Abū Yaʿqūb Isḥāq b. Aḥmad al-Sijistānī · Kitāb al-Maqālīd al-malakūtiyya
The Keys of the Kingdom: the keys of negation
المقاليد الملكوتية: مقاليد النفي
About the vowels: added by AI; uncertain words are underlined
The source of this text, a printed edition or a manuscript, has few or no vowel marks, as is usual for such texts. The vowels shown were added by AI and checked against an independent grammatical analyser; the few words where the two disagree are underlined as uncertain. Choose “Unvowelled” under Aa to read the letters alone.
Key IX: God is not a substance
¶ 0:،.،،.:،،،،،،.--،.:،،.،The Ninth Key: That God is not a substance. He whose intellect has rusted is close to having his sight go blind, and the paths of knowledge grow dark for him. He then cannot tell the true from the false, right guidance from error, or light from darkness. So it was with the ignorant among the philosophers, who supposed that the Originator of the two worlds and all that is in them is a substance. They forgot the mark by which they themselves had characterised substance when they said: 'Substance is what subsists by itself, is one in number, and bears differences within itself.' Thus a substance varies at one time by blackness, at another by whiteness, at another by heat, and at another by cold. These ignorant ones have three options. They may affirm a difference that the Originator of the two worlds receives in His essence, so that its corruptness becomes plain to them, and God is exalted above being a locus of differences. Or they may admit their error in the definition of substance. Or they may declare the Originator of the two worlds beyond substantiality. Exalted is God above what they describe! And it is said to them: substances are bounded by one another, independent of one another, and receptive from one another. Whichever of these they assert of the Originator of the two worlds, a manifest contradiction binds them,
AI- ¶ 1،.:،:--.،..،،،،،،؟،.،..
…and that is a hideous absurdity, of the kind from which anyone possessed of judgement and discernment recoils. For if they say that the substance of the Maker is limited in relation to creation, in the way that natural substances and spiritual substances are limited in relation to one another, they are bound to say that the Maker (holy is He beyond that!) is limited in His essence. For whatever has an end at any one of its sides is limited on all its other sides; and what is limited in essence is limited in power and capability. Now if the capability of the Originator (majestic is His praise) were limited, as the capability of His creation is limited, how could He have originated the two worlds, not from anything, by a limited capability, when a limited capability does not have it in its power to invent a single mote, not from a root and element? Hence His capability is unlimited, since He invented the two worlds with all that is in them, not from anything. And since His capability is unlimited, to impose limitation upon His essence is absurd and impossible. And since limitation is impossible for Him, substantiality is impossible in Him, by what we have shown: that substances are limited in relation to one another.
AI - ¶ 2
وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْبَارِي، جَلَّ جَلَالُهُ، يَسْتَعِينُ فِي اخْتِرَاعِ الْأَشْيَاءِ بِجَوْهَرٍ آخَرَ، دَخَلَ الضَّعْفُ وَالنَّقْصُ فِي قُوَّتِهِ. لِأَنَّ مَنِ اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ، فَمِنْ ضَعْفِهِ يَسْتَعِينُ بِهِ، لَا مِنَ الْقُوَّةِ التَّامَّةِ الْكَامِلَةِ. وَالْبَارِئُ، جَلَّ جَلَالُهُ، لَمْ يَسْتَعِنْ فِي إِبْدَاعِ مَا أَبْدَعَ مِنَ الْعَالَمَيْنِ بِجَوْهَرٍ آخَرَ. فَلَيْسَ هُوَ إِذًا بِجَوْهَرٍ، إِذِ الْجَوَاهِرُ الْجِسْمَانِيَّةُ وَالرُّوحَانِيَّةُ مُسْتَغْنِيَةٌ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الْبَارِئَ، جَلَّ جَلَالُهُ، يَقْبَلُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا يَقْبَلُ مِنْهُ غَيْرُهُ، لَزِمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ الْقَابِلَ مِنَ الْبَارِئِ، جَلَّ جَلَالُهُ، أَيَّ شَيْءٍ يَقْبَلُ مِنْهُ؟ وَلَيْسَ هُوَ إِلَّا الْفَرْدَانِيَّةَ الْمَحْضَةَ الَّذِي فِي قُدْرَتِهِ إِبْدَاعُ الْعَالَمَيْنِ بِمَا فِيهِمَا. فَيَجِبُ لِلْقَابِلِ مِنْهُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى اخْتِرَاعِ الْعَالَمَيْنِ بِمَا فِيهِمَا. وَلَيْسَ فِي الْخِلْقَةِ مَا يَقْدِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ ذَرَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْخِلْقَةِ هَذِهِ الْقُدْرَةُ. فَلَيْسَ فِيهِمْ إِذًا مَنْ يُمْكِنُهُ الْقَبُولُ مِنْهُ. وَإِذَا امْتَنَعَ الْقَبُولُ مِنْهُ، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ تَقَدَّسَتْ عَظَمَتُهُ جَوْهَرًا لِمَا بَيَّنَّاهُ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 3
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْفَلَاسِفَةَ زَعَمَتْ أَنَّ الْجَوْهَرَ جِنْسُ الْأَجْنَاسِ. وَالْجِنْسُ هُوَ الْمَقُولُ عَلَى أَنْوَاعِهِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالصُّوَرِ. وَإِنْ كَانَ الْبَارِئُ تَعَالَى جَوْهَرًا، فَمَا أَنْوَاعُهُ الَّتِي هِيَ مَقُولٌ عَلَيْهَا؟ فَلَمَّا لَمْ يُوجَدْ نَوْعٌ يَكُونُ مُبْدِعُ الْعَالَمِينَ مَقُولًا عَلَيْهِ كَمَقُولِ الْجِنْسِ عَلَى الْأَنْوَاعِ، بَطَلَ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا، إِذِ الْجَوْهَرُ جِنْسٌ لِمَا تَحْتَهُ مِنْ أَنْوَاعِهِ، وَأَنْوَاعِ أَنْوَاعِهِ، إِلَى أَنْ يَكُونَ مَقُولًا عَلَى أَشْخَاصِ الْأَنْوَاعِ، وَعَلَى أَجْزَاءِ الْأَشْخَاصِ. فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْبَارِئَ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ. فَاعْرِفْهُ. وَيُقَالُ لِمَنْ أَوْقَعَ اسْمَ الْجَوْهَرِيَّةِ عَلَى مُبْدِعِ الْعَالَمِينَ: أَيُّ حَاجَةٍ اضْطَرَّكُمْ إِلَى إِيقَاعِ هَذَا الِاسْمِ عَلَيْهِ؟ فَإِنْ قَالُوا: كَوْنُ الْأَفْعَالِ مِنْ غَيْرِ الْجَوَاهِرِ غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ، فَأَعْطَيْنَاهُ الْجَوْهَرِيَّةَ لِيَثْبُتَ لَهُ الْفِعْلُ. يُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ الْأَفْعَالَ الْمُضَافَةَ إِلَى الْجَوَاهِرِ إِنَّمَا هِيَ الْإِحَالَةُ وَالِاسْتِحَالَةُ. فَيَكُونُ لِبَعْضِ الْجَوَاهِرِ قُوَّةُ الْإِحَالَةِ وَهِيَ فِعْلُهُ، وَلِبَعْضِهَا قُوَّةُ الِاسْتِحَالَةِ وَهِيَ انْفِعَالُهُ. وَلَمَّا كَانَ الْعَقْلُ تَأْيِيسًا، لَا مِنْ أَيْسٍ، فَلَا هُوَ إِحَالَةٌ وَلَا اسْتِحَالَةٌ،
- ¶ 4
بَلْ جُودٌ مَحْضٌ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَأْيِيسُ الأَيْسِيَّاتِ، لَا مِنْ أَيْسٍ، إِحَالَةً وَاسْتِحَالَةً، ثَبَتَ أَنَّ مُؤَيِّسَهَا لَيْسَ بِجَوْهَرٍ، إِذْ أَفْعَالُ الجَوَاهِرِ بَيْنَ إِحَالَةٍ وَاسْتِحَالَةٍ. وَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ كَوْنَ الأَفْعَالِ مِنَ الجَوَاهِرِ المُعَرَّاةِ مِنَ الأَجْسَامِ وَمِنْ مُشَارَكَتِهَا غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ، فَيَجِبُ أَنْ تُعْطُوا المُبْدِعَ الجِسْمِيَّةَ كَمَا أَعْطَيْتُمُوهُ الجَوْهَرِيَّةَ. وَفِي إِيقَاعِ الجِسْمِ عَلَى المُبْدِعِ مِنَ المُنَاقَضَاتِ البَيِّنَةِ. إِذَا تَأَمَّلَهُ الفَطِنُ الأَرِيبُ نَزَّهَ المُبْدِعَ عَنْهُ وَعَنِ الجَوْهَرِيَّةِ. وَلَمَّا جَازَ عِنْدَكُمْ تَوَهُّمُ هَذَا الفِعْلِ المُتْقَنِ مِنَ الجَوْهَرِ المَحْضِ، المُعَرَّى عَنِ الجِسْمِ وَعَنْ مُشَارَكَةٍ، وَإِنْ كُنْتُمْ لَمْ تُشَاهِدُوهُ، جَازَ لِغَيْرِكُمْ أَنْ يَتَوَهَّمَ كَوْنَ هَذَا الفِعْلِ الشَّرِيفِ مِمَّنْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الجَوَاهِرِ الرُّوحَانِيَّةِ بِسِمَاتِهَا وَنُعُوتِهَا. فَقَدْ صَحَّ أَنَّ المُبْدِعَ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ. فَاعْرِفْهُ...
- ¶ 5
وَقَدْ تَفَرَّدَتِ الْجَوَاهِرُ الرُّوحَانِيَّةُ بِسِمَاتِهَا وَنُعُوتِهَا عَنِ الْجَوَاهِرِ الْجِسْمَانِيَّةِ، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مَفْعُولَ فَاعِلٍ وَاحِدٍ، إِذِ الْجَوَاهِرُ الرُّوحَانِيَّةُ غَيْرُ مَوْسُومَةٍ بِسِمَاتِ الْجَوَاهِرِ الْجِسْمَانِيَّةِ مِنَ الْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ إِلَى سَائِرِ الْمَقُولَاتِ، وَشَارَكَتْهَا فِي اسْمِ الْجَوْهَرِيَّةِ. فَأَحْرَى وَأَوْلَى مُبْدِعُ الْعَالَمِينَ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنِ الْجَوَاهِرِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالْجِسْمَانِيَّةِ بِنَفْيِ هَذَا الِاسْمِ عَنْهُ، إِذِ الْجَوَاهِرُ غَيْرُ خَالِيَةٍ عَنْ قُوَّةٍ وَفِعْلٍ يَتَصَرَّفُ بَيْنَهُمَا. فَيَكُونُ بَعْضُهَا بِالْقُوَّةِ شَيْئًا آخَرَ، وَبَعْضُهَا بِالْفِعْلِ شَيْئًا آخَرَ، قَدْ أُودِعَ عِنْدَهُ مِنْ فَاعِلٍ. فَلَوْ كَانَ الْمُبْدِعُ سُبْحَانَهُ جَوْهَرًا، كَانَ بِالْقُوَّةِ أَوْ بِالْفِعْلِ الْمَوْجُودِ فِي الْجَوَاهِرِ. فَإِنْ كَانَ بِالْقُوَّةِ يَصِيرُ إِذًا، تَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ، شَيْئًا آخَرَ. وَإِنْ كَانَ بِالْفِعْلِ، فَذَلِكَ الْفِعْلُ مُودَعٌ عِنْدَهُ مِنْ فَاعِلٍ آخَرَ. وَاللَّهُ، تَعَالَى ذِكْرُهُ، مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِوَدَائِعِ فَاعِلٍ سِوَاهُ، بَلِ الْجَوَاهِرُ الْمُتَصَرِّفَةُ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ مَبْزُورَةٌ فِي جَوْهَرٍ تَامٍّ بِالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ، قَدْ أَبْدَعَهُ مُبْدِعُهُ بِجُودِهِ وَإِرَادَتِهِ. وَذَلِكَ الْجَوْهَرُ الْمَوْسُومُ بِالسَّابِقِ إِذَا نَظَرَ فِي جَوْهَرِيَّتِهِ، وَجَدَ الْجَوْهَرِيَّةَ مَحْضَ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ عُزُوبِ شَيْءٍ مِنَ الْجَوْهَرِيَّةِ أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْ فِعْلِهِ. فَيُسَبِّحُ فَاعِلَهُ عَنْ سِمَاتِ فِعْلِهِ وَصِفَاتِ إِبْدَاعِهِ. «وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ». وَيُقَالُ لَهُمْ: قَدْ قَسَمْتُمُ الْجَوْهَرَ بِقِسْمَيْنِ، فَقُلْتُمْ: إِنَّ الْجَوْهَرَ مُنْقَسِمٌ إِلَى الْجِسْمِ وَالرُّوحِ. ثُمَّ قُلْتُمْ: إِنَّ الْبَارِئَ جَوْهَرٌ. فَإِمَّا أَنْ تَقُولُوا: إِنَّ الْبَارِئَ جِسْمٌ، أَوْ رُوحٌ، أَوْ
Quotes the Quran 30:27 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 6
تَقُولُوا: إِنَّ الْجَوْهَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِلَى الْجِسْمِ، وَالرُّوحِ، وَالْبَارِئِ، تَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ. وَأَيَّمَا قُلْتُمْ لَزِمَكُمْ مِنَ الْفَسَادِ، مَا لَا خُرُوجَ لَكُمْ عَنْهُ. وَيُقَالُ لَهُمْ: إِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْبَارِئُ جَوْهَرًا، مَعَ مَا يَلْزَمُ الْجَوْهَرَ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي أَرَيْنَاكُمْ، وَيَكُونَ جَوْهَرُهُ خَارِجًا عَنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ، لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا؟ وَأَنْ تَكُونَ الْأَعْرَاضُ مَحْمُولَةً عَلَى جِسْمِهِ وَجَوْهَرِهِ، وَيَكُونَ جِسْمُهُ وَأَعْرَاضُهُ خَارِجَةً عَمَّا يَلْزَمُ الْجِسْمَ وَالْأَعْرَاضَ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي يَتَعَاظَمُ مَجْدُ الْبَارِئِ وَكِبْرِيَاؤُهُ عَنْ مُشَارَكَتِهَا حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ؟ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ إِيقَاعُ الْجِسْمِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِمَجْدِهِ وَشَأْنِهِ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِيقَاعُ الْجَوْهَرِيَّةِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي يَتَكَبَّرُ تَقْدِيسُهُ عَنْ مُجَاوَرَتِهَا. فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْمُبْدِعَ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 7
وَإِنْ كَانَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ - جَوْهَرًا، وَالعَالَمُ كَذَلِكَ جَوْهَرًا. ثُمَّ خَرَجَتْ جَوْهَرِيَّتُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُبْدَعًا، لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَخْرُجَ جَوْهَرِيَّةُ العَالَمِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُبْدَعًا؟ وَإِلَّا فَمَا الفَصْلُ؟ وَكَذَلِكَ الرَّسْمُ فِي الشَّيْءِ وَالأَيْسِ. هَذَا الرَّسْمُ فِي نَفْيِهِمَا عَنِ المُبْدِعِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ.
