدَانِيَّةَ وَهِىَ مَوْجُودَةٌ وَهِىَ الَّتِى ضَبَطَتْهَا النَّفْسُ وَإِنْ أَبَيْتَ قَبُولَ هَذَا وَعَسُرَ عَلَيْكَ فَارْجِعْ إِلَى نَظَرٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الشَّرِيكَ مَعْلُومٌ عِنْدَكَ مَوْجُودٌ فِى عَيْنِهِ فِى الْمُحْدَثَاتِ فِى حَقِّ زَيْدٍ فَتِلْكَ النِّسْبَةُ الَّتِى أَضَفْتَ بِهَا الشَّرِيكَ إِلَى زَيْدٍ مَوْجُودَةٌ هِىَ بِعَيْنِهَا لَمْ تُضِفْهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَانْظُرْ عِلْمَكَ بِالْمُحَالِ رَاجِعًا إِلَى الْعِلْمِ بِأَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ
- ¶ 24
مَوْجُودَةٌ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا عَقَلْتَ نَفْيَهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَهْمَا تُصُوِّرَ لَكَ الْعِلْمُ بِعَدَمٍ مَّا فَلَيْسَ عِنْدَكَ إِلَّا الْعِلْمُ بِوُجُودِ ضِدِّهِ أَوْ بِوُجُودِ الشَّرْطِ الْمُصَحِّحِ لِنَفْيِهِ أَوْ بِأَجْزَاءٍ مَوْجُودَةٍ فِى الْعَالَمِ نَفَيْتَ نِسْبَتَهَا وَإِضَافَتَهَا لِمَوْجُودٍ مَّا لِحَقِيقَةٍ ذَاتِيَّةٍ مَوْجُودَةٍ لِذَلِكَ الْمَوْجُودِ هُوَ عَلَيْهَا عَلِمْتَهَا اَنْتَ فَنَفَيْتَ عَنْهُ مَا مَنَعَتْ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ قَبُولَ مَا اتَّصَفَ بِهَا لِذَلِكَ وَأَثْبَتَّهَا لِآخَرَ لِحَقِيقَةٍ أَيْضًا مَوْجُودَةٍ يَتَّصِفُ هَذَا الْمَوْجُودُ الَّذِى أَثْبَتَّهَا لَهُ بِهَا فَتَحَقَّقْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَاِنَّهَا نَافِعَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- ¶ 25
وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْوَاحِدُ مِنْ أَقْسَامِ الْمَعْدُومَاتِ وَمَا عَدَاهُ فَقَدْ جَعَلْنَاهُ إِمَّا وُجُوبًا أَوْ جَوَازًا أَوْ مُحَالًا اخْتِيَارًا مَعَ فَرْضِ وُجُودِ شَخْصٍ مِنَ الْجِنْسِ فَكُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْوُجُودِ وَمَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْوُجُودِ فَالْعِلْمُ يَضْبِطُهُ وَيُحَصِّلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الانْسَانَ لَوْلَا مَا هُوَ عَلَى الصُّورَةِ لَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ أَزَلًا إِذِ الْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ أَزَلًا بِالْحَادِثِ إِنَّمَا حَصَلَ وَلَمْ يَزَلْ حَاصِلًا بِالصُّورَةِ الْمَوْجُودَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتى خُلِقَ الانْسَانُ عَلَيْهَا وَالْعَالَمُ كُلُّهُ بِأَسْرِهِ عَلَى صُورَةِ الانْسَانِ
- ¶ 26
فَهُوَ أَيْضًا عَلَى الصُّورَةِ الَّتِى خُلِقَ الاِنْسَانُ عَلَيْهَا فَالْعِلْمُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ لِتَعَلُّقِهِ بِمَثَلِهِ الْمَوْجُودِ فَافْهَمْ فَاِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تَحْدُسَ فِى النَّفْسِ أَنْ تَقُولَ لِى إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أَعْلَمَ مِنْ أَىِّ طَرِيقٍ يَتَعَلَّقُ الْعِلْمُ بِالْمَعْلُومِ الْمَعْدُومِ الَّذِى يَجُوزُ وُجُودُهُ فَاِنِّى فَهِمْتُ مِنْ كَلَامِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ فِى زَمَانِ الرُّؤْيَةِ أَوْ فِى تَقْدِيرِ زَمَانٍ إِنْ كَانَ الرَّائِى لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ حُصُولُ الْعِلْمِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَعْلُومِ بِالاِدْرَاكِ الْبَصَرِىِّ أَوْ مِثْلِ الْبَصَرِىِّ اَوْ مِثْلِ الْمَعْلُومِ أَوْ أَجْزَاءِ الْمَعْلُومِ فَلْتَعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ
- ¶ 27
كَمَا فَهِمْتَ وَأَشَرْتَ إِلَيْهِ كَذَا هُوَ عِنْدِى فِى حَقِّ كُلِّ عَالِمٍ سَوَاءً وَلَا أُحَاشِى مِنَ الْأَقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَ أَنِّى سَأُنَبِّهُكَ عَلَى مَا سَكَتَّ عَنْهُ مِنَ الِاعْتِرَاضِ أَدَبًا مِنْكَ وَخَوْفًا عَلَى الْقُلُوبِ الْعُمْىِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلِمَعْرِفَتِكَ تَتَفَطَّنُ لِمَا أَوْمَأْتُ إِلَيْهِ رَمْزًا فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومِ عِنْدَ الِادْرَاكِ أَنْ تَكُونَ أَشْخَاصُ ذٰلِكَ الْجِنْسِ مَوْجُودَةً فِى أَعْيَانِهَا لٰكِنْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَوْجُودٌ وَاحِدٌ أَوْ أَجْزَاءٌ فِى مَوْجُودَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ يَجْمَعُهَا يَظْهَرُ مَوْجُودٌ آخَرُ فَتَعْلَمُهُ وَمَا بَقِىَ مَعْدُومًا
- ¶ 28
فَهُوَ مِثْلٌ لَهُ فَعِلْمُكَ إِذًا إِنَّمَا تَعَلُّقُ رُؤْيَتِكَ بِذَلِكَ الْمَوْجُودِ وَتِلْكَ الْحَقِيقَةِ وَلَيْسَ سَمَاعُ الْأَصْوَاتِ مَعْرِفَةَ أَعْيَانِهَا وَإِنَّمَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا مِنْ بَابِ الرُّؤْيَةِ وَهَكَذَا كُلُّ مَعْلُومٍ عَلَى مَسَاقِ مَا تَقَدَّمَ فَمَا بَقِى مَعْدُومًا فَمُدْرَكٌ حَقِيقَةً عِنْدَكَ إِدْرَاكًا صَحِيحًا لِانَّهُ مِثْلُ أُمُّ أَجْزَاءٍ مَوْجُودَاتٍ لَا سَبِيلَ إِلَى هَذَا وَضَرُورَةً أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ أَحَاطَهُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ مَوْجُودٌ فِى نَفْسِهِ وَعَيْنِهِ عَالِمٌ بِنَفْسِهِ مُدْرِكٌ لَهَا
- ¶ 29
وَكُلُّ مَعْلُومٍ سِوَاهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى صُورَتِهِ بِكَمَالِهَا فَهُوَ مَثَلٌ لَهُ أَوْ عَلَى بَعْضِ صُورَتِهِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ عَالِمًا بِالْمَعْلُومَاتِ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ الْعِلْمُ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا انْسِحَابًا خُذْ هَذَا عُمُومًا فِى كُلِّ مَوْجُودٍ وَلَا تُقَيِّدْ غَيْرَ أَنَّكَ يَجِبُ عَلَيْكَ التَّحَفُّظُ مِنَ التَّشْبِيهِ إِنْ دَخَلْتَ إِلَى الْحَضْرَةِ الْاِلٰهِيَّةِ وَالتَّمْثِيلِ
- ¶ 30
فَهَذَا هُوَ إِدْرَاكُ الْمُفَصَّلِ فِى الْمُجْمَلِ وَأَمَّا نَحْنُ فَمَا أَدْرَكْنَا الْمُجْمَلَ إِلَّا مِنَ الْمُفَصَّلِ الْحَادِثِ الْحَاصِلِ فِى الْوُجُودِ ثُمَّ أَدْرَكْنَا فِى ذَلِكَ الْمُجْمَلِ تَفْصِيلًا مُقَدَّرًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَأَنْ لَا يَكُونَ فَتَفَهَّمْ مَا أَوْمَأْنَا إِلَيْهِ فِى قَوْلِنَا عُمُومًا فِى كُلِّ مَوْجُودٍ وَلَا تُقَيِّدْ فَانَّهُ مَنْ وُجِدَ عَلَى صُورَةِ شَىْءٍ فَذَلِكَ الشَّىْءُ أَيْضًا عَلَى صُورَتِهِ فَبِنَفْسِ مَا يَرَى صُورَتَهُ رَأَى مَنْ هُوَ عَلَى صُورَتِهِ وَبِنَفْسِ مَا يَعْلَمُ نَفْسَهُ عَلِمَ مَنْ هُوَ عَلَى صُورَتِهِ لَا يَنْقُصُهُ مِنْ ذَلِكَ شَىْءٌ
- ¶ 31
فَاذَا تَحَصَّلَ هَذَا فِى سَمْعِكَ وَنَفَثَ بِهِ رُوحُ القُدُسِ فِى رُوعِكَ فَأَلْقِ السَّمْعَ وَأَحْضِرِ القَلْبَ وَحُدَّ الذِّهْنَ وَخَلِّصِ الفِكْرَ لِمَا أَذْكُرُهُ لَكَ إِنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى فَاعْلَمْ أَنَّ الأَشْيَاءَ عَلَى ثَلٰثِ مَرَاتِبَ لَا رَابِعَ لَهَا وَالعِلْمُ لَا يَتَعَلَّقُ بِسِوَاهَا وَمَا عَدَاهَا فَعَدَمٌ مَحْضٌ لَا يُعْلَمُ وَلَا يُجْهَلُ وَلَا هُوَ مُتَعَلَّقٌ بِشَىْءٍ