Key X: Whoever worships God by denying attributes and limits has not worshipped Him truly
¶ 8الإِقْلِيدُ العَاشِرُ: فِي أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ وَالحُدُودِ لَمْ يَعْبُدْهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ، إِذْ عِبَادَتُهُ وَاقِعَةٌ لِبَعْضِ المَخْلُوقِينَ إِنَّ قَوْمًا مِنَ الأَوَائِلِ وَجَمَاعَةً مِنْ فِرَقِ الإِسْلَامِ، لَمْ يَعْبُدُوا اللَّهَ حَقَّ عِبَادَتِهِ، وَلَمْ يَعْرِفُوهُ بِحَقِيقَةِ المَعْرِفَةِ. فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ غَيْرُ مَوْصُوفٍ، وَلَا مَحْدُودٍ، وَلَا مَنْعُوتٍ، وَلَا مَرْئِيٍّ، وَلَا فِي مَكَانٍ. وَتَوَهَّمُوا أَنَّ هَذَا المِقْدَارَ تَمْجِيدٌ لِلَّهِ وَتَعْظِيمٌ لَهُ. وَأَنَّهُمْ قَدْ تَخَلَّصُوا مِنَ الشِّرْكِ وَالتَّشْبِيهِ. وَإِذَا هُمْ قَدْ وَقَعُوا فِي الحَيْرَةِ وَالتِّيهِ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا نَفَوُا الصِّفَاتِ وَالحُدُودَ وَالنُّعُوتَ عَنِ البَارِئِ، تَقَدَّسَتْ عَظَمَتُهُ، لِأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مُشَابَهَةٌ وَلَا مُمَاثَلَةٌ.
- ¶ 9
فَنَحْنُ نَسْأَلُهُمْ بَعْدُ عَنِ الْمَوْصُوفِ وَالْمَحْدُودِ وَالْمَنْعُوتِ مِنْ خَلْقِهِ: أَهِيَ الصِّفَةُ وَالْحَدُّ وَالنَّعْتُ، أَمِ الْمَوْصُوفُ غَيْرُ صِفَتِهِ، وَالْمَحْدُودُ غَيْرُ حَدِّهِ، وَالْمَنْعُوتُ غَيْرُ نَعْتِهِ؟ فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفُ، وَالْحَدَّ هُوَ الْمَحْدُودُ، وَالنَّعْتَ هُوَ الْمَنْعُوتُ، لَزِمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ السَّوَادَ هُوَ الْأَسْوَدُ، وَالْبَيَاضَ هُوَ الْأَبْيَضُ.
- ¶ 10
وَإِنْ سَلَّمُوا ذَلِكَ، قِيلَ لَهُمْ: احْفَظُوا الشَّرِيطَةَ وَأَجِيبُوا عَنِ الْأَبْيَضِ. إِنْ زَالَ بَيَاضُهُ وَصَارَ أَسْوَدَ، وَالْأَسْوَدِ إِنْ زَالَ سَوَادُهُ وَصَارَ أَبْيَضَ، ثُمَّ يَكُونُ الْأَبْيَضُ هُوَ الْبَيَاضَ، وَالْأَسْوَدُ هُوَ السَّوَادَ، أَنْ يَكُونَ الْبَيَاضُ هُوَ السَّوَادَ، وَالسَّوَادُ هُوَ الْبَيَاضَ. إِذِ الْأَبْيَضُ هُوَ الْأَسْوَدُ، وَالْأَسْوَدُ هُوَ الْأَبْيَضُ، بِانْتِقَالِ اللَّوْنَيْنِ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَاضُ هُوَ السَّوَادَ، وَلَا السَّوَادُ هُوَ الْبَيَاضَ. كَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ هُوَ الصِّفَةَ، وَالْمَحْدُودُ هُوَ الْحَدَّ، وَالْمَنْعُوتُ هُوَ النَّعْتَ. وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَوْصُوفَ غَيْرُ صِفَتِهِ، وَالْمَحْدُودَ غَيْرُ حَدِّهِ، وَالْمَنْعُوتَ غَيْرُ نَعْتِهِ، وَهِيَ، أَعْنِي الْمَوْصُوفَ وَالْمَحْدُودَ وَالْمَنْعُوتَ جَمِيعًا مَخْلُوقُ هَذَا الْخَالِقِ الَّذِي نَزَّهْتُمُوهُ عَنِ الصِّفَةِ وَالْحَدِّ وَالنَّعْتِ، فَقَدْ أَشْرَكْتُمُ الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ الصِّفَةُ وَالْحَدُّ وَالنَّعْتُ فِي بَابٍ وَاحِدٍ، إِنَّهُمَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَالْخَالِقُ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ عِنْدَكُمْ. وَإِنْ جَازَ أَنْ يُشَارِكَ الْخَالِقُ الْمَخْلُوقَ فِي وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ؟ فَإِذًا مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ وَاقِعٌ فِي التَّشْبِيهِ الْخَفِيِّ، كَمَا أَنَّ مَنْ عَبَدَهُ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَاقِعٌ فِي التَّشْبِيهِ الْجَلِيِّ.
- ¶ 11
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا أَتَتْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ النِّحْلَةِ فِي إِقَامَةِ رَأْيِهِمْ فِي أَنَّ الْمُبْدِعَ سُبْحَانَهُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ وَلَا مَنْعُوتٍ. ثُمَّ إِنَّهُمْ أَثْبَتُوا لَهُ الْأَسَامِيَ الَّتِي لَا تَتَعَرَّى عَنِ الصِّفَاتِ وَالنُّعُوتِ. فَقَالُوا: إِنَّهُ سَمِيعٌ بِالذَّاتِ، بَصِيرٌ بِالذَّاتِ، عَالِمٌ بِالذَّاتِ. وَنَفَوْا عَنْهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْعِلْمَ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْأَسَامِيَ إِذَا لَزِمَتْ ذَاتًا مِنَ الذَّوَاتِ لَزِمَتْهَا الصِّفَاتُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا وَقَعَتِ الْأَسَامِي. إِذْ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ سَمِيعًا بِغَيْرِ سَمْعٍ، أَوْ بَصِيرًا بِغَيْرِ بَصَرٍ، لَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْجَاهِلُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ عَالِمًا، أَوِ الْأَعْمَى مَعَ فَقْدِ الْبَصَرِ بَصِيرًا، أَوِ الْأَصَمُّ مَعَ غُيُوبَةِ السَّمْعِ سَمِيعًا. فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ مَا وَصَفْنَا، صَحَّ أَنَّ الْعَالِمَ إِنَّمَا صَارَ عَالِمًا لِوُجُودِ الْعِلْمِ، وَالْبَصِيرَ بَصِيرًا بِوُجُودِ الْبَصَرِ، وَالسَّمِيعَ سَمِيعًا لِوُجُودِ السَّمْعِ.
- ¶ 12
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: إِنَّمَا نَفَيْنَا عَنِ الْبَصِيرِ اسْمَ الْبَصَرِ إِذْ كَانَ اسْمُ الْبَصِيرِ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ ذَاتِ الْخَالِقِ، لِأَنَّا هَكَذَا شَاهَدْنَا أَنَّ مَنْ لَهُ اسْمُ الْبَصِيرِ يَلْزَمُهُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ، يَجُوزُ عَلَيْهِ الْعَمَى. وَمَنْ لَهُ اسْمُ السَّمِيعِ يَلْزَمُهُ مِنْ أَجْلِ السَّمْعِ، يَجُوزُ عَلَيْهِ الصَّمَمُ. وَمَنْ لَهُ اسْمُ الْعَالِمِ يَلْحَقُهُ مِنْ أَجْلِ الْعِلْمِ، يَجُوزُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ. وَاللَّهُ، لَا يَلْحَقُ بِهِ الْجَهْلُ وَالْعَمَى وَالصَّمَمُ. فَنَفَيْنَا عَنْهُ مَا يَلْزَمُ بِزَوَالِهِ ضِدُّهُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: لَيْسَ عِلَّةُ وُجُوبِ الْعَمَى الْبَصَرَ، وَلَا عِلَّةُ وُجُوبِ الصَّمَمِ السَّمْعَ، وَلَا عِلَّةُ وُجُوبِ الْجَهْلِ الْعِلْمَ. وَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، كَانَ وَاجِبًا أَنْ مَتَى وُجِدَ الْبَصَرُ، وُجِدَ الْعَمَى، أَوْ مَتَى وُجِدَ السَّمْعُ، وُجِدَ الصَّمَمُ، أَوْ مَتَى وُجِدَ الْعِلْمُ، وُجِدَ الْجَهْلُ.
- ¶ 13
فَلَمَّا وُجِدَ البَصَرُ فِي بَعْضِ ذَوِي البَصَرِ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ عَمًى فِيهِ، وَوُجِدَ السَّمْعُ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ ذَوِي السَّمْعِ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ صَمَمِ سَمْعِهِ، وَوُجِدَ العِلْمُ فِي بَعْضِ ذَوِي العِلْمِ مِنْ غَيْرِ لُحُوقِ جَهْلٍ بِهِ، صَحَّ أَنَّ العِلَّةَ فِي ظُهُورِ الجَهْلِ وَالصَّمَمِ وَالعَمَى لَيْسَ هُوَ العِلْمَ وَالسَّمْعَ وَالبَصَرَ، بَلْ إِمْكَانُ قَبُولِ الآفَةِ فِي ذَوِي العِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ. وَاللَّهُ، تَعَالَى ذِكْرُهُ، لَيْسَ هُوَ بِمَحَلِّ الآفَاتِ، وَلَا الآفَاتُ بِدَاخِلَةٍ عَلَيْهِ. فَهُوَ إِذًا، إِنْ كَانَ اسْمُ العَالِمِ وَالسَّمِيعِ وَالبَصِيرِ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ ذَاتِهِ، ذُو عِلْمٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ. فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا أَضَافَ إِلَيْهِ الجَهَلَةُ المُفْتَرُونَ مِنْ هَذِهِ الأَسَامِي بِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ لُزُومَ الذَّاتِ، بَلْ هَذِهِ الأَسَامِي مِمَّا يَتَوَجَّهُ نَحْوَ الحُدُودِ المَنْصُوبَةِ مِنَ العُلْوِ وَالسُّفْلِ، وَالرُّوحَانِيِّ وَالجِسْمَانِيِّ لِمَصْلَحَةِ العِبَادِ.
- ¶ 14
(سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا) وَيُقَالُ لَهُمْ: إِنْ كَانَ الِاسْتِشْهَادُ الَّذِي اسْتَشْهَدْتُمُوهُ صَحِيحًا، فَإِنَّ الِاسْتِشْهَادَ الْآخَرَ الَّذِي لَا يُفَارِقُ الِاسْتِشْهَادَ الْأَوَّلَ مِثْلُهُ فِي بَابِ الصِّحَّةِ، لِأَنَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ هَكَذَا شَاهَدْتُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ عَالِمًا مِنْ أَجْلِ عِلْمِهِ، أَوْ سَمِيعًا مِنْ أَجْلِ سَمْعِهِ، أَوْ بَصِيرًا مِنْ أَجْلِ بَصَرِهِ، جَازَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ وَالْعَمَى وَالصَّمَمُ. فَنَحْنُ كَذَلِكَ شَاهَدْنَا أَنَّ مَنْ كَانَ عَالِمًا، فَإِنَّ الْعِلْمَ سَابِقُهُ، وَمَنْ كَانَ بَصِيرًا كَانَ الْبَصَرُ قَرِينَهُ، وَمَنْ كَانَ سَمِيعًا كَانَ السَّمْعُ شَهِيدَهُ. فَإِنْ جَازَ لَكُمْ أَنْ تَتَعَدَّوْا حُكْمَ الشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ فِي أَحَدِهِمَا، فَتَقُولُوا: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِي الْغَائِبِ عَالِمٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَبَصِيرٌ بِغَيْرِ بَصَرٍ، وَسَمِيعٌ بِغَيْرِ سَمْعٍ. جَازَ لَنَا أَنْ نَتَعَدَّى حُكْمَ الشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ فِي الْبَابِ الْآخَرِ، فَنَقُولَ: إِنَّا وَإِنْ كُنَّا لَمْ نُشَاهِدْ عَالِمًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، إِلَّا وَقَدْ جَازَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ، أَوْ عَالِمًا بِالْعِلْمِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ، أَوْ بَصِيرًا بِالْبَصَرِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْعَمَى، أَوْ سَمِيعًا بِالسَّمْعِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الصَّمُّ، وَإِلَّا فَمَا الْفَصْلُ؟ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى التَّفْصِيلِ بَيْنَ الِاسْتِشْهَادِ. فَاعْرِفْهُ.
Quotes the Quran 17:43 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 15
وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ نَزَّهَ خَالِقَهُ عَنِ الصِّفَةِ وَالْحَدِّ وَالنَّعْتِ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَمَّا لَا صِفَةَ لَهُ، وَلَا حَدَّ، وَلَا نَعْتَ، فَقَدْ أَثْبَتَهُ بِمَا لَمْ يُجَرِّدْهُ عَنْهُ. وَإِذَا كَانَ إِثْبَاتُهُ لِمَعْبُودِهِ بِنَفْيِ الصِّفَةِ وَالْحَدِّ وَالنَّعْتِ فَقَطْ، كَانَ إِثْبَاتُهُ مُهْمَلًا، غَيْرَ مَعْرُوفٍ، لِأَنَّ مَا لَا صِفَةَ لَهُ، وَلَا حَدَّ، وَلَا نَعْتَ، لَيْسَ هُوَ اللَّهَ بِذَاتِهِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ النَّفْسُ وَالْعَقْلُ وَجَمِيعُ الْجَوَاهِرِ الْبَسِيطَةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَاللَّهُ، تَعَالَى ذِكْرُهُ، أَثْبَتُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِثْبَاتُهُ مُهْمَلًا، غَيْرَ مَعْلُومٍ. فَإِذًا الْإِثْبَاتُ الْمَعْلُومُ الَّذِي يَلِيقُ بِمَجْدِ الْمُبْدِعِ، وَلَا يَلْحَقُهُ الْإِهْمَالُ، هُوَ نَفْيُ الصِّفَةِ، وَنَفْيُ أَنْ لَا صِفَةَ، وَنَفْيُ الْحَدِّ، وَنَفْيُ أَنْ لَا حَدَّ، لِتَبْقَى هَذِهِ الْعَظَمَةُ لِمُبْدِعِ الْعَالَمِينَ، إِذْ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَخْلُوقٍ مَعَهُ شَرِكَةٌ فِي هَذَا التَّقْدِيسِ. وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْإِثْبَاتُ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ مُهْمَلًا. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 16
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ مِنْ شَرِيطَةِ الْقَضَايَا الْمُتَنَاقِضَةِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا صِدْقًا وَالْآخَرُ كَذِبًا. فَقَوْلُكُمْ: «لَا مَوْصُوفَ» وَ«لَا لَا مَوْصُوفَ» قَضِيَّتَانِ مُتَنَاقِضَتَانِ، لَا بُدَّ لِأَحَدِهِمَا مِنْ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا وَالْأُخْرَى كَاذِبًا. فَإِنْ كَانَ قَوْلُكُمْ «لَا مَوْصُوفَ» صَادِقًا، كَانَ قَوْلُكُمُ الْآخَرُ بِالضِّدِّ مِنْهُ كَاذِبًا. وَإِنْ كَانَتِ الْقَضِيَّةُ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُنَا «لَا لَا مَوْصُوفَ» صَادِقَةً، كَانَ الْقَوْلُ الْآخَرُ بِالضِّدِّ مِنْهُ كَاذِبًا. فَكَيْفَ تَجْتَمِعُ الْقَضِيَّتَانِ عَلَى الصِّدْقِ وَهُمَا مُتَنَاقِضَتَانِ؟ يُقَالُ لَهُ: قَدْ غَلِطْتَ فِي مَعْرِفَتِكَ الْقَضَايَا الْمُتَنَاقِضَةَ. وَذَلِكَ أَنَّ الْقَضَايَا الْمُتَنَاقِضَةَ أَحَدُ طَرَفَيِ النَّقِيضِ، مِنْهُ مُوجِبٌ وَالْآخَرُ سَالِبٌ. فَإِنْ كَانَتِ الْقَضِيَّةُ كُلِّيَّةً مُوجِبَةً، كَانَتْ نَقِيضَتُهَا جُزْئِيَّةً سَالِبَةً، كَقَوْلِنَا: «كُلُّ إِنْسَانٍ حَيٌّ.» وَهِيَ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ مُوجِبَةٌ، نَقِيضَتُهَا: «لَيْسَ بَعْضُ إِنْسَانٍ بِحَيٍّ،» وَهِيَ جُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ. وَإِنْ كَانَتِ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ سَالِبَةً، كَانَتْ نَقِيضَتُهَا مُوجِبَةً جُزْئِيَّةً، كَقَوْلِنَا: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِحَجَرٍ» وَهِيَ سَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ، نَقِيضَتُهُ «بَعْضُ النَّاسِ حَجَرٌ،» وَهِيَ جُزْئِيَّةٌ مُوجِبَةٌ.
- ¶ 17
فَلَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ النَّقِيضِ مَا رَسَمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا مُوجِبًا وَالْآخَرُ سَالِبًا، رَجَعْنَا إِلَى قَضِيَّتِنَا فِي الْمُبْدِعِ. هَلْ نَجِدُ فِيهَا هَذِهِ الشَّرِيطَةَ؟ فَوَجَدْنَاهَا فِي كِلَيْ طَرَفَيْهَا لَمْ تُوجِبْ لَهُ شَيْئًا، بَلْ كِلَا طَرَفَيْهَا سَالِبَتَانِ. وَهِيَ قَوْلُنَا: «لَا مَوْصُوفَ،» وَ«لَا لَا مَوْصُوفَ.» فَهِيَ إِذًا لَمْ تُنَاقِضْ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَإِنَّمَا تَتَنَاقَضُ الْقَضِيَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ نَقُولَ: «لَهُ صِفَةٌ» وَأَنْ «لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ،» أَوْ أَنْ نَقُولَ: «لَهُ حَدٌّ» وَأَنْ «لَا حَدَّ لَهُ،» أَوْ «أَنَّهُ فِي مَكَانٍ» وَ«أَنَّهُ لَا فِي مَكَانٍ.» فَيَلْزَمُنَا حِينَئِذٍ إِثْبَاتٌ لِاجْتِمَاعِ طَرَفَيِ النَّقِيضِ عَلَى الصِّدْقِ. فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْقَضِيَّتَانِ سَالِبَتَانِ، إِحْدَاهُمَا سَلْبُ الصِّفَةِ اللَّاحِقَةِ لِلْجِسْمَانِيِّينَ، وَالْأُخْرَى نَفْيُ الصِّفَةِ اللَّازِمَةِ لِلرُّوحَانِيِّينَ، كَانَ مِنْ ذَلِكَ تَجْرِيدُ الْخَالِقِ عَنْ سِمَاتِ الْمَرْبُوبِينَ وَصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَنْ نَزَّهَ خَالِقَهُ عَنِ الصِّفَةِ وَالْحَدِّ وَالنَّعْتِ وَاقِعٌ فِي التَّشْبِيهِ الْخَفِيِّ، كَمَا أَنَّ مَنْ وَصَفَهُ وَحَدَّهُ وَنَعَتَهُ وَاقِعٌ فِي التَّشْبِيهِ الْجَلِيِّ.
Quotes the Quran 1:2 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 18
وَلَوْ جَازَ أَنْ يُنْكَرَ بِالْجَوَاهِرِ الرُّوحَانِيَّةِ، إِذْ هِيَ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ وَلَا مُمْكِنَةٍ، حَتَّى لَا يُوصَفَ الْخَالِقُ بِسِمَاتِهَا فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ وَلَا مَحْدُودٍ وَلَا مُمْكِنٍ، لَجَازَ الْإِنْكَارُ بِالْخَالِقِ إِذْ هُوَ مُتَعَالٍ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ، غَيْرُ مَحْسُوسٍ وَلَا مُمْكِنٍ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّمَا وَجَبَ الْإِقْرَارُ بِهِ مِنْ جِهَةِ أَفْعَالِهِ الْمُحْكَمَةِ الْمُتْقَنَةِ، لَا مِنْ دَرْكِ ذَاتِهِ، يُقَالُ لَهُ: إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ أَفْعَالِهِ الْمُحْكَمَةِ الْمُتْقَنَةِ وَجَبَ الْإِقْرَارُ، فَمَا فِي أَفْعَالِهِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ؟ وَمَا فِي الصِّفَةِ اللَّاحِقَةِ بِهِ مِنَ الْمَنْعِ عَنْ إِمْضَاءِ الْأَفْعَالِ الْمُحْكَمَةِ الْمُتْقَنَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ؟ فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّا وَجَدْنَا الصِّفَةَ تَابِعَةً لِأَفْعَالِهِ الْمُحْكَمَةِ الْمُتْقَنَةِ، فَنَفَيْنَا عَنْهُ مَا لَزِمَ مَفْعُولَهُ، قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ نَفْيُ الصِّفَةِ مِمَّا قَدْ خُصَّ بِهِ بَعْضُ الْمَفْعُولِينَ مَعَ وُجُودِ الْأَفْعَالِ الْمُحْكَمَةِ الْمُتْقَنَةِ مِنْهُمْ. فَإِمَّا أَنْ تُثْبِتُوا الْخَالِقَ، لَا مِنْ أَجْلِ أَفْعَالِهِ الْمُحْكَمَةِ الْمُتْقَنَةِ، إِذْ وُجُودُ الْأَفْعَالِ الْمُحْكَمَةِ الْمُتْقَنَةِ مَعْلُومَةٌ مِمَّنْ لَا صِفَةَ لَهُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، أَوْ تُثْبِتُوا الصِّفَةَ لَهُ لِيَكُونَ تَشْبِيهُكُمُ الْخَالِقَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، لَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ. فَإِذًا مَنْ نَزَّهَ خَالِقَهُ عَنِ الصِّفَةِ وَالْحَدِّ وَالنَّعْتِ وَاقِعٌ فِي التَّشْبِيهِ الْخَفِيِّ، كَمَا أَنَّ مَنْ حَدَّهُ وَوَصَفَهُ وَنَعَتَهُ وَاقِعٌ فِي التَّشْبِيهِ الْجَلِيِّ. فَاعْرِفْهُ.
Key XII: The one of the numbers and the One that is not of the numbers
¶ 19الاقْلِيدُ الثّانِي عَشَرَ: فِي الفَرْقِ بَيْنَ واحِدِ الأَعْدادِ، وَالواحِدِ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الأَعْدادِ الواحِدُ مَبْدَأُ الأَعْدادِ وَعِلَّتُها الَّذِي لا يَتَعَرَّى عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأَعْدادِ، قَلَّ ذَلِكَ العَدَدُ أَمْ كَثُرَ. وَهُوَ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ فِي ذاتِهِ التَّقْسِيمَ، تَكُونُ أَقْسامُهُ أَعْدادَ كَوامِلَ. وَهُوَ الَّذِي اتَّحَدَ بِجَمِيعِ الأَشْخاصِ وَاحْتَوَى عَلَيْها حَتَّى لا يَعْزُبَ عَنْهُ شَخْصٌ البَتَّةَ. وَصارَتِ الأَشْخاصُ الَّتِي اتَّحَدَ الواحِدُ بِها عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ مِنْهُ ما لا يُوجَدُ الواحِدُ فِيهِ إِلّا مَرَّةً واحِدَةً، وَضَرْبٌ مِنْهُ ما يُوجَدُ الواحِدُ فِيهِ مِرارًا كَثِيرَةً. أَمّا الَّذِي لا يُوجَدُ الواحِدُ إِلّا مَرَّةً واحِدَةً، فَمِثْلُ الأَرْضِ وَالهَواءِ، وَمِثْلُ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ. فَإِنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنْها واحِدٌ فِي ذاتِهِ، مِنْ غَيْرِ إِمْكانِ تَفْصِيلٍ، أَوْ إِمْكانِ تَشْبِيهٍ لَهُ. يُقالُ مِنْ أَجْلِهِ: أَرْضٌ وَأَرْضٌ، وَهَواءٌ وَهَواءٌ، وَشَمْسٌ وَشَمْسٌ، وَقَمَرٌ وَقَمَرٌ. وَأَمّا الَّذِي يُوجَدُ الواحِدُ فِيهِ مِرارًا كَثِيرَةً، فَإِنَّهُ مِثْلُ الماءِ وَالنّارِ، وَسائِرِ الكَواكِبِ، وَجَمِيعِ أَشْخاصِ المَوالِيدِ مِنَ المَعادِنِ وَالنَّباتِ وَالحَيَوانِ.