- ¶ 32
فَاذَا فَهِمْتَ هَذَا فَنَقُولُ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الثَّلٰثَةَ مِنْهَا مَا يَتَّصِفُ بِالْوُجُودِ لِذَاتِهِ فَهُوَ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ فِى عَيْنِهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَنْ عَدَمٍ بَلْ هُوَ مُطْلَقُ الْوُجُودِ لَا عَنْ شَىْءٍ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ شَىْءٌ بَلْ هُوَ الْمُوجِدُ لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَخَالِقُهَا وَمُقَدِّرُهَا وَمُفَصِّلُهَا وَمُدَبِّرُهَا وَهُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الَّذِى لَا يَتَقَيَّدُ سُبْحَانَهُ وَهُوَ اللَّهُ الْحَىُّ الْقَيُّومُ الْعَلِيمُ الْمُرِيدُ الْقَدِيرُ الَّذِى لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
Quotes the Quran 42:11 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 42:11 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 33
وَمِنْهَا مَوْجُودٌ بِاللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْوُجُودُ الْمُقَيَّدُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْعَالَمِ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِىِّ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى وَمَا فِيهَا مِنَ الْعَالَمِ وَالْجَوِّ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهَا مِنَ الدَّوَابِّ وَالْحَشَرَاتِ وَالنَّبَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعَالَمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِى عَيْنِهِ ثُمَّ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُوجِدِهِ زَمَانٌ يَتَقَدَّمُ بِهِ عَلَيْهِ فَيَتَأَخَّرَ هَذَا عَنْهُ فَيُقَالَ فِيهِ بَعْدُ أَوْ قَبْلُ هَذَا مُحَالٌ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ بِالْوُجُودِ كَتَقَدُّمِ أَمْسِ عَلَى الْيَوْمِ فَانَّهُ مِنْ غَيْرِ زَمَانٍ لِأَنَّهُ نَفْسُ الزَّمَانِ فَعَدَمُ الْعَالَمِ لَمْ يَكُنْ فِى وَقْتٍ لَكِنَّ الْوَهْمَ يَتَخَيَّلُ أَنَّ بَيْنَ وُجُودِ الْحَقِّ وَوُجُودِ الْخَلْقِ امْتِدَادًا
- ¶ 34
وَذَلِكَ رَاجِعٌ لِمَا عَهِدَهُ فِى الْحِسِّ مِنَ التَّقَدُّمِ الزَّمَانِىِّ بَيْنَ الْمُحْدَثَاتِ وَتَأَخُّرِهِ وَأَمَّا الشَّىْءُ الثَّالِثُ فَمَا لَا يَتَّصِفُ بِالْوُجُودِ وَلَا بِالْعَدَمِ وَلَا بِالْحُدُوثِ وَلَا بِالْقِدَمِ وَهُوَ مُقَارِنٌ لِلْأَزَلِىِّ الْحَقِّ أَزَلًا فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أَيْضًا التَّقَدُّمُ الزَّمَانِىُّ عَلَى الْعَالَمِ وَالتَّأَخُّرُ كَمَا اسْتَحَالَ عَلَى الْحَقِّ وَزِيَادَةً لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ
- ¶ 35
فَانَّ الحُدُوثَ وَالقِدَمَ أَمْرٌ إِضَافِىٌّ يُوصِلُ إِلَى العَقْلِ حَقِيقَةً مَّا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ زَالَ العَالَمُ لَمْ نُطْلِقْ عَلَى الوَاجِبِ الوُجُودِ قَدِيمًا وَإِنْ كَانَ الشَّرْعُ لَمْ يَجِئْ بِهَذَا الِاسْمِ أَعْنِى القَدِيمَ وَإِنَّمَا جَاءَ بِاسْمِهِ الأَوَّلِ وَالآخِرِ فَاذَا زِلْتَ أَنْتَ لَمْ يُقَلْ أَوَّلًا وَلَا آخِرًا إِنَّ الوَسَطَ العَاقِدَ لِلأَوَّلِيَّةِ وَالآخِرِيَّةِ لَيْسَ
- ¶ 36
ثَمَّ فَلَا أَوَّلَ وَلَا آخِرَ وَهَكَذَا الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَأَسْمَاءُ الْاِضَافَاتِ كُلُّهَا فَيَكُونُ مَوْجُودًا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِأَوَّلِيَّةٍ أَوْ آخِرِيَّةٍ وَهَذَا الشَّىْءُ الثَّالِثُ الَّذِى لَا يَتَّصِفُ بِالْوُجُودِ وَلَا بِالْعَدَمِ مِثْلُهُ فِى نَفْىِ الْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ بِانْتِفَاءِ الْعَالَمِ كَمَا كَانَ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ سُبْحَانَهُ وَكَذَلِكَ لَا يَتَّصِفُ بِالْكُلِّ وَلَا بِالْبَعْضِ وَلَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ
- ¶ 37
وَأَمَّا قَوْلُنَا فِيهِ كَمَا اسْتَحَالَ عَلَى الْحَقِّ وَزِيَادَةً فَتِلْكَ الزِّيَادَةُ كَوْنُهُ لَا مَوْجُودًا وَلَا مَعْدُومًا فَلَا يُقَالُ فِيهِ أَوَّلٌ وَآخِرٌ وَكَذَلِكَ لِتَعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الشَّىْءَ الثَّالِثَ لَيْسَ الْعَالَمُ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ أَوْ يُحَاذِيهِ بِالْمَكَانِ إِذِ الْمَكَانُ مِنَ الْعَالَمِ وَهَذَا أَصْلُ الْعَالَمِ وَأَصْلُ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَفَلَكِ الْحَيَاةِ وَأُلْحِقَ الْمَخْلُوقُ بِهِ وَكُلُّ مَا هُوَ عَالَمٌ مِنَ الْمَوْجُودِ الْمُطْلَقِ وَعَنْ هَذَا الشَّىْءِ الثَّالِثِ ظَهَرَ الْعَالَمُ
- ¶ 38
فَهَذَا الشَّىْءُ هُوَ حَقِيقَةُ حَقَائِقِ الْعَالَمِ الْكُلِّيَّةُ الْمَعْقُولَةُ فِى الذِّهْنِ الَّذِى يَظْهَرُ فِى الْقَدِيمِ قَدِيمًا وَفِى الْحَادِثِ حَادِثًا فَانْ قُلْتَ هَذَا الشَّىْءُ هُوَ الْعَالَمُ صَدَقْتَ وَإِنْ قُلْتَ أَنَّهُ الْحَقُّ الْقَدِيمُ سُبْحَانَهُ صَدَقْتَ وَإِنْ قُلْتَ أَنَّهُ لَيْسَ الْعَالَمَ وَلَا الْحَقَّ تَعَالَى وَأَنَّهُ مَعْنًى زَائِدٌ صَدَقْتَ كُلُّ هَذَا يَصِحُّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْكُلِّىُّ الْأَعَمُّ الْجَامِعُ لِلْحُدُوثِ وَالْقِدَمِ وَهُوَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَوْجُودَاتِ وَلَا يَنْقَسِمُ بِانْقِسَامِ الْمَوْجُودَاتِ وَيَنْقَسِمُ بِانْقِسَامِ الْمَعْلُومَاتِ
- ¶ 39
وَهُوَ لَا مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ وَلَا هُوَ الْعَالَمُ وَهُوَ الْعَالَمُ وَهُوَ غَيْرٌ وَلَا هُوَ غَيْرٌ لِأَنَّ الْمُغَايَرَةَ فِى الْوُجُودَيْنِ وَالنِّسْبَةُ انْضِمَامُ شَىْءٍ مَّا إِلَى شَىْءٍ آخَرَ فَيَكُونُ مِنْهُ أَمْرٌ آخَرُ يُسَمَّى صُورَةً مَّا وَالِانْضِمَامُ نِسْبَةٌ فَاِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُحْدِثَ مُثَلَّثًا ضَمَمْنَا أَجْزَاءً انْضِمَامًا مَخْصُوصًا فَحَدَثَتْ ثَلٰثَةُ أَرْكَانٍ فَقُلْنَا هَذَا مُثَلَّثٌ وَأَنْوَاعُ ذَلِكَ مِنَ التَّشْكِيلِ وَالتَّصْوِيرِ وَالْأَلْوَانِ وَالْأَكْوَانِ مَعْلُومٌ فِى الْكُلِّىِّ الْأَعَمِّ
- ¶ 40
وَهٰذَا مَلَكٌ وَإِنْسَانٌ وَعَقْلٌ وَغَيْرُ ذٰلِكَ وَهٰذَا مِقْدَارٌ وَمَكَانٌ وَوَضْعٌ وَانْفِعَالٌ مَّا وَمُنْفَعِلٌ مَّا وَبِانْضِمَامِ الْجُزْئِيَّاتِ الَّتِى تَحْتَ الْأَجْنَاسِ الْكُلِّيَّاتِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ يَحْدُثُ عَالَمُ التَّفْصِيلِ عُلُوًّا وَسُفْلًا مِنْ غَيْرِ افْتِرَاقٍ إِلَّا مَا حَصَلَ فِى الْوَهْمِ هٰذَا وَجْهُ قَوْلِكَ أَنَّ هٰذَا الشَّىْءَ هُوَ الْعَالَمُ وَتَصْدُقُ فِى ذٰلِكَ
- ¶ 41