- ¶ 20
وَوَاحِدُ الْأَعْدَادِ الَّذِي أَجْزَاؤُهُ مُضَافَةٌ إِلَيْهِ وَمُسَمَّاةٌ بِهِ كَمَا يُقَالُ: نِصْفُ وَاحِدٍ، وَثُلُثُ وَاحِدٍ، وَرُبْعُ وَاحِدٍ، وَسُدْسُ وَاحِدٍ. وَهُوَ الَّذِي يُضْبَطُ أَجْزَاؤُهُ بِالتَّنَاهِي، وَلَا تُضَعِّفُهُ بِالتَّكْثِيرِ، بَلْ هُوَ أَبَدًا مُتَضَاعِفٌ وَيَتَجَزَّا حَتَّى إِذَا تَرَقَّيْتَ مِنَ الطَّبِيعِيَّاتِ وَبَلَغْتَ النَّفْسَانِيَّاتِ، وَجَدْتَهَا تَتَضَاعَفُ بِالِاسْتِفَادَةِ وَتَتَجَزَّا بِالْإِفَادَةِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ إِلَى الْعَقْلِ الْمَرْسُومِ بِالْكَمَالِ. وَجَدْتَهُ يَنْحُو فِي وَاحِدِيَّتِهِ هَذَا النَّحْوَ فِي أَنَّهُ يَتَجَزَّا بِالْإِحَاطَةِ بِالْمَبْزُورَاتِ فِيهِ، وَتَتَضَاعَفُ بِالنَّفْيِ عَنْ خَالِقِهِ نَفْيًا بَعْدَ نَفْيٍ وَسَلْبًا بَعْدَ سَلْبٍ.
- ¶ 21
فَلَمَّا صَعِدْتَ عَنِ الْعَقْلِ الْأَوَّلِ مِنْ طَرِيقِ النَّفْيِ، وَأَثْبَتَّ الْمُبْدِعَ الْحَقَّ، كَانَتْ وَاحِدِيَّتُهُ خَارِجًا عَنِ الْأَعْدَادِ، إِذْ لَا يَتَجَزَّا بِالتَّثْنِيَةِ بِمَا خَلَقَهُ وَبَرَأَهُ، وَلَا يَتَضَاعَفُ بِاسْتِفَادَةِ صُورَةٍ وَأَمْثَالٍ؛ فَهُوَ الْوَاحِدُ الْمُبَائِنُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ عَدَدِيٍّ، طَبِيعِيٍّ، وَرُوحَانِيٍّ، الْأَحَدُ الَّذِي لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِنَفْيِ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ، وَمَا سُلِبَ عَنْهُ الْإِشَارَةُ. «فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ» وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ خَالِقَهُ وَاحِدٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِاثْنَيْنِ، أَوْ لَيْسَ بِثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ، فَقَدْ وَقَعَ فِي جَهْلٍ عَظِيمٍ وَحَيْرَةٍ شَدِيدَةٍ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي تَوَهُّمُهُ إِلَى مُشَارٍ يَعُدُّهُ الْوَاحِدُ، وَلَا يَعُدُّهُ سَائِرُ الْأَعْدَادِ، غَيْرَ أَنَّ كُلَّ مُشَارٍ يَعُدُّهُ الْوَاحِدُ، وَإِنْ كَانَ يَعُدُّ نَفْسَهُ. فَإِنَّهُ يَعُدُّ أَيْضًا سَائِرَ الْأَعْدَادِ الَّتِي تَتْلُو الْوَاحِدَ. وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْبَارِئُ، تَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ، يَعُدُّ نَفْسَهُ، أَوْ عَدَّ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا عَدَّ نَفْسَهُ صَارَ وَاحِدًا، ثَبَتَ نَفْسُهُ. وَكَذَلِكَ إِنْ عَدَّ غَيْرَهُ صَارَ الْمَعْدُودُ ضِعْفَهُ، أَوْ أَضْعَافَهُ. وَاللَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا ضِعْفَهُ، أَوْ أَضْعَافَهُ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ شَيْءٌ ضِعْفَهُ أَوْ أَضْعَافَهُ، كَانَ هُوَ إِذًا نِصْفَهُ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ - «تَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» - بَلِ الْوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ أَنْ يُضِيفُوا إِلَيْهِ الْوَاحِدَ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِاثْنَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَالَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ التَّوْحِيدُ حَالٌ وَاحِدٌ، لَا يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِهِ. وَهِيَ نَفْيُ مَا يُوجَدُ فِي طَرَفَيِ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْبَسِيطِ وَالْكَثِيفِ. فَهُوَ الْوَاحِدُ بِهَذَا الْمَعْنَى، لَا بِالْمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ هُوَ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ إِلَى سَائِرِ الْأَعْدَادِ. وَهَذَا الْوَاحِدُ الَّذِي وَحَّدْنَا الْخَالِقَ بِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْكَثْرَةَ، وَلَا التَّضْعِيفَ، وَلَا أَيْضًا يُعَادُّ شَيْئًا مِنَ الْأَعْدَادِ الَّتِي تَلْزَمُ الْخَالِقَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ. فَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ وَاحِدِ الْأَعْدَادِ وَالْوَاحِدِ الْحَقِّ الْمَنْسُوبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَاعْرِفْهُ.
Quotes the Quran 23:14 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 27:63 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 22
وَكُلُّ عَدَدٍ زَوْجٍ، إِذَا زِدْتَ عَلَيْهِ وَاحِدًا، أَوْ نَقَصْتَ مِنْهُ وَاحِدًا، يَصِيرُ فَرْدًا. وَكُلُّ عَدَدٍ فَرْدٍ، إِذَا زِدْتَ عَلَيْهِ وَاحِدًا، أَوْ نَقَصْتَ مِنْهُ وَاحِدًا، يَصِيرُ زَوْجًا. فَمَعْنَى الْعَدَدِ الزَّوْجِ الْعَالَمُ الْمُرَكَّبُ، وَمَعْنَى الْعَدَدِ الْفَرْدِ الْعَالَمُ الْبَسِيطُ. وَالْوَاحِدُ الَّذِي يَزْدَادُ وَيَنْقُصُ مِنَ الْعَدَدَيْنِ الْمَعْدُودَيْنِ جَمِيعًا هُوَ اسْتِخْرَاجُ مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ مِنْ جِهَةِ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْعَالَمَيْنِ، يَعْنِي أَنَّكَ مَتَى أَرَدْتَ أَنْ تُوَحِّدَ خَالِقَكَ لَا يُمْكِنُكَ ذَلِكَ إِلَّا بِنَفْيِ مَا يُوجَدُ فِي أَحَدِ الْعَالَمَيْنِ، لِأَنَّكَ مَتَى نَفَيْتَ عَنْهُ الصِّفَةَ اللَّاحِقَةَ بِالْكَثَائِفِ كَانَ مَا تُثْبِتُهُ الْعَالَمَ الْبَسِيطَ. وَإِنْ نَفَيْتَ عَنْهُ الصِّفَةَ الْمَنْفِيَّةَ عَنِ اللَّطَائِفِ كَانَ مَا تُثْبِتُهُ الْعَالَمَ الْمُرَكَّبَ. وَلَا يَسْتَقِيمُ مَحْضُ التَّوْحِيدِ حَتَّى تَنْفِيَ الطَّرَفَيْنِ كِلَيْهِمَا. أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ زَوْجٍ، وَعَدَدٍ فَرْدٍ، مَتَى جَمَعْتَهُمَا يَكُونُ مِنْهُ الْعَدَدُ الْفَرْدُ؟ فَمَتَى نَفَيْتَ مَا تَجِدُهُ فِي طَرَفَيِ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الرُّوحَانِيِّ وَالْجِسْمَانِيِّ وَقَفْتَ عَلَى مَحْضِ التَّوْحِيدِ، وَتَجْرِيدِهِ مُفْرَدًا عَنْ سِمَاتِ بَرِيَّتِهِ وَنُعُوتِ خَلِيقَتِهِ. فَاعْرِفْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
Key XIII: Likening God to things is a hidden denial of Him
¶ 23الإِقْلِيدُ الثَّالِثَ عَشَرَ: فِي أَنَّ التَّشْبِيهَ تَعْطِيلٌ مَسْتُورٌ إِذَا بُحِثَ عَنْهُ مَنْ شَبَّهَ صَانِعَهُ بِالْمَحْسُوسَاتِ وَالْمَوْهُومَاتِ فَقَدْ عَطَّلَهُ، وَسَلَكَ فِي طَرِيقِ التَّعْطِيلِ مِنْ حَيْثُ لَا يَفْطُنُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى تَوَهَّمَهُ مُتَمَكِّنًا عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَمُسْتَوِيًا عَلَيْهِ بِتَسْوِيَةِ أَعْضَائِهِ مِنَ الْعَيْنَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إِلَى سَائِرِ أَحْكَامِهِمْ فِي التَّوْحِيدِ، أَمْكَنَ تَوَهُّمُ نَظِيرِ مِثْلِهِ. ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِ إِقْرَارُهُ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ، تَعْطِيلُ الْمُتَوَهَّمِ الْأَوَّلِ. فَإِذَا عَطَّلَهُ أَمْكَنَهُ تَوَهُّمُ آخَرَ، وَتَعْطِيلُ الْمُتَوَهَّمِ الثَّانِي. فَإِذَا عَطَّلَهُ أَمْكَنَهُ تَوَهُّمُ رَابِعٍ وَتَعْطِيلُ الثَّالِثِ بِلَا غَايَةٍ. فَإِذًا كُلُّ مَا يُتَوَهَّمُ أَمْكَنَ تَعْطِيلُهُ، وَالتَّوْحِيدُ غَيْرُ مُعَطَّلٍ. فَهُوَ إِذًا غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ، وَالتَّشْبِيهُ إِذًا تَعْطِيلٌ مَسْتُورٌ عِنْدَ الْبَحْثِ.
- ¶ 24
وَلَمَّا وَجَدْتَ التَّعْطِيلَ نَفْيًا، وَوَجَدْتَ التَّشْبِيهَ نَفْيَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ الْفَاضِلَةِ. وَفِي نَفْيِ الْقُدْرَةِ نَفْيُ الْقَادِرِ، أَوْ إِثْبَاتُ عَاجِزٍ عَنْ إِمْضَاءِ أَفْعَالِهِ، لِأَنَّهُ الْمَوْسُومُ بِالْأَعْضَاءِ، وَيَتَصَرَّفُ بَيْنَ أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ: حَالِ خَلْقِهِ مَحْمُولَةً عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ آخَرَ، وَحَالِ حَاجَةٍ إِلَى أَعْضَائِهِ لِإِمْضَاءِ أَفْعَالِهِ الْإِرَادِيَّةِ، كَالْعَيْنِ لِلْبَصَرِ، وَالْأُذُنِ لِلسَّمْعِ، وَالْيَدِ لِلْعَمَلِ، وَالرِّجْلِ لِلسَّعْيِ، أَوْ حَالِ زِينَتِهِ تُورِثُهُ جَمَالًا، هُوَ بِغَيْرِهَا، أَوْ بِعَدَمِهَا سَمِجٌ قَبِيحٌ فَإِنْ كَانَ حَالُ الْخَالِقِ الْمُشَبِّهَةِ الْحَالَ الْأُولَى مِنْ أَنْ يَكُونَ خَالِقٌ قَدِيمٌ سِوَى أَعْضَائِهِ، كَانَ مِنْ ذَلِكَ تَعْطِيلُ الْخَالِقِيَّةِ عَنْهُ، إِذْ سَبَقَهُ خَالِقٌ آخَرُ. وَإِنْ كَانَتِ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ، هِيَ الْحَاجَةَ إِلَيْهَا لِإِمْضَاءِ أَفْعَالِهِ،
- ¶ 25
كَانَ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ القُدْرَةِ وَظُهُورُ العَجْزِ، وَنَفْيُ القُدْرَةِ وَنَفْيُ القَادِرِ تَعْطِيلُهُ. وَإِنْ كَانَتِ الحَالُ الثَّالِثَةُ، وَهُوَ اكْتِسَابُ الزِّينَةِ وَالجَمَالِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الخَالِقُ ذَا أَعْضَاءٍ كَانَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ العَجْزِ عَظِيمٌ جِدًّا، لِأَنَّ مَنْ عَجَزَ أَنْ يَكُونَ جَمِيلًا إِلَّا بِأَعْضَائِهِ وَصُورَتِهِ أَمْكَنَ تَعْطِيلُ صُورَتِهِ وَبُطْلَانُ أَعْضَائِهِ. فَإِذًا يَجِبُ مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ تَعْطِيلًا مَسْتُورًا، وَلَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ المُشَبِّهَةُ. تَعَالَى اللهُ عَنْ كُفْرِهِمْ {عُلُوًّا كَبِيرًا} قُلْ لِلْمُشَبِّهَةِ الكَذَّابِينَ: إِنْ كَانَ قُدْرَةُ المُبْدِعِ فِي كَمَالِهَا بِحَالَةٍ تُبْدِعُ هَذِهِ السَّمَاوَاتِ الرَّفِيعِ بِسَقْفِهَا، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى مَادَّةٍ مِنْهَا تُبْدِعُهَا، فَمَا حَاجَتُهُ إِلَى أَيْدٍ وَأَعْيُنٍ لِإِبْدَاعِهَا؟ وَفِي الشَّاهِدِ لِإِخْرَاجِ المَصْنُوعَاتِ مِنَ الصَّانِعِينَ بِلَا آلَاتٍ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، بِغَيْرِ مَادَّةٍ يَمْتَنِعُ اخْتِرَاعُهَا. فَمَا بَالُ المُبْدِعِ الحَقِّ، تُمَجِّدُهُ بِالأَشْرَفِ الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ فِي الشَّاهِدِ، ثُمَّ تَنْسُبُ إِلَيْهِ آلَاتِ العَجْزِ وَالضَّعْفِ لِظُهُورِ المُبْدَعَاتِ؟ هَلْ يَقْدِرُ مُتَوَهِّمٌ أَنْ يَتَوَهَّمَ كَيْفِيَّةَ ابْتِدَاءِ هَذَا العَالَمِ، وَمِنْ أَيِّ نُقْطَةٍ جَرَى تَكْوِينُهُ، وَإِلَى أَيِّ نُقْطَةٍ بَلَغَتْ نِهَايَتُهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ بِالإِحَاطَةِ عَلَى بَدْءِهِ وَنِهَايَتِهِ، تَوَهُّمُ يَدِ المُبْدِعِ الَّتِي بِهَا صَنَعَ مَا صَنَعَ؟ وَإِنَّمَا قِيلَ: إِنَّ اللهَ خَالِقُ العَالَمِ دَفْعَةً وَاحِدَةً بِأَمْرٍ وَاحِدٍ لِيَرْفَعَ بِهَا تَوَهُّمَ الآلَاتِ وَالأَدَوَاتِ. وَإِنْ كَانَتِ اليَدُ وَالعَيْنُ لِلْمُبْدِعِ سُبْحَانَهُ لِلزِّينَةِ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى إِدْرَاكِ هُوِيَّتِهِ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى تَزَيُّنِهَا بِالآلَاتِ وَالجَوَارِحِ؟ فَسُبْحَانَ اللهِ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ {بُكْرَةً وَأَصِيلًا}!
- ¶ 26
وَكَمَا أَنَّ التَّشْبِيهَ تَعْطِيلٌ مَسْتُورٌ عِنْدَ الْبَحْثِ، فَإِنَّ التَّعْطِيلَ أَيْضًا تَشْبِيهٌ مَسْتُورٌ عِنْدَ الْفَحْصِ، لِأَنَّ الْمُعَطِّلَةَ إِنَّمَا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى إِثْبَاتِ تَعْطِيلِهِمْ بِمَا غَابَ عَنْ حَوَاسِّهِمْ مُشَاهَدَةُ مَنْ أَبْدَعَ الْعَالَمَ الَّذِي نَشَأُوا فِيهِ، وَلَمْ يُعَايِنُوا كَيْفَ حَدَثَ مِثْلُ هَذَا الْعَالَمِ. فَأَنْكَرُوا بِهِ وَالْتَمَسُوا لِاثْبَاتِهِ تَشْبِيهًا لِيُقِرُّوا بِهِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْمُبْدِعَ سُبْحَانَهُ وَرَاءَ حُجُبٍ، لَيْسَ لِلِاسْتِشْهَادِ عَلَيْهِ طَرِيقٌ، وَيَرُومُونَ لِإِثْبَاتِهِ مُشَاهَدَةً كَمُشَاهَدَتِهِمْ كِتَابَةَ الْكُتَّابِ، وَبِنَاءَ الْبَنَّاءِ، وَصِيَاغَةَ الصَّاغَةِ. أَلَيْسَ هَذَا فَضَّ التَّشْبِيهِ الَّذِي مِنْ أَجْلِ فَقْدِهِ وَقَعُوا فِي التَّعْطِيلِ؟ وَأَهْلُ التَّوْحِيدِ قَدْ نَزَّهُوا أَنْفُسَهُمْ وَطَهَّرُوهَا عَنْ أَدْنَاسِ التَّشْبِيهِ إِذْ هُوَ تَعْطِيلٌ، وَعَنْ مَعَايِبِ التَّعْطِيلِ إِذْ هُوَ تَشْبِيهٌ. فَإِذًا التَّشْبِيهُ تَعْطِيلٌ مَسْتُورٌ إِذَا بُحِثَ عَنْهُ. فَاعْرِفْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
Key XVIII: The Sūra of Sincerity agrees with the testimony of faith
¶ 27الْاِقْلِيدُ الثَّامِنَ عَشَرَ: فِي اتِّفَاقِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ مَعَ الشَّهَادَةِ إِنَّ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ صُورَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى صُورَةِ التَّوْحِيدِ، وَفِيهَا اتِّفَاقٌ مَعَ شَهَادَةِ الْإِخْلَاصِ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى طُلِبَ فِي الشَّهَادَةِ الْإِخْلَاصُ لِيَسْتَحِقَّ بِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ. وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى صُورَةِ التَّوْحِيدِ مَا سُمِّيَتْ إِخْلَاصًا. فَأَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. فَإِنَّ نِصْفَهُ إِثْبَاتٌ وَنِصْفَهُ نَفْيٌ. فَالْإِثْبَاتُ مِنْ (قُلْ) إِلَى (الصَّمَدُ)، وَالنَّفْيُ مِنْ (لَمْ) إِلَى بِأَحَدٍ، غَيْرَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ فِي الشَّهَادَةِ بِالنَّفْيِ وَالِانْتِهَاءَ بِالْإِثْبَاتِ. وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ الِابْتِدَاءُ بِالْإِثْبَاتِ وَالِانْتِهَاءُ بِالنَّفْيِ، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ هَذِهِ السُّورَةِ بِ(قُلْ)، وَهُوَ أَمْرٌ.
- ¶ 28
وَابْتِدَاءُ الشَّهَادَةِ بِ«لَا»، وَهُوَ نَفْيٌ. فَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي النَّفْيِ إِثْبَاتٌ حَتَّى يَحْتَوِيَ عَلَى شَيْءٍ يَقَعُ النَّفْيُ عَلَيْهِ. وَمُمْكِنٌ فِي إِثْبَاتِ الْأَشْيَاءِ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ جُعِلَ ابْتِدَاءُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ بِالْأَمْرِ، إِذْ لَيْسَ يُمْكِنُ التَّجَاوُزُ عَنْهُ فِي الْإِشْرَافِ عَلَى تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْهُوِيَّةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ، وَمَوْضُوعَةٌ بَعْدَهُ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ؟ وَقَوْلُهُ هُوَ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَامَ بِأَمْرِ الْوَاحِدِ الْمُتَعَالِي عَنْ سِمَاتِ الْمَرْبُوبِينَ إِنَّمَا هُوَ السَّابِقُ الْمُزْدَوِجُ بِتَالِيهِ، كَازْدِوَاجِ الْهَاءِ مَعَ الْوَاوِ، لِيَظْهَرَ مِنْ بَيْنِهِمَا جَمِيعُ الْهُوِيَّاتِ. وَأَوْقَعَ بَعْدَ إِثْبَاتِ الْهُوِيَّةِ بِلَزْقِ الْأَمْرِ، الِاسْمَ الَّذِي هُوَ اللَّهُ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَصْلَا كُلِّ هُوِيَّةٍ، إِنَّمَا يُظْهِرُ هُمَا إِلَهِيَّةَ الْمُبْدِعِ سُبْحَانَهُ إِذَا اسْتَقَرَّ لَنَا هَا فِي زَوْجِ الْبَشَرِ الَّذِي هُوَ الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ. فَلَمَّا تَرَبَّعَتِ الْهُوِيَّةُ بِتَكْمِلَةِ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ ثَبَتَتْ أَحَدِيَّةُ الْمُبْدِعِ. وَهُوَ تَنْزِيهُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَوْسُومًا بِخَوَاطِرِ التَّأْيِيدِ، أَوْ مَعْلُومًا بِشَوَاهِدِ التَّرْكِيبِ، أَوْ مَشْهُودًا بِجَوَامِعِ التَّأْلِيفِ، أَوْ مُدْرَكًا بِغَوَامِضِ التَّأْوِيلِ.
- ¶ 29
ثُمَّ كَرَّرَ الِاسْمَ وَإِضَافَةً إِلَى صِفَةِ التَّصَمُّدِ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ الَّذِي انْتَهَتْ إِلَيْهِ صَفْوَةُ الْعَالَمِينَ إِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا الدَّعْوَةُ إِلَى إِلَهِيَّةِ الْمُبْدِعِ الْحَقِّ الْمُجَرَّدِ عَنْ سِمَاتِ الْخَلْقِ عِنْدَ ازْدِوَاجِهَا بِالزَّوْجِ الْأَوَّلِ اللَّطِيفِ. ثُمَّ أَخَذَ بِالنَّفْيِ، فَقَالَ: «لَمْ يَلِدْ»، يَعْنِي أَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ أَنْ يَتَوَلَّدَ مِنَ الْمَوْسُومِ بِأَنْ لَا صِفَةَ، وَلَا لَا صِفَةَ، شَيْءٌ لَا مَوْصُوفٌ، وَلَا لَا مَوْصُوفَةٌ، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَلَّدَ مِنَ الْمَوْصُوفِ مَوْصُوفَةٌ، وَمِنْ غَيْرِ الْمَوْصُوفِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ. «وَلَمْ يُولَدْ»، يَعْنِي أَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ أَيْضًا أَنْ يَتَوَلَّدَ لَا مَوْصُوفٌ، وَلَا لَا مَوْصُوفٌ مِنْ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ، أَوْ لَا مَوْصُوفٍ. «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ»، يَعْنِي الْأَحَدِيَّةَ الَّتِي نَزَّهْنَا بِهَا الْمُبْدِعَ، وَقُلْنَا إِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ خَوَاطِرِ التَّأَيُّدِ، وَشَوَاهِدِ التَّرَاكِيبِ، وَجَوَامِعِ التَّأْلِيفِ، وَغَوَامِضِ التَّأْوِيلِ، لَيْسَ هُوَ بِكُفْوٍ لِمَا هُوَ يُمَجَّدُ بِهِ، مُقَدَّسٌ عَنْهُ. لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ هَهُنَا كُفْوُهُ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْإِحَاطَةُ بِهِ مِنْ جِهَةِ اجْتِهَادِ الْإِنْسَانِ. وَالْإِنْسَانُ لَا يُدْرِكُ بِاجْتِهَادِهِ مَا يَلِيقُ بِمَجْدِهِ وَسَنَائِهِ وَإِنَّمَا هُوَ غَايَةُ مَا فِي وُسْعِهِ مِنَ التَّجْرِيدِ وَالتَّنْزِيهِ.
- ¶ 30
وَلَمَّا وَجَدْنَا النَّفْيَ وَالإِثْبَاتَ فِي سُورَةِ الإِخْلَاصِ عَلَى مَا رَسَمْنَاهُ مُوَافِقًا لِقِسْمَعْطِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّ وُجُودَ الأَرْبَعَةِ فِيهَا وُجُودُ الْمِيمَاتِ الأَرْبَعَةِ الْمَنْصُوبَةِ مُقَابِلَ الأُصُولِ الأَرْبَعَةِ، وَمُقَابِلَ الْكَلِمَاتِ الأَرْبَعِ مِنَ الشَّهَادَةِ، إِذْ كُلُّ رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ الأَرْكَانِ مَنْصُوبَةٌ لِمَائِيَّةٍ مَا. فَالسَّابِقُ مَنْصُوبٌ لِمَائِيَّةِ التَّأْيِيدِ، وَالتَّالِي لِمَائِيَّةِ التَّرْكِيبِ، وَالنَّاطِقُ لِمَائِيَّةِ التَّأْلِيفِ، وَالأَسَاسُ لِمَائِيَّةِ التَّأْوِيلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رُكْنٍ مِنَ الأَرْكَانِ مِنَّةٌ مِنْ فَوْقِهِ عَلَى مَنْ دُونَهُ. فَالسَّابِقُ مِنَّةُ أَمْرِ اللَّهِ عَلَى التَّالِي، وَالتَّالِي مِنَّةُ السَّابِقِ عَلَى النَّاطِقِ، وَالنَّاطِقُ مِنَّةُ التَّالِي عَلَى الأَسَاسِ، وَالأَسَاسُ مِنَّةُ النَّاطِقِ عَلَى الأَتِمَّاءِ، وَالأَتِمَّاءُ عَلَى اللَّوَاحِقِ إِلَى آخِرِ الْحُدُودِ.