وَكَذَلِكَ أَيْضًا إِنْ قُلْتَ أَنَّهُ لَيْسَ الْعَالَمَ صَدَقْتَ فَاِنَّ الْعَالَمَ قَدْ كَانَ مَعْدُومَ الْعَيْنِ وَهَذَا عَلَى حَالَتِهِ لَا يَتَّصِفُ بِوُجُودٍ وَلَا عَدَمٍ لَكِنَّ الْعِلْمَ الْقَدِيمَ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَضَمَّنُهُ هَذَا الشَّىْءُ الثَّالِثُ الْمُجْمَلُ مِنَ التَّفْصِيلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلُ كَمَا يَتَعَلَّقُ عِلْمُنَا بِبَعْضِ التَّفْصِيلَاتِ وَيَتَعَلَّقُ بِمُجْمَلَاتِهَا غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ لَكِنْ يُفَصِّلُهَا مَتَى شَاءَ
- ¶ 42
وَهَذَا سِرٌّ فَانَّ عِلْمَنَا بِهِ كَذَلِكَ لِصِحَّةِ الْمُضَاهَاةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَقِّ وَلِهَذَا الْاِشَارَةُ مِنَ الْاِمَامِ أَبِى حَامِدٍ الْغَزَالِىِّ وَلَيْسَ فِى الْاِمْكَانِ أَبْدَعُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ إِذْ لَوْ كَانَ وَادَّخَرَهُ لَكَانَ عَجْزًا يُنَافِى الْقُدْرَةَ وَبُخْلًا يُنَاقِضُ الْجُودَ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ قُطِعَ الْاِمْكَانُ وَهَذَا لَيْسَ هُوَ عِنْدِى عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَأَكْمَلُ الْوُجُوهِ عِنْدِى فِى هَذَا كَوْنُهُ وُجِدَ عَلَى الصُّورَةِ فَافْهَمْ وَلِأَنَّهُ أَيْضًا دَلِيلٌ مُوصِلٌ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْفَى الْأَرْكَانِ
- ¶ 43
فَلَوْ نَقَصَ رُكْنٌ مِنْهُ لَمَا كَانَ دَلِيلًا وَلَمْ تَصِحَّ مَعْرِفَةٌ وَقَدْ صَحَّتْ فَقَدْ ثَبَتَ دَلَالَتُهُ قَالَ النَّبِىُّ عم مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَقُولُ هَذَا الشَّىْءُ الثَّالِثُ الَّذِى نَحْنُ بِسَبِيلِهِ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَقِفَ عَلَى حَقِيقَةِ عِبَارَتِهِ لَكِنْ نُؤْمِى إِلَيْهِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَنِ الْحَقِّ الَّذِى لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمِثَالِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ لَا أَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ حَقِيقَتِهِ فَكُنَّا نُحِيطُ بِهِ عِلْمًا
- ¶ 44
وَهَذَا لَا سَبِيلَ اِلَيْهِ قَطُّ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًا فَنَقُولُ نِسْبَةُ هَذَا الشَّىْءِ الَّذِى لَا يُحَدُّ وَلَا يَتَّصِفُ بِالْوُجُودِ وَلَا بِالْعَدَمِ وَلَا بِالْحُدُوثِ وَلَا بِالْقِدَمِ إِلَى الْعَالَمِ كَنِسْبَةِ الْخَشَبَةِ إِلَى الْكُرْسِىِّ وَالتَّابُوتِ وَالْمِنْبَرِ وَالْمَحْمِلِ أَوِ الْفِضَّةِ إِلَى الْأَوَانِى وَالْآلَاتِ الَّتِى تُصَاغُ مِنْهَا كَالْمُكْحُلَةِ وَالْقُرْطِ وَالْخَاتَمِ فَبِهَذَا تُعْرَفُ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ فَخُذْ هَذِهِ النِّسْبَةَ وَلَا تَتَخَيَّلِ النَّقْصَ فِيهِ كَمَا تَتَخَيَّلُ النَّقْصَ فِى الْخَشَبَةِ بِانْفِصَالِ الْمِحْبَرَةِ عَنْهَا
Quotes the Quran 20:110 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 45
وَاعْلَمْ أَنَّ الخَشَبَةَ أَيْضًا صُورَةٌ مَخْصُوصَةٌ فِى العُودِيَّةِ فَلَا نَنْظُرُ أَبَدًا إِلَّا لِلْحَقِيقَةِ المَعْقُولَةِ الجَامِعَةِ الَّتِى هِىَ العُودِيَّةُ فَتَجِدُهَا لَا تَنْقُصُ وَلَا تَتَبَعَّضُ بَلْ هِىَ فِى كُلِّ كُرْسِىٍّ وَمِحْبَرَةٍ عَلَى كَمَالِهَا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَإِنْ كَانَ فِى صُورَةِ المِحْبَرَةِ حَقَائِقُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الحَقِيقَةُ العُودِيَّةُ وَالِاسْتِطَالِيَّةُ وَالتَّرْبِيعِيَّةُ وَالكَمِّيَّةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَكُلُّهَا فِيهَا بِكَمَالِهَا
- ¶ 46
وَكَذَلِكَ الْكُرْسِىُّ وَالْمِنْبَرُ وَهَذَا الشَّىْءُ الثَّالِثُ هُوَ هَذِهِ الْحَقَائِقُ كُلُّهَا بِكَمَالِهَا فَسَمِّهِ إِنْ شِئْتَ حَقِيقَةَ الْحَقَائِقِ أَوِ الْهَيُولَى أَوِ الْمَادَّةَ الْأُولَى أَوْ جِنْسَ الْأَجْنَاسِ وَسَمِّ الْحَقَائِقَ الَّتِى يَتَضَمَّنُهَا هَذَا الشَّىْءُ الثَّالِثُ الْحَقَائِقَ الْأُوَلَ أَوِ الْأَجْنَاسَ الْعَالِيَةَ فَهَذَا الشَّىْءُ الثَّالِثُ أَزَلًا لَا يُفَارِقُ الْوَاجِبَ الْوُجُودِ مُحَاذِيًا لَهُ مِنْ غَيْرِ وُجُودٍ عَيْنِىٍّ فَانْتَفَتِ الْجِهَاتُ وَالتِّلْقَاءَاتُ حَتَّى لَوْ فَرَضْنَاهُ مَوْجُودًا وَلَمْ نَجْعَلْهُ مُتَمَيِّزًا لَانْتَفَتْ عَنْهُ التِّلْقَاءَاتُ وَالْإِزَاءَاتُ فَتَحَقَّقْ هَذَا الْفَصْلَ وَاعْلَمْهُ
- ¶ 47
فَصْلٌ وَلَمَّا تَكَلَّمْنَا عَلَى أَقْسَامِ الْمَعْدُومَاتِ وَتَبَيَّنَتْ مَرَاتِبُهَا أَرَدْنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ وَأَصْنَافِهَا وَهِىَ عَلَى أَقْسَامٍ مِنْهَا وُجُودٌ مُطْلَقٌ لَا يُعْقَلُ مَاهِيَّتُهُ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَاهِيَّةُ كَمَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَيْفِيَّةُ وَلَا يُعْلَمُ لَهُ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ مِنْ بَابِ الْاِثْبَاتِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَغَايَةُ الْمَعْرِفَةِ بِهِ الْحَاصِلَةِ بِأَيْدِينَا الْيَوْمَ مِنْ صِفَاتِ السَّلْبِ مِثْلُ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ وَسُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ فَعَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِمَوْجُودٍ فَهُنَا مُتَعَلَّقُ الْعِلْمِ نَفْىُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَفْىُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ ثَابِتٌ عِنْدَنَا مَوْجُودٌ
Quotes the Quran 42:11 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 37:180 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 48
فِينَا مَنْسُوبٌ إِلَيْنَا هَذَا قِسْمٌ وَمِنْهَا مَوْجُودٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الْمَادَّةِ وَهِىَ الْعُقُولُ الْمُفَارِقَةُ الرُّوحَانِيَّةُ الْقَابِلَةُ لِلتَّشْكِيلِ وَالتَّصْوِيرِ ذَوَاتُ الرَّقَائِقِ النُّورِيَّةِ وَهِىَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْمَلَائِكَةِ وَهِىَ لَا تَتَحَيَّزُ وَلَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ لِذَاتِهَا وَلَيْسَ لَهَا شَكْلٌ تَخْتَصُّ بِهِ وَلَا صُورَةٌ وَإِنْ كَانَتِ الصُّورَةُ الَّتِى تَظْهَرُ فِيهَا مُتَحَيِّزَةً وَهُوَ سِرٌّ شَرِيفٌ لَطِيفٌ وَبِهَذِهِ النِّسْبَةِ هِىَ الْقُوَى الرُّوحَانِيَّةُ النَّارِيَّةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْجِنِّ غَيْرَ أَنَّهَا تَحْتَ قَهْرِ الطَّبِيعَةِ
- ¶ 49
فَانَّ الْحَرَارَةَ مِنْ صِفَاتِ ذَوَاتِهَا وَالْمَلَائِكَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَمِنْهَا مَوْجُودٌ يَقْبَلُ التَّحَيُّزَ وَالْمَكَانَ وَهِىَ الْأَجْرَامُ وَالْأَجْسَامُ وَالْجَوَاهِرُ الْأَفْرَادُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّينَ وَمِنْهَا مَوْجُودٌ لَا يَقْبَلُ التَّحَيُّزَ بِذَاتِهِ وَلَكِنْ يَقْبَلُهُ بِالتَّبَعِيَّةِ وَلَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ لَكِنْ يَحُلُّ فِى غَيْرِهِ وَهِىَ الْأَعْرَاضُ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَمِنْهَا مَوْجُودَاتُ النِّسَبِ وَهِىَ مَا يَحْدُثُ بَيْنَ هَذِهِ الذَّوَاتِ الَّتِى ذَكَرْنَاهَا وَبَيْنَ الْأَعْرَاضِ كَالْأَيْنِ وَالْكَيْفِ وَالزَّمَانِ وَالْعَدَدِ وَالْمِقْدَارِ وَالِاضَافَةِ وَالْوَضْعِ وَأَنْ يَفْعَلَ وَأَنْ يَنْفَعِلَ
- ¶ 50
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ يَنْقَسِمُ فِى نَفْسِهِ إِلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ لَا يُحْتَاجُ هُنَا إِلَى ذِكْرِهَا فَالْأَيْنُ كَالْمَكَانِ مِثْلَ الْفَوْقِ وَالتَّحْتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَالْكَيْفُ كَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ وَالزَّمَانُ كَالْأَمْسِ وَالْيَوْمِ وَالْغَدِ وَالنَّهَارِ وَاللَّيْلِ وَالسَّاعَةِ وَمَا جَازَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ بِمَتَى وَالْكَمُّ كَالْمَقَادِيرِ وَالْأَوْزَانِ وَتَذْرِيعِ الْمِسَاحَاتِ وَأَوْزَانِ الشِّعْرِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ كَمْ وَالِاضَافَةُ كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْمَالِكِ وَالْوَضْعُ كَاللُّغَاتِ وَالْأَحْكَامِ وَأَنْ يَفْعَلَ كَالذَّبْحِ وَأَنْ يَنْفَعِلَ كَالْمَوْتِ عِنْدَ الذَّبْحِ
- ¶ 51
وَهَذَا أَحْصَرُ الْمَوْجُودَاتِ فَالْمَوْجُودَاتُ كُلُّهَا عَشَرَةٌ جَوَاهِرُ وَأَعْرَاضٌ وَهَذِهِ الثَّمَانِيَةُ الْمَذْكُورَةُ، فِى الْاِنْسَانِ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ تَجْمَعُ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ كُلَّهَا وَهِىَ فِى الْعَالَمِ مُتَفَرِّقَةٌ فَاِذَا نُفِخَ فِى الْاِنْسَانِ رُوحُ الْقُدُسِ الْتَحَقَ بِالْمَوْجُودِ الْمُطْلَقِ الْتِحَاقًا مَعْنَوِيًّا مُقَدَّسًا وَهُوَ حَظُّهُ مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ
- ¶ 52
فَلِهَذَا تَقَرَّرَ عِنْدَنَا أَنَّ الانْسَانَ نُسْخَتَانِ نُسْخَةٌ ظَاهِرَةٌ وَنُسْخَةٌ بَاطِنَةٌ فَالنُّسْخَةُ الظَّاهِرَةُ مُضَاهِيَةٌ لِلْعَالَمِ بِأَسْرِهِ فِيمَا قَدَّرْنَا مِنَ الأَقْسَامِ وَالنُّسْخَةُ البَاطِنَةُ مُضَاهِيَةٌ لِلْحَضْرَةِ الإِلٰهِيَّةِ فَالانْسَانُ هُوَ الكُلِّى عَلَى الاطْلَاقِ وَالحَقِيقَةِ إِنْ هُوَ القَابِلُ لِجَمِيعِ المَوْجُودَاتِ قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا وَمَا سِوَاهُ مِنَ المَوْجُودَاتِ لَا تَقْبَلُ ذَلِكَ فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ العَالَمِ لَا يَقْبَلُ الأُلُوهِيَّةَ وَالإِلٰهُ لَا يَقْبَلُ العُبُودِيَّةَ بَلِ العَالَمُ كُلُّهُ عَبْدٌ وَالحَقُّ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ إِلٰهٌ وَاحِدٌ صَمَدٌ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الاتِّصَافُ بِمَا يُنَاقِضُ الأَوْصَافَ الالٰهِيَّةَ
- ¶ 53
كَمَا لَا يَجُوزُ عَلَى الْعَالَمِ الِاتِّصَافُ بِمَا يُنَاقِضُ الْأَوْصَافَ الْحَادِثَةَ الْعِبَادِيَّةَ وَالْاِنْسَانُ ذُو نِسْبَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ نِسْبَةٍ يَدْخُلُ بِهَا إِلَى الْحَضْرَةِ الْاِلٰهِيَّةِ وَنِسْبَةٍ يَدْخُلُ بِهَا إِلَى الْحَضْرَةِ الْكِيَانِيَّةِ فَيُقَالُ فِيهِ عَبْدٌ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ وَلَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ كَالْعَالَمِ وَيُقَالُ فِيهِ رَبٌّ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ خَلِيفَةٌ
- ¶ 54
وَمِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَمِنْ حَيْثُ أَحْسَنُ تَقْوِيمٍ فَكَأَنَّهُ بَرْزَخٌ بَيْنَ الْعَالَمِ وَالْحَقِّ وَجَامِعٌ لِخَلْقٍ وَحَقٍّ وَهُوَ الْخَطُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْحَضْرَةِ الْاِلٰهِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ كَالْخَطِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ وَهَذِهِ حَقِيقَتُهُ فَلَهُ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ فِى الْحُدُوثِ وَالْقِدَمِ وَالْحَقُّ لَهُ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ فِى الْقِدَمِ وَلَيْسَ لَهُ فِى الْحُدُوثِ مَدْخَلٌ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَالْعَالَمُ لَهُ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ فِى الْحُدُوثِ وَلَيْسَ لَهُ فِى الْقِدَمِ مَدْخَلٌ يَخْسَأُ عَنْ ذَلِكَ فَصَارَ الْاِنْسَانُ جَامِعًا لِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ فَمَا أَشْرَفَهَا مِنْ حَقِيقَةٍ وَمَا أَطْهَرَهُ مِنْ مَوْجُودٍ وَمَا أَخَسَّهَا وَمَا أَدْنَسَهَا فِى الْوُجُودِ إِذْ قَدْ كَانَ مِنْهَا مُحَمَّدٌ وَأَبُو
- ¶ 55
جَهْلٍ وَمُوسَى وَفِرْعَوْنَ فَتَحَقَّقْ أَحْسَنَ تَقْوِيمٍ وَاجْعَلْهُ مَرْكَزَ الطَّائِعِينَ الْمُقَرَّبِينَ وَتَحَقَّقْ أَسْفَلَ سَافِلِينَ وَاجْعَلْهُ مَرْكَزَ الْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ فَسُبْحَانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ وَهَذِهِ دَوَائِرُ مَا قَرَّرْنَاهُ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالتَّشْبِيهِ
Quotes the Quran 42:11 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 42:11 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 56
الدَّائِرَةُ الْبَيْضَاءُ الَّتِى بَيْنَ الْخَطَّيْنِ الْأَسْوَدَيْنِ الْمُحِيطَةُ هِىَ مِثَالُ الْحَضْرَةِ الْاِلٰهِيَّةِ عَلَى التَّنْزِيهِ وَلَمَّا كَانَتْ مُحِيطَةً بِكُلِّ شَىْءٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَٱللّٰهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُحِيطٌ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا وَالدَّائِرَةُ الْبَيْضَاءُ الَّتِى فِى جَوْفِهَا اللَّاصِقَةُ بِهَا الَّتِى يَشُقُّهَا الْخَطُّ الْمُسْتَدِيرُ الْأَصْغَرُ هِىَ دَائِرَةُ الْاِنْسَانِ
Quotes the Quran 65:12 · text of the quotation verified against Tanzil
Alludes to the Quran cf. 41:54; 4:126
- ¶ 57
فَمِنَ الْخَطِّ الْمُسْتَدِيرِ الْأَصْغَرِ إِلَى جِهَةِ الْحَضْرَةِ الْاِلٰهِيَّةِ هُوَ مُضَاهَاةُ الْاِنْسَانِ الْحَضْرَةَ الْاِلٰهِيَّةَ وَمِنَ الْخَطِّ الْأَصْغَرِ إِلَى الدَّائِرَةِ الصُّغْرَى مُضَاهَاةُ الْاِنْسَانِ عَالَمَ الْكَوْنِ وَالْفَصْلُ الَّذِى وَقَعَ فِيهَا عَلَى التَّرْبِيعِ هُوَ لِتَعْدَادِ الْعَوَالِمِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالدَّائِرَةُ الصُّغْرَى الْمُحِيطَةُ بِالْمَرْكَزِ هِىَ دَائِرَةُ الْعَالَمِ الَّذِى الْاِنْسَانُ خَلِيفَةٌ عَلَيْهِ وَتَحْتَ تَسْخِيرِهِ وَالْخُطُوطُ الْأَرْبَعَةُ الْخَارِجَةُ مِنَ الْمَرْكَزِ إِلَى مُحِيطِهَا الْفُصُولُ الَّتِى بَيْنَ الْعَوَالِمِ فَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الْمِثَالَ تَعْثُرْ عَلَى السِّرِّ الَّذِى نَصَبْنَاهُ وَاللَّهُ الْمُرْشِدُ لَا رَبَّ سِوَاهُ