- ¶ 31
وُجُودُ السَّبْعَةِ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ مُوَافَقَةٌ لِفُصُولِ الشَّهَادَةِ. إِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَجْمَعُ سَبْعَةَ أَشْيَاءَ، وَهُوَ: الْأَمْرُ، وَالْهُوِيَّةُ، وَالْأَحَدِيَّةُ، وَالصَّمَدِيَّةُ، وَنَفْيُ الْوِلَادَةِ، وَنَفْيُ التَّوْلِيدِ، وَنَفْيُ الْكُفُوءِ. وَوُجُودُ الِاثْنَيْ عَشَرِيَّةِ فِيهَا: وُجُودُ اللَّامَاتِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، مُقَابِلَ الْحُرُوفِ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الشَّهَادَةِ، إِذَا الْمَوْضُوعُ مُقَابِلَ الْحُرُوفِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، هُمُ اللَّوَاحِقُ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْمَنْصُوبِينَ فِي الْجَزَائِرِ لِلْكَشْفِ عَنْ لِمِّيَّاتِ الْأَوْضَاعِ. وَوُجُودُ الثَّلَاثَةِ فِيهَا يَتَضَمَّنُ ثَلَاثَةَ مَعَانِيَ: أَمْرٌ، وَإِثْبَاتٌ، وَنَفْيٌ، مُقَابِلَ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي مِنْهَا تَأْلِيفُ الشَّهَادَةِ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 32
وَإِنَّمَا جَعَلَ سُورَةَ الإِخْلَاصِ فِي آخِرِ القُرْآنِ خِلَافَ الشَّهَادَةِ. فَإِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ قَبْلَ سَائِرِ الأَعْمَالِ وَالشَّرَائِعِ، لِأَنَّ القُرْآنَ كَلَامٌ، وَالشَّرِيعَةَ عَمَلٌ. وَالكَلَامُ مَا لَمْ تَكْمُلْ إِنِّيَّتُهُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِخْلَاصِ الَّذِي هُوَ فَصُّ التَّوْحِيدِ. فَإِنَّ سُورَةَ الإِخْلَاصِ لَوْ وُضِعَتْ فِي أَوَّلِ القُرْآنِ، ثُمَّ أُخِّرَتْ بَعْدَهَا السُّوَرُ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الخَالِقِ، وَمَا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنَ الأَفْعَالِ وَالأَعْضَاءِ الَّتِي مَجْرَاهَا مَجْرَى الحُدُودِ، وَتَقْرِيبٌ إِلَى الأَفْهَامِ، كَانَ مِنْ ذَلِكَ الأَلْفَاظِ تَوْهِينًا لِمَا فِي السُّورَةِ مِنَ التَّمْجِيدِ وَالتَّقْدِيسِ. فَلَمَّا أَجْرَى الكَلَامَ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الخَالِقِ وَأَفْعَالِهِ فِي السُّوَرِ الَّتِي قَبْلَ سُورَةِ الإِخْلَاصِ، وَخَتَمَ بِسُورَةِ الإِخْلَاصِ، كَانَتْ مِنْ ذَلِكَ الاِسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ الأَلْفَاظَ الوَاقِعَةَ فِي ذِكْرِ الخَالِقِ إِنَّمَا هِيَ مَجَازٌ وَتَقْرِيبٌ لِلْأَفْهَامِ إِلَى المَعَانِي المَسْتُورَةِ فِيهَا. إِذَا المَعَانِي الَّتِي هِيَ مُتَضَمَّنَةٌ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِمَّا يَنْفِي جَمِيعَ السِّمَاتِ وَالإِضَافَاتِ عَنِ المُبْدِعِ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وَأَجْرَى بَعْدَ هَذِهِ السُّوَرِ المُعَوِّذَتَانِ، وَهُوَ أَنَّ المُؤْمِنَ إِذَا يَسَّرَ اللهُ لَهُ مَعْرِفَةَ الإِخْلَاصِ بِنَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ عَنْ مُبْدِعِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الاِسْتِعَاذَةُ مِنْ وَسَاوِسِ المُشَبِّهَةِ وَالمُعَطِّلَةِ. فَاعْرِفْهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
Key XIX: The Command mediates between the Creator and His creation
¶ 33الإِقْلِيدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: فِي أَنَّ الأَمْرَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الخَالِقِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ قَدِ اعْتِيدَ أَنْ يُقَالَ فِي المَثَلِ لِلشَّيْءِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى غَايَةِ المُرَادِ: أَ أُمِرْتَ بِهِ، أَوْ «كَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ»؟ وَلَمَّا كَانَ العَالَمُ بِأَسْرِهِ وَبِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَأَحْوَالِهِ وَقَعَ بِغَايَةِ الحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ إِرَادَةُ الخَالِقِ، تَعَالَى ذِكْرُهُ، قِيلَ مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ: إِنَّهُ قَامَ بِأَمْرِهِ. وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَ الأَمْرُ عِلَّةَ الخَلْقِ مِنَ البَدْءِ إِلَى الانْتِهَاءِ، وُجِدَ الخَلْقُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ يُؤَدِّي مِنْ نَفْسِهِ وَجَوْهَرِهِ حَالًا، لَا يَتَغَيَّرُ عَنْهُ وَلَا يَزُولُ، كَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَمَجْبُولٌ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ الخَلْقُ مَفْعُولًا بِغَيْرِ أَمْرٍ، لَوُجِدَ فِيهِ الاسْتِعْصَاءُ، لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الأَحَايِينِ. فَلَمَّا وُجِدَ الخَلْقُ مِنَ البَدْءِ إِلَى الانْتِهَاءِ مَجْبُولًا عَلَى أَشْيَاءَ، لَا يَتَعَدَّاهَا وَلَا يَتَجَاوَزُهَا، عُلِمَ أَنَّهُ قَامَ بِأَمْرِ مُبْدِعِهِ وَخَالِقِهِ.
- ¶ 34
وَلَعَلَّ بَعْضَ الْجُهَّالِ الْمُتَفَلْسِفِينَ يَطْلُبُونَ الدَّلِيلَ عَلَى إِثْبَاتِهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: بِأَيِّ دَلِيلٍ أَثْبَتُّمُ الصَّانِعَ حَتَّى يَثْبُتَ لَكُمْ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ أَمْرُهُ الَّذِي هُوَ إِرَادَتُهُ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: هَلِ الْبَارِئُ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ، أَمْ لَمْ يُرِدْ؟ فَإِنْ قَالُوا: أَرَادَ، ثَبَتَ الْأَمْرُ بِثُبُوتِ الْإِرَادَةِ. وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُرِدْ، قِيلَ لَهُمْ: فَكَوْنُ الْخَلْقِ، لَا بِإِرَادَةِ الصَّانِعِ، تَعْطِيلٌ لِلصَّانِعِ. وَهُوَ فَصُّ هَذَا الْمَذْهَبِ وَأُسُّهُ. وَاللَّهُ، جَلَّ جَلَالُهُ، أَجَلُّ وَأَعْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مِنْهُ كَفِعْلِ السُّخُونَةِ مِنَ النَّارِ، وَالضَّوْءِ مِنَ الشَّمْسِ، لِأَنَّ الْأَفْعَالَ إِذَا كَانَتْ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ، كَانَ هُوَ وَفَاعِلُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ. وَحَاشَى لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ وَهُوِيَّتُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ عَلَى مَا شَرَحْنَا مِنْهُ فِي الْإِقْلِيدِ الَّذِي أَبْطَلْنَا فِيهِ أَنَّهُ عِلَّةُ خَلْقِهِ فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 35
وَثَبَاتُ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ مَعْلُولٍ عَلَى جَوْهَرِيَّتِهِ وَغَرِيزَتِهِ مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ، وَلَا تَغْيِيرٍ، عَمَّا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَاسِطَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُبْدِعِ. وَصَارَ الْعَالَمُ مُبْدَعًا بِالْأَمْرِ، لِأَنَّ الْعَالَمَ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَتَغَيَّرُ عَنْهَا، وَلَا يَتَبَدَّلُهَا غَيْرُهَا. وَالْعَقْلُ هُوَ الْخَاضِعُ لِأَمْرِ مَنْ هُوَ مُبْدِعُهُ. لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَمْرًا كَانَ اسْتِفَادَةً أَوْ طَبِيعَةً، وَالْمُسْتَفِيدُ مُنْتَقِلُ الْحَالَاتِ، مُكْتَسِبُ الدَّرَجَاتِ، وَالْمَطْبُوعُ مُخْتَلِفُ الْأَزْمِنَةِ، مُتَبَدِّلُ الْأَمْكِنَةِ. وَالْخَاضِعُ لِأَمْرِ الْمُبْدِعِ بِالْوَسَاطَةِ سَاكِنُ الْهُوِيَّةِ، مُسْتَوْطِنُ الْجَوْهَرِيَّةِ. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ قُلْنَا: إِنَّ الْأَمْرَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ.
- ¶ 36
أَلَا تَرَى، أَنَّ الشَّرَائِعَ الَّتِي قِيلَ إِنَّهَا أَمْرُ اللَّهِ، لَا تَزُولُ عَنْ حَالَتِهَا، وَلَا يَسَعُ الْمَرْءَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا أَوْ يَنْقُصَ عَنْهَا وَإِنْ كَانَ إِيقَاعُ اسْمِ الْأَمْرِ عَلَيْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ مَجَازًا، لَا حَقِيقَةً، بَلْ إِنَّمَا وَقَعَ اسْمُ الْأَمْرِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا قَدْ نَزَلَتْ عَلَى قَلْبِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّنْ هُوَ مَحَلُّ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ. فَلَمَّا وُجِدَ الْأَمْرُ الْمَجَازِيُّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ مِنْ ثَبَاتِهِ عَلَى حَالَةٍ، كَانَ أَحْرَى وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي هُوَ أَمْرُ اللَّهِ، مِمَّا لَا زَوَالَ لَهُ، وَلَا مِمَّنْ هُوَ مُتَّحِدٌ بِهِ، يَقَعُ بِهِ تَغْيِيرٌ وَزَوَالٌ. فَاعْرِفْهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْوَهْمَ لَا يَسْبِقُ إِلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مَا تَفَرَّدَ فِي شَيْءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ شَيْءٌ. فَإِمَّا أَنْ تَسْتَدِلُّوا عَلَيْهِ مِنَ الشَّوَاهِدِ، أَوْ تَنْفُوهُ عَنِ الْغَائِبِ. قِيلَ لَهُ:
- ¶ 37
الِاسْتِدْلَالُ بِالشَّاهِدِ غَيْرُ مُمْكِنٍ مِنْ نَفْسِ الْمَأْمُورِ بِعُكُوفِهِ عَلَيْهِ. فَلَمْ يُفَارِقْهُ لِتَبْقَى إِنِّيَّةُ الْمَأْمُورِ، وَالْمُجَاوَزَةُ عَنِ الْمَأْمُورِ الَّذِي قَامَ هَذَا الْأَمْرُ أَبْعَدُ مِنَ الْإِمْكَانِ، إِذْ لَيْسَ وَرَاءَ الْمَأْمُورِ شَاهِدٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ. وَنَفْيُ هَذَا الْأَمْرِ مَنْ يَقْدِرُ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَعَلَى تَشْبِيهِهِ، بَعْدَ نَفْيِ الْأَزَلِيَّةِ عَنْ هَذَا الْعَالَمِ، وَعَنْ هَيُولَاهُ أَقْرَبُ إِلَى الِامْتِنَاعِ. أَلَا تَرَى، أَنَّ حَرْفَيْ «كُنْ» الَّذِي هُوَ "الْأَمْرُ،" كَيْفَ دَخَلَا فِي حُرُوفِ «فَيَكُونُ» الَّذِي هُوَ الْمَأْمُورُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ غَايَتُهُ وَفَايِتَةٌ، إِذْ خَاتِمَةُ حُرُوفِ «فَيَكُونُ» بِالنُّونِ الَّذِي هُوَ آخِرُ حَرْفَيْ «كُنْ». وَلَا يَقَعُ السُّؤَالُ عَمَّا وَرَاءَ الْمَأْمُورِ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى نَفْسِ الْأَمْرِ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 38
وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَوَالِيدِ الْعَجِيبَةِ، وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْأَجْرَامِ الْمُضِيئَةِ الْمَوْضُوعَةِ فِي أَقْدَارٍ وَقِسِيٍّ وَأَوْتَارٍ غَيْرِ مُسَاوِيَةٍ، عَلِمَ أَنَّ تَصْوِيرَ الْآلَاتِ وَتَقْدِيرَ الْفِكْرِ لَا يُمْكِنُ نَقْشُ مِثْلِهَا. إِذْ تَصْوِيرُ الْآلَاتِ وَتَقْدِيرُ الْفِكْرِ مَرْهُونَتَانِ فِي وُجُودِ مَا هُوَ أَضْعَافُ مَا يَقَعُ النَّقْشُ وَالتَّقْدِيرُ فِيهِ. فَأَمَّا أَنْ تَنْقَطِعَ الْمَوَادُّ وَالصُّوَرُ وَالْأَمْثِلَةُ، فَلَا مَسَاغَ لِشَيْءٍ دُونَ الْأَمْرِ الَّذِي عَلَا الْأَزْمِنَةَ وَالْأَمْكِنَةَ وَالْحَرَكَاتِ وَالدُّهُورَ. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ قُلْنَا: إِنَّ الْأَمْرَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ. فَاعْرِفْهُ.