- ¶ 58
بابُ الجَدْوَلِ الهَيُولانِىِّ وَهِىَ الدائِرَةُ المُحِيطَةُ بِالمَوْجُوداتِ عَلَى الاِطْلاقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ وَهِىَ الحاوِيَةُ عَلَى جَمِيعِ الحَقائِقِ المَعْلُومَةِ المَوْجُودَةِ وَالمَعْدُومَةِ وَاللامَعْدُومَةِ وَفِيها الحَياةُ وَالمَعْقُولَةُ الَّتِى هِىَ فِى القَدِيمِ قَدِيمَةٌ وَفِى المُحْدَثِ حادِثَةٌ وَفِيها العِلْمِيَّةُ وَالاِرادِيَّةُ وَهَذا مِثالُ صُورَتِها لَوْ كانَتْ لَها صُورَةٌ وَلَكِنْ لَمّا كانَتْ مَعْقُولَةً مَعْلُومَةً عِنْدَنا قَدَرْنا عَلَى إِبْرازِها فِى المِثالِ وَلَكِنْ مُجْمَلَةً فَتَكُونُ نُقْطَةُ الجَوْهَرِ عِبارَةً عَنْ كُلِّ ذاتٍ قائِمَةٍ بِنَفْسِها قَدِيمَةٍ أَوْ حادِثَةٍ
- ¶ 59
وَيَكُونُ الْعَرَضُ مِنْهَا عِبَارَةً عَنْ كُلِّ ذَاتٍ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا فَيَدْخُلُ تَحْتَهَا أَجْنَاسُ الْأَعْرَاضِ مِنْ كَوْنٍ وَلَوْنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالصِّفَاتُ كَالْعُلُومِ وَالْقُدَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ وَسَائِرُ النِّسَبِ عَلَى حَسَبِ مَا تَرَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِى هَذِهِ الدَّائِرَةِ وَهِىَ هَذِهِ الدَّائِرَةُ الْمَذْكُورَةُ
- ¶ 60
اِعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْجَدْوَلَ الْهَيُولَانِىَّ هُوَ الْحَقِيقَةُ الَّتِى أَوْجَدَ الْحَقُّ مِنْ مَادَّتِهَا الْمَوْجُودَاتِ الْعُلْوِيَّاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ فَهِىَ الْأُمُّ الْجَامِعَةُ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ وَهِىَ مَعْقُولَةٌ فِى الذِّهْنِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِى الْعَيْنِ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ لَهَا صُورَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَهَا لَكِنَّهَا فِى الْمَوْجُودَاتِ حَقِيقَةٌ مِنْ غَيْرِ تَبْعِيضٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ فَوُجُودُهَا عَنْ بُرُوزِ أَعْيَانِ الْمَوْجُودَاتِ قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا وَلَوْلَا أَعْيَانُ الْمَوْجُودَاتِ مَا عَقَلْنَاهَا وَلَوْلَاهَا مَا عَقَلْنَا حَقَائِقَ الْمَوْجُودَاتِ فَوُجُودُهَا مَوْقُوفٌ عَلَى وُجُودِ الْأَشْخَاصِ وَالْعِلْمُ بِالْأَشْخَاصِ تَفْصِيلًا مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا إِذْ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَوْجُودَاتِ
- ¶ 61
وَقَالَ مَثَلًا أَنَّ الْجَمَادَ وَالْمَلَكَ وَالْقَدِيمَ شَىْءٌ وَاحِدٌ إِذْ لَا يَعْرِفُ الْحَقَائِقَ وَلَا بِمَاذَا تَتَمَيَّزُ الْمَوْجُودَاتُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَهِىَ مُتَقَدِّمَةٌ فِى الْعِلْمِ ظَاهِرَةٌ فِى الْمَوْجُودَاتِ فَاِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا تَأَخُّرٌ فَلِتَأَخُّرِ الْوُجُودِ الشَّخْصِىِّ لَا لِعَيْنِهَا فَهِىَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهَا كُلِّيَّةٌ مَعْقُولَةٌ لَا تَتَّصِفُ بِالْوُجُودِ وَلَا بِالْعَدَمِ وَهِىَ الْمَادَّةُ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ فَقَدْ ظَهَرَتْ بِكَمَالِهَا بِظُهُورِ الْمَوْجُودَاتِ وَمَا بَقِىَ شَىْءٌ يُوجَدُ بَعْدُ
- ¶ 62
وَلِهَذَا قَالَ الاِمَامُ وَلَيْسَ فِى الاِمْكَانِ أَبْدَعُ مِنْ هَذَا العَالَمِ إِذْ لَوْ كَانَ وَادَّخَرَهُ لَكَانَ بُخْلًا يُنَاقِضُ الجُودَ وَعَجْزًا يُنَافِى القُدْرَةَ وَوَصْفُ البَارِى بِهَذَا مُحَالٌ فَالَّذِى يُفْضِى إِلَيْهِ مُحَالٌ فَلَوْ وُجِدَ إِلَى هَذَا العَالَمِ عَوَالِمُ إِلَى أَبَدٍ لَا يَتَنَاهَى لَكَانَتْ مُثُلًا لِهَذَا العَالَمِ وَأَمَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً لَيْسَتْ فِى هَذَا العَالَمِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ
- ¶ 63
وَاِذَا لَمْ تَصِحَّ زِيَادَةُ حَقِيقَةٍ فَمَا فِى الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِنْهُ وَقَدْ تَقَرَّرَ هَذَا فِى أَوَّلِ الْكِتَابِ بَابُ جَدْوَلِ الْحَضْرَةِ الْاِلٰهِيَّةِ مِنْ جِهَةِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى عَلَى مَا وَرَدَ فِى الشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ لَا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْاِسْتِقْصَاءُ وَالْحَصْرُ وَهَذِهِ صُورَتُهُ
- ¶ 64
اِعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ أَنَّ الْعَالِمِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى مَا عَلِمُوا مِنْهُ إِلَّا وُجُودَهُ وَكَوْنَهُ قَادِرًا عَالِمًا مُتَكَلِّمًا مُرِيدًا حَيًّا قَيُّومًا سَمِيعًا بَصِيرًا وَمَا عَرَفُوا سِوَى نَفْسِ الْوُجُودِ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْمُحْدَثَاتِ لِصِفَةٍ هُوَ فِى نَفْسِهِ عَلَيْهَا يُعْقَلُ وُجُودُهَا وَلَا تُعْرَفُ الْعِبَارَةُ عَنْهَا
- ¶ 65
وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ سُبْحَانَهُ مَا هُوَ إِذْ لَا مَاهِيَّةَ لَهُ وَلَا كَيْفَ هُوَ إِذْ لَا كَيْفِيَّةَ لَهُ وَعَلَى التَّحْقِيقِ مَا تَعَلَّقَ عِلْمُ الْعَالِمِينَ بِهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا تَلْوِيحًا مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ، إِنْ حَقَّقْتَ النَّظَرَ حَتَّى تَقَعَ الرُّؤْيَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ قَدَّرَهَا تَعَالَى بِمَزِيدِ الْكَشْفِ وَالْوُضُوحِ
- ¶ 66
فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ قُلْنَا عَرَفْنَا اللَّهَ وَمِنْ جِهَةِ الحَقِيقَةِ كَعِلْمِنَا بِأَنَّ الجَوْهَرَ هُوَ الَّذِى لَا يَنْقَسِمُ المُتَحَيِّزُ القَابِلُ لِلْأَعْرَاضِ قُلْنَا لَمْ نَعْرِفْ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الفِكْرَةُ فِى اللَّهِ تَعَالَى إِذْ لَا يُعْقَلُ لَهُ حَقِيقَةٌ فَنَخَافُ عَلَى المُفَكِّرِ فِى ذَاتِهِ مِنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ فَاِنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ وَلَا يَنْحَصِرُ وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَدِّ وَالوَصْفِ وَإِنَّمَا الفِكْرَةُ فِى أَفْعَالِهِ وَ مَخْلُوقَاتِهِ وَهَذِهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى الَّتِى سَمَّى بِهَا نَفْسَهُ تَوْصِيلًا إِلَيْهَا فِى كِتَابِهِ العَزِيزِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الصَّادِقِ فَمِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ تَعَالَى
Alludes to the Quran 47:19; 37:35
- ¶ 67
وَقَدْ يَدُلُّ مَعَ ذَلِكَ عَلَى صِفَاتِهِ أَوْ أَفْعَالِهِ أَوْ عَلَيْهِمَا مَعًا وَلَكِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الذَّاتِ أَظْهَرُ فَمَا كَانَ مِنَ الأَسْمَاءِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ جَعَلْنَاهُ مِنْ أَسْمَاءِ الذَّاتِ وَإِنْ كَانَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ الصِّفَاتِ أَوِ الأَفْعَالِ أَوْ عَلَيْهِمَا مَعًا وَهَكَذَا فَعَلْنَا فِى أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ وَفِى أَسْمَاءِ الأَفْعَالِ مِنْ جِهَةِ الأَظْهَرِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا مَدْخَلٌ فِى غَيْرِ جَدْوَلِهَا الَّذِى جَعَلْنَاهُ لَهَا كَالرَّبِّ مَثَلًا
- ¶ 68
فَاِنَّ مَعْنَاهُ الثَّابِتُ فَهُوَ لِلذَّاتِ وَمَعْنَاهُ المُصْلِحُ فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَالِكِ فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ الَّتِى جَعَلْنَاهَا فِى هَذَا الْجَدْوَلِ مَا قَصَدْنَا بِهَا حَصْرَ الْأَسْمَاءِ وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ غَيْرُهَا وَإِنَّمَا سُقْنَاهَا بِهَذَا التَّرْتِيبِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَمَتَى رَأَيْتَ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى فَالحَقْهُ بِالْأَظْهَرِ فِيهِ وَاكْتُبْهُ فِى جَدْوَلِهِ إِذِ الْأَسْمَاءُ كَثِيرَةٌ جِدًّا مِنْ طَرِيقِ الِاخْتِلَافِ الَّذِى حَصَلَ فِيهَا وَإِنَّمَا جَعَلْنَا هَذَا فَتْحَ بَابٍ لَكَ إِلَى مَا يَصِحُّ عِنْدَكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَفَائِدَةُ هَذَا الْجَدْوَلِ الَّذِى وَضَعْنَاهُ لَهَا أَنْ
- ¶ 69
يَتَخَلَّقُ الْعَبْدُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْهَا حَقَائِقُ يَدَّعِى بِهَا وَيُنْسَبُ إِلَيْهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ثُمَّ وَصَفَ لَنَا مِنْ خَلْقِهِ عَمَّ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ فَاِذَا عَرَفْتَ مَا أَرَدْنَاهُ بِهَذَا الْجَدْوَلِ وَرَتَّبْنَاهُ عَلِمْتَ الْمُتَخَلِّقَ بِهِ إِذَا رَأَيْتَ عَلَيْهِ فِى وَقْتٍ مَّا اسْمًا مِنَ الْأَسْمَاءِ نَسَبْتَهُ إِلَى ذَلِكَ الِاسْمِ وَإِلَى تِلْكَ الْحَضْرَةِ فِى ذَلِكَ الْوَقْتِ فَتَقُولُ فُلَانٌ الْآنَ فِى حَضْرَةِ الْأَفْعَالِ إِنْ كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ أَوْ فِى حَضْرَةِ الصِّفَةِ الْفُلَانِيَّةِ أَوْ فِى حَضْرَةِ الذَّاتِ كَيْفَ شِئْتَ عَلَى حَسَبِ حَضْرَةِ ذَلِكَ
Quotes the Quran 68:4 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 9:128 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 70
الِاسْمُ فَإِنْ كَانَ الِاسْمُ فِيهِ مَعَانِى الْحَضَرَاتِ الثَّلٰثِ فَتَنْظُرُ إِلَى مَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِى فَتَنْسُبُهُ إِلَيْهِ وَتُلْحِقُهُ بِتِلْكَ الْحَضْرَةِ فِى الْحَالِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمَقَامِ فَوْقَهَا وَلَكِنْ تَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ فِى الْحَالِ غَيْرَ أَنَّ الْمُكَمَّلَ مِنَّا لَا يَحْجُبُهُ ذَلِكَ فِى حَقِّ هَذَا الشَّخْصِ إِذَا كَانَ أَعْلَى مِنْ حَالِهِ فَاِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا مَنْ يَنْزِلُ ذَلِكَ الِاسْمَ عَلَى مَا يُعْطِيهِ الْوَقْتُ مِمَّنْ سُلْطَانُهُ ذَلِكَ الِاسْمُ وَحَاكِمٌ عَلَيْهِ وَبِهَذَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا الْكَامِلُ مِنَّا
- ¶ 71
وَمَنْ دُونَ هَذَا إِنَّمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِى الْحَالِ بِذَلِكَ الِاسْمِ لَا يَعْرِفُ غَيْرَ ذَلِكَ فَهَذَا فَائِدَةُ هَذَا الْجَدْوَلِ وَبَدَأْنَا بِهِ فِى الْمَوْجُودَاتِ إِذْ هُوَ الْأَوَّلُ الَّذِى لَا أَوَّلِيَّةَ لَهُ وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَعْدُومَةٌ وَلِهَذَا جَعَلْنَاهُ عَلَى أَثَرِ الشَّكْلِ الْهَيُولَانِىِّ وَمَعَهُ لِمَا كَانَ مُقَارِنًا لَهَا فِى الْأَزَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا وُجُودٌ فِى عَيْنِهَا لَكِنَّهَا مَعْلُومَةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُهَا حَقِيقَةً مِنْ حَقَائِقِهَا فَهُوَ يَعْلَمُهَا بِهَا لَا بِغَيْرِهَا إِذْ هِىَ الشَّامِلَةُ لِلْكُلِّ
- ¶ 72
وَكَانَ الْحَقُّ أَزَلًا لَهَا ظَاهِرًا وَهِىَ لَهُ بَاطِنٌ إِذْ هِىَ صِفَةُ الْعِلْمِ وَلَيْسَ الْعِلْمُ بِشَىْءٍ غَيْرِهَا وَلَا هِىَ الْعَالَمُ فَإِنَّ الْعَالَمَ مِنْهَا مِنْ بَابِ الْعَالَمِيَّةِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ لَكِنَّهَا ظَهَرَتْ فِيهِ مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا جَعَلْنَا وُجُودَ الْحَقِّ يُقَابِلُ مَا يَأْتِى بَعْدَ هَذَا مِنْ أَكْثَرِ عَوَالِمَ وَجَدَاوِلِهَا وَسُقْنَاهُ بِالْأَسْمَاءِ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ الْأَفْعَالِ إِلَيْهَا وَلِأَنَّ الذَّاتَ لَا سَبِيلَ إِلَى تَصْوِيرِهَا فِى الذِّهْنِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ فِى النَّفْسِ أَمْرٌ يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ فَلْيَكُنِ الْأَسْمَاءَ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذِكْرِهَا
- ¶ 73
فَهَذَا الْجَدْوَلُ مِنْ بَابِ الْجَوْهَرِ الْمَذْكُورِ فِى الْهَيُولَى لَا مِنْ غَيْرِهِ إِذِ الْجَوْهَرُ عِبَارَةٌ عَنِ الْأَصْلِ وَأَصْلُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وُجُودُ الْحَقِّ تَعَالَى إِذْ لَوْلَمْ يَكُنْ هَذَا الْأَصْلُ الْاِلٰهِىُّ مَوْجُودًا وَهَذِهِ الْمَادَّةُ الْهَيُولَانِيَّةُ مَعْقُولَةً لَمَا صَحَّ هَذَا الْفَرْعُ الْمُحْدَثُ الْكَائِنُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَلَمَا تُصُوِّرَ فَتَحَقَّقْ تَرْشُدْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ
- ¶ 74
بَابَ سَبَبِ بَدْءِ الْعَالَمِ وَنَشْئِهِ اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ وَسَدَّدَكَ أَنَّهُ لَمَّا نَظَرْنَا الْعَالَمَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَعَرَفْنَا حَقِيقَتَهُ وَمَوْرِدَهُ وَمَصْدَرَهُ وَنَظَرْنَا مَا ظَهَرَ فِيهِ مِنَ الْحَضْرَةِ الْاِلٰهِيَّةِ بَعْدَ مَا فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا فَوَجَدْنَا الذَّاتَ الْاِلٰهِيَّةَ مُنَزَّهَةً عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا بِعَالَمِ الْكَوْنِ وَالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ مُنَاسَبَةٌ أَوْ تَعَلُّقٌ بِنَوْعٍ مَّا مِنَ الْأَنْوَاعِ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تَأْبَى ذَلِكَ فَنَظَرْنَا مَا الْحَاكِمُ الْمُؤَثِّرُ فِى هَذَا الْعَالَمِ فَوَجَدْنَا الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى ظَهَرَتْ فِى الْعَالَمِ كُلِّهِ ظُهُورًا لَا خَفَاءَ بِهِ كُلِّيًّا وَحَصَلَتْ فِيهِ بِآثَارِهَا وَأَحْكَامِهَا لَا بِذَوَاتِهَا لَكِنْ بِأَمْثَالِهَا لَا بِحَقَائِقِهَا لَكِنْ بِرَقَائِقِهَا فَأَبْقَيْنَا الذَّاتَ الْمُقَدَّسَةَ عَلَى