Key XXVII: The word «lā», the particle of negation
¶ 39الْإِقْلِيدُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: فِي كَلِمَةِ «لَا» الَّذِي هُوَ حَرْفُ النَّفْيِ وَالسَّلْبِ «فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ» يُذْكَرُ مَا فِي الشَّهَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَنْ: لِمَ ابْتَدَأَتْ بِكَلِمَةِ «لَا» الَّذِي هُوَ حَرْفُ النَّفْيِ وَالسَّلْبِ وَمَا فِيهَا، أَعْنِي فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ الْحِكَمِ، وَالْعُلُومِ الْمَسْتُورَةِ؟ فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الرُّمُوزِ، ثُمَّ أَثْبَتَ مُبْدِعَهُ، كَانَ آمِنًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ. وَمَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْأَسْرَارِ، كَانَ إِثْبَاتُهُ مُبْدِعَهُ بِمَا قَدْ سَلَكَ فِيهِ نَفْيُهُ الَّذِي ابْتَدَأَتِ الشَّهَادَةُ لَهُ بِهِ. فَأَقُولُ فِي الشَّرْحِ عَنْهُ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَسْدِيدِهِ: إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مَوْسُومَةٌ مَرَّةً بِحَرْفٍ، وَمَرَّةً بِكَلِمَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ حَرْفَيْنِ. فَسِمَتُهُ بِالْحَرْفِ الْوَاحِدِ عَلَى أَنَّ الْإِبْدَاعَ هُوَ الَّذِي نَفَى عَنْهُ مَا وُجِدَ فِيمَا هُوَ عِلَّتُهُ مِنَ الْأَيْسِيَّاتِ، وَسِمَتُهُ بِالْكَلِمَةِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ حَرْفَيْنِ عَلَى أَنَّ السَّابِقَ لَمَّا ازْدَوَجَ بِتَالِيهِ، وَسَاحَتْ فِيهِمَا كَلِمَةُ مُبْدِعِهِمَا، فَقَدْ نَفَيَا عَنْهُ مَا حَصَرَتْهُ هُوِيَّتُهُمَا مِنَ الْبَسِيطِ وَالْكَثِيفِ.
Quotes the Quran 54:15 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 40
وَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ ثَلَاثَةِ خُطُوطٍ: خَطَّانِ فِي الطُّولِ، وَخَطٌّ فِي الْعَرْضِ؛ وَمِنْ أَرْبَعِ زَوَايَا: ثَلَاثُ زَوَايَا فِي الْمُثَلَّثِ، وَالزَّاوِيَةُ الرَّابِعَةُ عِنْدَ تَقَاطُعِ الْخَطَّيْنِ عَلَى الْمُقَابَلَةِ. وَإِنَّ زَاوِيَتَيْنِ مِنَ الزَّوَايَا الْأَرْبَعِ مُتَسَاوِيَتَانِ، وَهُمَا الزَّاوِيَتَانِ الْمُقَابِلَتَانِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى عِنْدَ تَقَاطُعِ الْخَطَّيْنِ، وَالزَّاوِيَتَانِ الْبَاقِيَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ وَإِنَّ الْخَطَّيْنِ لَا يَلْتَقِيَانِ عُلُوًّا، كُلَّمَا مُدَّا يَكُونُ تَبَاعُدُهُمَا أَكْثَرَ.
- ¶ 41
فَمَعْنَى تَأْلِيفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ الْخُطُوطِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْأَصْلَيْنِ وَالْأَمْرِ، وَالزَّوَايَا الْأَرْبَعُ عَلَى الْأَسَاسَيْنِ وَالْفَرْعَيْنِ، وَالزَّاوِيَتَانِ الْمُقَابِلَتَانِ عَلَى الْأَسَاسَيْنِ، لَا يَخْتَلِفَانِ وَلَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرُ مُخْتَلِفَيْنِ. لَا يَزِيدُ تَأْوِيلُ الْأَسَاسِ عَلَى تَنْزِيلِ النَّاطِقِ، وَلَا تَنْزِيلُ النَّاطِقِ يَنْقُصُ عَنْ تَأْوِيلِ الْأَسَاسِ. وَالزَّاوِيَتَانِ الْمُخْتَلِفَانِ عَلَى الْفَرْعَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا هُوَ الْمُتِمُّ فَوْقَ صَاحِبِهِ، وَهُوَ اللَّاحِقُ. وَإِنَّ مِنَ الزَّاوِيَتَيْنِ الْمُتَقَابِلَتَيْنِ وَاحِدَةً مِنْهُمَا أَعْلَى مِنْ صَاحِبِهِ وَالْآخَرَ تَحْتَهُ، عَلَى أَنَّ النَّاطِقَ أَعْلَى مِنَ الْأَسَاسِ، وَالْأَسَاسَ جَارٍ تَحْتَ حُكْمِهِ وَشَرِيعَتِهِ. وَإِنَّ الْخَطَّيْنِ لَا يَلْتَقِيَانِ عُلُوًّا أَبَدًا، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَيْنِ لَمَّا نَفَيَا عَنْ مُبْدِعِهِمَا سِمَاتِ خَلْقِهِ وَصِفَاتِ بَرِيَّتِهِ، فَإِنَّهُمَا لَوْ جَهَدَا عَلَى أَنْ يُدْرِكَا مُبْدِعَهُمَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَمْ يُمْكِنْهُمَا ذَاكَ، بَلْ كُلَّمَا زَادَ فِي الْجَهْدِ زَادَ عَنْهُ بُعْدًا، كَمَا أَنَّ الْخَطَّيْنِ إِنْ أُخْرِجَا بِلَا غَايَةٍ زَادَا بُعْدًا عَنِ الِالْتِقَاءِ وَالِاجْتِمَاعِ.
- ¶ 42
وَإِنَّ حَرْفًا مِنْ حَرْفَيْ «لَا»، وَهُوَ اللَّامُ، الْحَرْفُ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ حُرُوفِ الْجُمَّلِ، وَالْحَرْفُ الْآخَرُ وَهُوَ الْأَلِفُ، الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مِنْهُ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ جَمِيعَ الْحِسَابِ مَرْبُوطٌ بِالِاثْنَيْ عَشَرَ. لَا يَخْرُجُ عَنْهُ عَدَدٌ لِأَنَّ الْحِسَابَ تِسْعَةٌ، وَالْعُقُودَ بَعْدَ التِّسْعَةِ ثَلَاثَةٌ: وَهِيَ الْعَشَرَاتُ وَالْمِئُونَ وَالْأُلُوفُ. فَالْعُقُودُ الثَّلَاثَةُ مَعَ الْحُرُوفِ التِّسْعَةِ يَكُونُ اثْنَىْ عَشَرَ عَلَى أَنَّ مُبْدِعَ الْعَالَمَيْنِ بِمَا فِيهِمَا قَدْ تَعَاظَمَ عَنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَدَدٍ، أَوْ يُحِيطَ بِهِ عَدَدٌ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ سِمَاتُ الْأَعْدَادِ، وَسِمَةُ عِلَّةِ الْأَعْدَادِ الَّذِي هُوَ الْوَاحِدُ، بَلْ هُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا يَتَكَثَّرُ وَلَا يَتَعَدَّدُ، بَلْ هُوَ الَّذِي انْبَجَسَ مِنْ أَمْرِهِ كُلُّ عَدَدٍ وَمَعْدُودٍ بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْأَفْرَادِ وَالْأَزْوَاجِ وَالْمُنَاسَبَاتِ الَّتِي تَكِلُّ النِّهَايَةُ عَنْ إِحْصَائِهَا، وَالْغَايَةُ عَنْ أَجْزَائِهَا. فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ وَإِنَّ حَرْفَ اللَّامِ مَوْضُوعٌ فِي الْحِسَابِ مَوْضِعَ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْعَدَدِ، وَالْأَلِفَ مَوْضِعَ الْوَاحِدِ مِنَ الْعَدَدِ، عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَنْفِيَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا يَجِدُهُ فِي الْعَوَالِمِ الثَّلَاثِ مِنَ الْعَشَرَاتِ الثَّلَاثَةِ، وَعَمَّا يَجِدُ فِي عِلَّةِ الْعَوَالِمِ الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ أَمْرُهُ.
Quotes the Quran 23:14 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 43
فَأَحَدُ العَوَالِمِ الثَّلَاثَةِ عَالَمُ الطَّبِيعَةِ الَّذِي اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَى الجَوْهَرِ وَالأَعْرَاضِ التِّسْعَةِ مِنَ الكَمِّيَّةِ، وَالكَيْفِيَّةِ، وَالمُضَافِ، وَالزَّمَانِ، وَالمَكَانِ، وَالجِدَةِ، وَالنُّصْبَةِ، وَالفَاعِلِ، وَالمَفْعُولِ. وَالعَالَمُ الآخَرُ عَالَمُ النَّفْسِ الَّذِي اسْتَقَرَّ أَمْرُهَا فِي البَشَرِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ المَوَالِيدِ عَلَى الحَوَاسِّ الخَمْسِ الظَّاهِرَةِ مِنَ السَّمْعِ، وَالبَصَرِ، وَالشَّمِّ، وَالذَّوْقِ، وَالمَسِّ؛ وَعَلَى الحَوَاسِّ الخَمْسِ البَاطِنَةِ الَّتِي هِيَ الخَاطِرُ، وَالفِكْرُ، وَالذِّهْنُ، وَالعَقْلُ، وَالحِفْظُ. وَالعَالَمُ الثَّالِثُ عَالَمُ الوَضْعِ الَّذِي اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَى الحُدُودِ العَشَرَةِ مِنَ الرُّوحَانِيَّةِ وَالجِسْمَانِيَّةِ الَّذِينَ هُمُ: الأَصْلَانِ، وَالجَدُّ، وَالفَتْحُ، وَالخَيَالُ، وَالنَّاطِقُ، الأَسَاسُ، وَالمُتِمُّ، وَاللَّوَاحِقُ، وَالجَنَاحُ.
- ¶ 44
وَإِنَّ كَلِمَةَ «لَا» عَلَى مَا يَقَعُ فِي اللَّفْظِ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ بِالتَّكْرَارِ. وَالْحُرُوفُ الْأَرْبَعَةُ هِيَ: الْأَلِفُ، وَاللَّامُ، وَالْمِيمُ، وَالْفَاءُ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَلَى الْأَصْلَيْنِ، وَالْمِيمَ وَالْفَاءَ الْوَاقِعَيْنِ عَلَى الْأَسَاسَيْنِ، وَالْأَلِفَ وَاللَّامَ الْآخَرَ الْوَاقِعَتَانِ فِيهِ هُمَا كَلِمَةُ نَفْيٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَيْنِ وَالْأَسَاسَيْنِ قَدْ نَفَيَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَا وُجِدَ فِي الْعَالَمَيْنِ مِنَ الْبَسِيطِ وَالْكَثِيفِ حَتَّى صَحَّ لَهُمْ تَجْرِيدُ التَّوْحِيدِ. وَإِنَّ الْمَنْطِقِيِّينَ قَدَّمُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَى السُّورِ عِنْدَ السَّلْبِ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمَا لَوْ أُخِّرَتْ عَنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كَانَتِ الْقَضِيَّةُ مُهْمَلَةً، غَيْرَ مَحْصُورَةٍ، كَقَوْلِهِمْ: كُلُّ إِنْسَانٍ كَاتِبٌ. فَلَوْ قِيلَ: كُلُّ الْإِنْسَانِ كَاتِبٌ، كَانَتِ الْقَضِيَّةُ مُهْمَلَةً، وَلَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِلْقَضِيَّةِ الْأُولَى حَتَّى يُقَالَ: لَا كُلُّ إِنْسَانٍ كَاتِبًا، عَلَى أَنَّهُ إِنْ أُثْبِتَ شَيْءٌ ثُمَّ نُفِىَ عَنِ التَّوْحِيدِ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ، كَانَ التَّوْحِيدُ مُهْمَلًا، غَيْرَ صَحِيحٍ.
- ¶ 45
وَ كَلِمَةٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ تَقُومُ مَقَامَ «لَا» فِي الْعِبَارَةِ، وَهُوَ كَلِمَةُ «لَيْسَ». وَلَيْسَ هُوَ «لَا أَيْسَ» عَلَى أَنَّ النَّفْيَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ يَحْتَوِي بِجَمِيعِ الْأَيْسِيَّاتِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَيْسِيَّاتِ وَالْأَحْوَالِ. وَيَكُونُ إِثْبَاتُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ كُلِّ إِثْبَاتٍ طَبِيعِيٍّ وَرُوحَانِيٍّ، إِنَّمَا هُوَ وَرَاءَ مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ كَلِمَةُ «لَيْسَ». وَإِنَّ «الْأَيْسَ» سِمَةُ الْعِلَّةِ، وَإِنَّ «اللَّيْسَ» نَفْيٌ. فَمَعْنَاهَا أَنَّ الْبَارِئَ مُقَدَّسٌ عَنْ سِمَاتِ الْعِلَلِ، مُنَزَّهٌ عَنْ نُعُوتِهَا. وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ: لَامٌ، وَيَاءٌ، وَسِينٌ. فَهُوَ عَلَى الْأَسَاسَيْنِ وَالْمُتِمِّ، يَعْنِي أَنَّهُمْ قَامُوا فِي الْعَالَمِ الْجِسْمَانِيِّ مَقَامَ الْأَصْلَيْنِ فِي الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ، بِنَفْيِ الصِّفَاتِ وَالْإِضَافَاتِ عَنْ مُبْدِعِ الْعَالَمِينَ. وَاللَّامُ مِنْهَا عَلَى النَّاطِقِ، وَالْيَاءُ عَلَى الْأَسَاسِ، السِّينُ عَلَى الْأَتِمَّاءِ السِّتَّةِ فِي دَوْرِ نَاطِقِنَا عَلَيْهِمُ السَّلَامُ قَبْلَ بُلُوغِ الْأَمْرِ إِلَى الْقَائِمِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ حَرْفُ السَّلْبِ فِي "الْفَصْلِ الرَّابِعِ مِنَ الْمَقَالَةِ السَّابِعَةِ" مِنْ كِتَابِ إِثْبَاتِ النُّبُوءَةِ فَاعْرِفْهُ.