- ¶ 75
تَقْدِيسَهَا وَتَنْزِيهَهَا وَنَظَرْنَا إِلَى الْأَسْمَاءِ فَوَجَدْنَاهَا كَثِيرَةً فَقُلْنَا الْكَثْرَةُ جَمْعٌ وَلَا بُدَّ مِنْ أَئِمَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ فِى هَذِهِ الْكَثْرَةِ فَلْتَكُنِ الْأَئِمَّةُ هِىَ الْمُسَلَّطَةَ عَلَى الْعَالَمِينَ وَمَا بَقِىَ مِنْ عَدَدِ الْأَسْمَاءِ إِذِ الْأَئِمَّةُ الْجَامِعُونَ لِحَقَائِقِهَا فَالْامَامُ الْمُقَدَّمُ الْجَامِعُ اسْمُهُ اللَّهُ فَهُوَ الْجَامِعُ لِمَعَانِى الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا وَهُوَ دَلِيلُ الذَّاتِ فَنَزَّهْنَاهُ كَمَا نَزَّهْنَا الذَّاتَ وَأَيْضًا فَانَّهُ مِنْ حَيْثُ مَا وُضِعَ جَامِعُ الْأَسْمَاءِ
- ¶ 76
فَاِنْ أَخَذْنَاهُ لِكَوْنٍ مَّا مِنَ الْأَكْوَانِ مَا نَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ مَا وُضِعَ وَإِنَّمَا نَأْخُذُهُ مِنْ جِهَةِ حَقِيقَةٍ مَّا مِنْ حَقَائِقِهِ الَّتِى هُوَ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهَا وَلِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ اسْمٌ يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ فَلْنَأْخُذْهَا مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الِاسْمِ الَّذِى لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهَا وَنُبْرِزِ الْكَوْنَ مِنْهَا وَنَتْرُكِ اسْمَهُ اللَّهَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ مِنَ التَّقْدِيسِ
- ¶ 77
فَاِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَخَرَجَ الِاسْمُ الْجَامِعُ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالْكَوْنِ وَبَقِىَ عَلَى مَرْتَبَتِهِ حَتَّى لَا تَبْقَى حَقِيقَةٌ إِلَّا بَرَزَتْ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ سُلْطَانُ ذَاتِهِ كُلِّيًّا فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ جُمْلَةِ حَقَائِقِهِ وَنَقُولُ أَنَّ أَئِمَّةَ الْأَسْمَاءِ كُلَّهَا عَقْلًا وَشَرْعًا سَبْعَةٌ لَيْسَ غَيْرَهَا وَمَا بَقِىَ مِنَ الْأَسْمَاءِ فَتَبَعٌ لِهَؤُلَاءِ وَهِىَ الْحَىُّ الْعَلِيمُ الْمُرِيدُ الْقَائِلُ الْقَادِرُ الْجَوَادُ الْمُقْسِطُ فَالْحَىُّ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ وَمُقَدَّمُهُمْ وَالْمُقْسِطُ آخِرُ الْأَئِمَّةِ وَالْقَائِلُ أَدْخَلَهُ الشَّرْعُ فِى الْأَئِمَّةِ خَاصَّةً وَقَبِلَهُ الْمَقَامُ وَسُرَّ بِهِ وَمَا بَقِىَ فَالرُّوحُ الْعَقْلِىُّ اقْتَضَاهُ إِمَامًا وَانْفَرَدَ الرُّوحُ الْقُدُسِىُّ بِالْقَائِلِ خَاصَّةً وَلَهُ مَدْخَلٌ فِى الْمُقْسِطِ مِنْ جِهَةٍ مَّا
- ¶ 78
وَفِى اسْمِهِ الْجَوَادِ لَا غَيْرُ فَاسْمُهُ الْجَوَادُ يَعُمُّ كُلَّ اسْمٍ رَحْمَانِىٍّ يُعْطِى سُرًّا وَنِعْمَةً فَهُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَى هٰذَا الْقَبِيلِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالْمُقْسِطُ يَعُمُّ كُلَّ اسْمٍ غَضَبِىٍّ يُعْطِى ضُرًّا وَنِقْمَةً وَهُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَى هٰذَا الْقَبِيلِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَلَيْسَ فِى الْعَالَمِ إِلَّا هٰؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَهٰذَانِ الْقَبِيلَانِ مِنَ الْأَسْمَاءِ لَا غَيْرُ وَلَوْلَا ظُهُورُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَا احْتَجْنَا إِلَى الِاسْمِ الْمُقْسِطِ احْتِيَاجًا ضَرُورِيًّا فَالْعِقَابُ وَالْوَعِيدُ اضْطَرَّنَا إِلَى إِمَامَةِ الِاسْمِ الْمُقْسِطِ
- ¶ 79
وَلَيْسَ إِيلَامُ الْبَهَائِمِ وَمَا فِى ضِمْنِ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ اسْمِهِ الْمُقْسِطِ وَلَكِنْ مِنْ حُكْمِ اسْمِهِ الْمُرِيدِ وَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُقَدَّمِينَ فَتَحَقَّقِ الشَّكْلَ إِذَا رَسَمْنَاهُ لَكَ لِيَثْبُتَ فِى خَيَالِكَ فَانِّى سَأُقِيمُ لَكَ دَائِرَةَ الْعَالَمِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى شَرِيعَةٍ وَمَا يَحْكُمُ فِيهِ مِنْ هٰؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَسَأُقِيمُ لَكَ دَائِرَةَ السَّعَادَةِ مِنَ الْعَالَمِ وَدَائِرَةَ الشَّقَاوَةِ وَمَا يَحْكُمُ فِيهِ مِنْ هٰؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فَانْظُرِ امْتِدَادَ الرَّقَائِقِ مِنْ حَضَرَاتِ الْأَئِمَّةِ إِلَى الْعَالَمِ وَمَرَاتِبَ الْأَئِمَّةِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى وَسَأُقِيمُ لَكَ الْقَبِيلَيْنِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بَيْنَ دَوَائِرِ الْعَالَمِ وَحَضَرَاتِ الْأَئِمَّةِ وَأَجْعَلُ لَهُمْ ثَلٰثَ دَوَائِرَ دَائِرَةٌ تَضُمُّ الْقَبِيلَيْنِ فِى
- ¶ 80
مُقَابَلَةِ دَائِرَةِ الْعَالَمِ الْكُبْرَى الْمُطْلَقَةِ وَدَائِرَتَانِ فِى مُقَابَلَةِ عَالَمِ السَّعَادَةِ وَعَالَمِ الشَّقَاوَةِ وَبِتَمَيُّزِ الْقَبِيلَيْنِ فَانْظُرْهَا وَتَحَقَّقْهَا حَتَّى تُحَصِّلَهَا فِى خَيَالِكَ وَسَأَجْعَلُ الرَّقَائِقَ مِنَ الْأَئِمَّةِ تَمْتَدُّ إِلَى سَدَنَةٍ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَمِنَ السَّدَنَةِ إِلَى الْعَوَالِمِ وَقَدْ تَمْتَدُّ الرَّقِيقَةُ مِنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ إِلَى بَعْضٍ وَحِينَئِذٍ تَنْزِلُ وَتَتَّصِلُ بِالْعَالَمِ لِوُقُوفِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ عَلَى بَعْضٍ وَاكْتُبْ عَلَى الرَّقَائِقِ إِثْرَهَا حَتَّى تَعْقِلَ فَأَلْقِ بَالَكَ وَاشْحُذْ فُؤَادَكَ وَاشْكُرِ اللَّهَ الَّذِى سَخَّرَنِى لَكَ حَتَّى عَلِمْتَ مِنَ الْوُجُودِ مَا غَابَ عَنْهُ أَكْثَرُ الْخَلْقِ بِأَقْرَبِ مُحَاوَلَةٍ وَأَصَحِّ مِثَالٍ وَذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَمَنِّهِ هَذِهِ صُورَةُ الدَّائِرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ
- ¶ 81
اعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْكَشْفِ مَا هُوَ عَقْلِىٌّ وَهُوَ مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ بِجَوْهَرِهِ الْمُطْلَقِ عَنْ قُيُودِ الْفِكْرِ وَالْمِزَاجِ وَمِنْهُ مَا هُوَ نَفْسَانِىٌّ وَهُوَ مَا يَرْتَسِمُ فِى النُّفُوسِ الْخَيَالِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ عَنْ قُيُودِهِ الْمِزَاجِيَّةِ بِأَزْمَانِ الرِّيَاضَاتِ وَالْمُجَاهَدَاتِ بَعْدَ كَشْفِ حُجُبِ الْمُبَايَنَاتِ وَالْمُمَايَزَاتِ وَمِنْهُ مَا هُوَ رُوحَانِىٌّ وَذَلِكَ بَعْدَ كَشْفِ الْحُجُبِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّفْسَانِيَّةِ وَمُطَالَعَةِ مَطَالِعِ الْأَنْفَاسِ الرَّحْمَانِيَّةِ
- ¶ 82
وَمِنْهُ مَا هُوَ رَبَّانِىٌّ وَذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّجَلِّى إِمَّا بِالتَّنَزُّلِ أَوْ بِالْعُرُوجِ أَوْ بِمُنَازَلَاتِ أَسْرَارٍ وَهَذَا النَّوْعُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْحَضَرَاتِ الْأَسْمَائِيَّةِ فَانَّ لِلْحَقِّ تَجَلِّيَاتٍ مِنْ كُلِّ حَضْرَةٍ مِنَ الْحَضَرَاتِ الْأَسْمَائِيَّةِ وَأَعْلَاهَا هُوَ التَّجَلِّى الْإِلٰهِىُّ الْجَمْعِىُّ الْأَحَدِىُّ يُعْطِى الْمُكَاشَفَاتِ الْكُلِّيَّةَ وَفَوْقَهَا التَّجَلِّى الذَّاتِىُّ الَّذِى يُعْطِى الْكَشْفَ بِحَقِيقَةِ الْحَقَائِقِ وَبِمَرَاتِبِهَا وَبِحَقِيقَةِ النَّفَسِ وَالْعَمَاءِ وَبِالْحَقِيقَةِ الْاِلٰهِيَّةِ وَبِحَقِيقَةِ الطَّبِيعَةِ الْكُلِّيَّةِ وَقَوْلُهُ وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ بَعْضِ قُوَى تِلْكَ الصُّورَةِ أَىِ الْمَلَائِكَةُ هِىَ أَرْوَاحُ الْقُوَى الْقَائِمَةِ بِالصُّورَةِ الْحِسِّيَّةِ وَالْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مَلَائِكَةً لِكَوْنِهَا رَوَابِطَ مُوَصِّلَاتٍ تَرْبِطُ الْأَحْكَامَ الرَّبَّانِيَّةَ وَالْآثَارَ الْاِلٰهِيَّةَ بِالْعَوَالِمِ الْجِسْمَانِيَّاتِ
- ¶ 83
فَإِنَّ المَلَكَ بِاللُّغَةِ هُوَ القُوَّةُ وَالشِّدَّةُ فَلَمَّا قوِيَتْ هَذِهِ الأَرْوَاحُ بِالأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ وَقَوِيَتِ الآثَارُ الالٰهِيَّةُ بِهَا عَلَى إِيقَاعِ أَحْكَامِهَا وَإِيصَالِ أَنْوَارِهَا سُمِّيَتْ مَلَائِكَةً وَهُمْ يَنْقَسِمُونَ إِلَى عُلْوِىٍّ رُوحِىٍّ وَسُفْلِىٍّ طَبِيعِىٍّ عُنْصُرِىٍّ وَمِثَالِىٍّ نُورَانِىٍّ فَمِنْهُمُ المُهيَّمُونَ وَمِنْهُمُ المُسَخَّرُونَ وَمِنْهُمُ المُوَلَّدَةُ مِنَ الأَعْمَالِ وَالأَقْوَالِ وَالأَنْفَاسِ، ظُهُورُ الحَقِّ فِى العَالَمِ الرُّوحَانِىِّ لَيْسَ كَظُهُورِهِ فِى العَالَمِ الطَّبِيعِىِّ فَانَّهُ فِى الأَوَّلِ بَسِيطٌ نُورَانِىٌّ نَزِيهٌ فِعْلِىٌّ وَحْدَانِىٌّ وَفِى الثَّانِى مُرَكَّبٌ ظُلْمَانِىٌّ انْفِعَالِىٌّ، قِيلَ الْتَقَى آدَمُ اِبْلِيسَ بَعْدَ الخَطِيئَةِ فَقَالَ يَا شَقِىُّ وَسْوَسْتَ إِلَىَّ وَفَعَلْتُ فَقَالَ يَا آدَمُ هَبْ أَنِّى كُنْتُ إِبْلِيسَكَ
- ¶ 84
فَمَنْ كَانَ إِبْلِيسِىَّ الشَّكْلِ مُقَيَّدٌ بِشَكْلِهِ وَالْفَرْعُ مُنْتَشِرٌ عَنْ أَصْلِهِ اعْلَمْ أَنَّ سَبَبَ نَشْءِ الْعَالَمِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ الْكَشْفُ الْمِثَالِىُّ وَالْحُكْمُ الْاِلٰهِىُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِى كِتَابِ عَنْقَاءِ مُغْرِبٍ فِى بَابِ مُحَاضَرَةٍ أَزَلِيَّةٍ عَلَى نَشْأَةٍ أَبَدِيَّةٍ وَسَأَذْكُرُ مِنْهُ فِى هَذَا الْكِتَابِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِى هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَلِكَ أَنَّ السَّدَنَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَمَّا كَانَتْ بِأَيْدِيهِمْ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا سَمٰوَاتِ وَلَا أَرْضَ بَقِىَ كُلُّ سَادِنٍ بِمِقْلَادِهِ لَا يَجِدُ مَا يَفْتَحُ فَقَالُوا يَا لَلْعَجَبِ خُزَّانٌ بِمَفَاتِيحِ مَخَازِنَ لَا تَعْرِفُ مَخْزَنًا مَوْجُودًا فَمَا نَصْنَعُ بِهَذِهِ الْمَقَالِيدِ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَقَالُوا لَا بُدَّ
Quotes the Quran 39:63 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 85
لَنَا مِنْ أَئِمَّتِنَا السَّبْعَةِ الَّذِينَ أَعْطَوْنَا هَذِهِ الْمَقَالِيدَ وَلَمْ يُعَرِّفُونَا الْمَخَازِنَ الَّتِى نَكُونُ عَلَيْهَا فَقَامُوا عَلَى أَبْوَابِ الْأَئِمَّةِ عَلَى بَابِ الْاِمَامِ الْمُخَصِّصِ وَالْاِمَامِ الْمُنْعِمِ وَالْاِمَامِ الْمُقْسِطِ فَأَخْبَرُوهُمُ الْأَمْرَ فَقَالُوا صَدَقْتُمُ الْخَبَرَ عِنْدَنَا وَسَنُعَيِّنُهَا لَكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنْ تَعَالَوْا نَصِلْ إِلَى مَنْ بَقِىَ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَنَجْتَمِعْ عَلَى بَابِ حَضْرَةِ الْاِمَامِ الْاِلٰهِىِّ إِمَامِ الْأَئِمَّةِ فَاجْتَمَعَ الْكُلُّ وَهُمْ بِالْاِضَافَةِ إِلَى الْاِمَامِ الْمَعْرُوفِ بِاللَّهِ سَدَنَةٌ فَوَقَفَ الْجَمِيعُ بِبَابِهِ فَبَرَزَ لَهُمْ
- ¶ 86
وَقَالَ مَا الَّذِى جَاءَ بِكُمْ فَذَكَرُوا لَهُ الْأَمْرَ وَأَنَّهُمْ طَالِبُونَ وُجُودَ السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى يَضَعُوا كُلَّ مِقْلَادٍ عَلَى بَابِهِ فَقَالَ أَيْنَ الاِمَامُ الْمُخَصِّصُ فَبَادَرَ إِلَيْهِ الْمُرِيدُ فَقَالَ لَهُ أَلَيْسَ الْخَبَرُ عِنْدَكَ وَعِنْدَ الْعَلِيمِ فَقَالَ لَهُ نَعَمْ قَالَ فَإِنْ كَانَ فَأَرِحْ هٰؤُلَاءِ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ تَعَلُّقِ الْخَاطِرِ وَشُغْلِ الْبَالِ فَقَالَ الْعَلِيمُ وَالْمُرِيدُ أَيُّهَا الاِمَامُ الْأَكْمَلُ قُلْ لِلاِمَامِ الْقَادِرِ يُسَاعِدْنَا وَالْقَائِلِ فَاِنَّهُ لَا نَقُومُ بِهِ بِأَنْفُسِنَا إِلَّا أَرْبَعَتُنَا فَنَادَى اللَّهُ تَعَالَى الْقَادِرَ وَالْقَائِلَ
- ¶ 87
وَقَالَ لَهُمَا أَعِينَا أَخَوَيْكُمَا فِيمَا هُمَا بِسَبِيلِهِ فَقَالَا نَعَمْ فَدَخَلَا حَضْرَةَ الْجَوَادِ فَقَالَا لِلْجَوَادِ عَزَمْنَا عَلَى إِيجَادِ الْأَكْوَانِ وَعَالَمِ الْحَدَثَانِ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَهَذَا مِنْ حَضْرَتِكَ حَضْرَةِ الْجُودِ فَادْفَعْ لَنَا مِنَ الْجُودِ مَا نُبْرِزُهُمْ بِهِ فَدَفَعَ لَهُمُ الْجُودَ الْمُطْلَقَ فَخَرَجُوا بِهِ مِنْ عِنْدِهِ وَتَعَلَّقُوا بِالْعَالَمِ فَأَبْرَزُوهُ عَلَى غَايَةِ الِاحْكَامِ وَالِاتْقَانِ فَلَمْ يَبْقَ فِى الِامْكَانِ أَبْدَعُ مِنْهُ فَانَّهُ صَدَرَ عَنِ الْجُودِ الْمُطْلَقِ
- ¶ 88
وَلَوْ بَقِىَ أَبْدَعُ مِنْهُ لَكَانَ الْجَوَادُ قَدْ بَخِلَ بِمَا لَمْ يُعْطِ وَأَبْقَاهُ عِنْدَهُ مِنَ الْكَمَالِ وَلَمْ يَصِحَّ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ اسْمِ الْجَوَادِ وَفِيهِ شَىْءٌ مِنَ الْبُخْلِ فَلَيْسَ اسْمُ الْجَوَادِ عَلَيْهِ فِيمَا أَعْطَى بِأَوْلَى مِنِ اسْمِ الْبَخِيلِ عَلَيْهِ فِيمَا أَمْسَكَ وَبَطَلَتِ الْحَقَائِقُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اسْمَ الْبَخِيلِ عَلَيْهِ مُحَالٌ فَكَوْنُهُ إِنْ أَبْقَى عِنْدَهُ مَا هُوَ أَكْمَلُ مُحَالٌ
- ¶ 89
وَهَذَا أَصْلُ نَشْءِ الْعَالَمِ وَسَبَبُهُ وَمَا ظَهَرَ الْاِمَامُ الْمُقْسِطُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الشَّرَائِعِ فَتَأَهَّبَتِ الْأَسْمَاءُ بِمَقَالِيدِهَا وَعَلِمَتْ حَقِيقَةَ مَا كَانَ عِنْدَهَا وَمَا هِىَ عَلَيْهِ بِوُجُودِ الْأَكْوَانِ فَتَحَقَّقْ هَذَا الْفَصْلَ الْمُخْتَصَرَ الْعَجِيبَ فَإِنَّهُ نَافِعٌ فِى هَذَا الْبَابِ اللَّهُ الْمُرْشِدُ لِلصَّوَابِ تَمَّ الْكِتَابُ
Translations, word glosses and term notes are AI-generated (Claude) and marked as such; no published translation is reproduced.Word analysis is automatic (CAMeL Tools), guided by the text's vowelling. How this text was established.