Key XXVIII: The Command of God is beyond being created, being the cause of creation
¶ 46الْاِقْلِيدُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: فِي أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ مُقَدَّسٌ عَنِ الْخِلْقَةِ إِذْ هُوَ عِلَّةُ الْخَلْقِ لَوْ عَمِلَ التَّخْلِيقُ فِي الْأَمْرِ حَتَّى أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقَةٌ، عَمِلَ فِيهِ مَا يَعْمَلُ فِي الْمَخْلُوقِينَ حَتَّى لَا يَمْتَنِعَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مُؤَيَّسٌ. إِذِ السِّمَةُ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ سَوَاءٌ، رُوحَانِيًّا كَانَ، أَوْ جِسْمَانِيًّا. إِنَّهَا مُؤَيَّسَةٌ، وَمِنْ بَعْدِ التَّأْيِيسِ إِنَّهَا مُشَيَّأَةٌ، وَمِنْ بَعْدِ التَّشَيُّءِ إِنَّهَا مُجَوْهَرَةٌ، وَمِنْ بَعْدِ التَّجَوْهُرِ إِنَّهَا مَسْبُوقَةٌ بِعِلَلٍ قَدْ سَبَقَتْهَا. فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ مُؤَيَّسًا، وَالْمُؤَيَّسُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ مِنْهُ مُؤَيَّسٌ مِنْ أَيْسٍ، وَضَرْبٌ مِنْهُ مُؤَيَّسٌ لَا مِنْ أَيْسٍ. فَإِلَى أَيِّ الضَّرْبَيْنِ يُنْسَبُ تَأْيِيسُ الْأَمْرِ؟ زَحَرَهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ. إِذِ الْأَمْرُ إِنْ كَانَ مُؤَيَّسًا مِنْ أَيْسٍ، وَذَلِكَ الْأَيْسُ قَدْ تَأَيَّسَ لَا بِأَمْرٍ، فَهَلَّا أَيَّسَ الْمُؤَيِّسُ الْأَيْسِيَّاتِ بِغَيْرِ الْأَمْرِ؟ إِذْ أَمْكَنَ تَأْيِيسُ أَيْسٍ لَا بِأَمْرٍ. وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ مُؤَيَّسًا، لَا مِنْ أَيْسٍ، وَالْعَقْلُ أَيْضًا مُؤَيَّسٌ، لَا مِنْ أَيْسٍ، وَلَا مِنْ أَيْسٍ الَّذِي الْعَقْلُ مُؤَيَّسٌ بِهِ، هُوَ الْأَمْرُ. نَتِيجَةُ هَذَا الْقَوْلِ: إِنَّ الْأَمْرَ مُؤَيِّسٌ، لَا مُؤَيَّسٌ. إِذْ لَا مِنْ أَيْسٍ، لَيْسَ بِمُؤَيَّسٍ. فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ بِمُؤَيَّسٍ.
- ¶ 47
وَإِذَا رُفِعَ التَّأْيِيسُ عَنْهُ رُفِعَ التَّشَيُّءُ عَنْهُ، وَفِي رَفْعِ التَّشَيُّءِ عَنْهُ رَفْعُ التَّجَوْهُرِ عَنْهُ، وَفِي رَفْعِ التَّجَوْهُرِ عَنْهُ رَفْعُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةٌ سَبَقَتْهُ. وَفِي رَفْعِ التَّأْيِيسِ وَالتَّشَيُّءِ وَالتَّجَوْهُرِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ عِلَّةٌ سَابِقَةً عَلَيْهِ، رَفْعُ التَّخْلِيقِ عَنْهُ. إِذْ تَتَبُّعُ التَّخْلِيقِ فِي جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ وَاقِعٌ فِي هَذِهِ الْأَضْرُبِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. فَقَدْ صَحَّ أَنَّ أَمْرَ اللهِ، جَلَّ ذِكْرُهُ، مُقَدَّسٌ عَنِ الْخِلْقَةِ. فَاعْرِفْهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْأَمْرَ مِنَ الْآمِرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِرَادَةٍ. وَإِذَا سَبَقَتِ الْإِرَادَةُ الْأَمْرَ، كَانَتْ عِلَّتَهُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا ظَهَرَ. وَمَا هُوَ مَسْبُوقُ عِلَّةٍ، وَعِلَّتُهُ سَابِقَةٌ، كَانَ التَّخْلِيقُ لَازِمًا. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ قُلْنَا: مَخْلُوقٌ. يُقَالُ لَهُ: إِنَّ الْإِرَادَةَ سَبَقَتِ الْأَمْرَ، إِذَا كَانَ الزَّمَانُ يَتْبَعُهُ، وَالْكِيَانُ يَحْكُمُهُ، وَالْمَكَانُ يَعْتَوِرُهُ.
- ¶ 48
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ مِنَ الْمُبْدِعِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّقْرِيبِ، فَتَعَاظَمَ عَنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى إِرَادَةٍ أَوْ وُجُودٍ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ يُقَارِنُهُ، وَالْمَكَانُ يُجَاوِرُهُ، وَالْكِيَانُ يُبَاشِرُهُ. فَلَا يُقَالُ: إِنَّ سَبْقَهُ الْإِرَادَةُ، وَلَا وُجُودٌ، بَلْ هُوَ، لَا مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُورِ. مَحْرُوسٌ يُحْجَبُ إِذَا دَنَا إِلَيْهِ أَدْنَى أَيْسٍ، أَوْ أَيْسَرُ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ. إِذْ لَمْ يَجِدْ هُوِيَّتَهُ خَارِجَةً عَنْ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ سَابِقَهُ وَمُظْهِرَهُ حَتَّى الْإِبْدَاعِ. فَمَنْ هُوَ فِي سِتْرِ الْحِجَابِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَيَكُونُ لِلتَّحْلِيقِ نَحْوَهُ سَبِيلٌ، أَمْ لِلتَّفْطِيرِ تِلْقَاءَهُ اتِّجَاهٌ؟ فَإِذَا الْأَمْرُ مُقَدَّسٌ عَنِ الْخِلْقَةِ إِذْ هُوَ عِلَّةُ الْخَلْقِ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 49
وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ خَلْقًا، قَدْ خَلَقَهُ الْمُبْدِعُ لِيَكُونَ بِهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقِينَ. وَكَانَ الْعَقْلُ أَوَّلَ خَلْقٍ بِالْأَمْرِ الَّذِي زُعِمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ. وَوَجَدْنَا كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ تَكُونُ تَمَامِيَّتُهُ عَلَى قَدْرِ سَبْقِهِ. فَمَا كَانَ أَسْبَقَ كَانَ أَتَمَّ. وَمَا كَانَ بَعْدَهُ كَانَ أَنْقَصَ مِمَّا سَبَقَهُ. فَيَجِبُ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ أَتَمَّ مِنَ الْعَقْلِ. وَإِذَا ثَبَتَتِ التَّمَامِيَّةُ لِلْأَمْرِ، ثَبَتَ النُّقْصَانُ فِي الْعَقْلِ بِمِقْدَارِ تَأَخُّرِهِ عَمَّا سَبَقَهُ، كَمَا وَجَدْنَا فِي التَّالِي مِنَ النُّقْصَانِ بِمِقْدَارِ تَأَخُّرِهِ عَنْ سَابِقِهِ، لَا تَأَخُّرٍ زَمَانِيٍّ. وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ شَيْءٌ مِنَ النُّقْصَانِ، بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ التَّمَامِيَّةِ وَالْكَمَالِ. فَإِذَا ثَبَتَتِ التَّمَامِيَّةُ فِي الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ إِمْكَانِ تَوَهُّمِ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ أَتَمَّ مِنْهُ، ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ. إِذْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ مَخْلُوقًا لَسَبَقَ الْعَقْلَ بِالتَّمَامِيَّةِ، وَتَأَخَّرَ الْعَقْلُ عَنْهُ بِالنُّقْصَانِ. فَإِذًا الْأَمْرُ مُقَدَّسٌ عَنِ الْخِلْقَةِ، إِذْ هُوَ عِلَّةُ الْخَلْقِ. فَاعْرِفْهُ.
Key XXXI: Being does not befit the originated, let alone the Originator
¶ 50الإِقْلِيدُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: فِي أَنَّ الْوُجُودَ لَا يَلِيقُ بِالْمُبْدَعِ فَضْلًا عَنِ الْمُبْدِعِ سُبْحَانَهُ لَيْسَ إِحَاطَةُ الْعَقْلِ بِالْمَعْدُومِ بِدُونِ إِحَاطَةٍ بِالْمَوْجُودِ مِمَّا يَنْحَصِرُ فِي الْهَيُولَى وَالصُّورَةِ. وَالْإِحَاطَةُ فِي الْمَعْدُومِ مَا يَنْزَوِي عَنِ الْهَيُولَى وَالصُّورَةِ. فَلَوْ قُلْنَا: إِنَّ الْعَقْلَ مَوْجُودٌ، وَجَبَ أَنْ يَسْبِقَ وُجُودَهُ شَيْءٌ، بِهِ يَثْبُتُ وُجُودُهُ. وَلَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ تَوَهُّمُ الْعَدَمِ فِي وُجُودِهِ مِمَّا لَا يَتَنَحَّى عَنْهُ. وَإِذَا لَزِمَ عَدَمُهُ أَنْ لَا يَتَنَحَّى عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ هُوَ وَاحِدٌ، بَلْ ثَلَاثَةٌ: وُجُودُهُ، وَعَدَمُهُ، وَمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ، وَهِيَ الصُّورَةُ الْمُلَائِمَةُ لَهُ. وَإِذَا لَزِمَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَكُنْ عَقْلًا، بَلْ مَعْقُولًا، لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْمَعْقُولَ هُوَ الْعَقْلُ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ مِمَّا قَدِ احْتَاطَ بِهِ وَاسْتَخْدَمَهُ. فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ الْعَقْلَ هُوَ جَوْهَرُ الْخَلَائِقِ وَمِرْآةُ الْمُؤَيَّسَاتِ الَّتِي بِهَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهَا كَمَا هِيَ، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ يَلْحَقُهُ، وَالْعَدَمُ مِمَّا يَتْبَعُهُ، أَوِ الصُّورَةُ يَشْتَمِلُهُ، بَلْ بِهِ يَتَقَرَّرُ فِي النَّفْسِ:
- ¶ 51
هَلْ وُجُودٌ، أَمْ لَا؟ أَمْ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْخَلِيقَةِ يَنْبَجِسُ الْوُجُودُ أَوْ فِي أَيِّ نَوْعٍ مِنَ الْبَرِيَّةِ يَشْتَبِكُ الْوُجُودُ وَإِنْ كَانَ لِلنَّفْسِ إِذَا صَعِدَتْ بِشَوْقِهَا إِلَى قَبُولِ فَوَائِدِهِ أَنْ تَتَوَهَّمَ أَنَّ مِنْ وُجُودِ ت يَسْتَبِيعُ عَلَيْهِ الْأَنْوَارُ، لَكِنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّ مِنْ إِفَاضَةِ الْعَقْلِ. إِنَّهُ لَا يُضْبَطُ بِوُجُودٍ تَمْتَدُّ النَّفْسُ مَعَهُ فَتُدْرِكُهُ، بَلْ هُوَ النُّقْطَةُ الَّتِي مِنْهَا نَشْأَةُ الْعَالَمَيْنِ بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْخِلْقَةِ، وَتَنْزَوِي غَايَةَ الِانْزِوَاءِ، لِتَنْتَعِشَ فِي أَنْوَارِهِ، وَتَبْلُغَ إِلَى حَظِيرَةِ قَرَارِهِ. فَتَكُونُ لَهَا الرَّوْحُ وَالرَّاحَةُ وَالسُّكُونُ وَالدَّعَةُ. وَإِذَا كَانَ مِنْ شَرَفِ السَّابِقِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ تَمَجَّدَ عَنْ إِضَافَةِ الْوُجُودِ أَوِ الْعَدَمِ إِلَيْهِ، إِذْ هُوَ أَخْفَى مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلنَّفْسِ امْتِدَادٌ مَعَ وُجُودِهِ.
- ¶ 52
فَمُبْدِعُهُ وَبَارِيهِ أَمْجَدُ، وَأَعْلَى سُبْحَانِيَّتُهُ وَقُدْسَانِيَّتُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ يَدْنُو إِلَى سُبْحَانِ مَجْدِهِ. «فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» وَلَعَلَّ قَائِلًا سَيُفْظِعُ مَا رَسَمْنَاهُ، وَيَسْتَنْكِرُ مَا نَزَّهْنَا بِهِ الْمُبْدِعَ. وَالْمُبْدَعُ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يُشَارِكَ شَيْئًا مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ مَا دُونَهُمَا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ. وَلَيْسَ عَجْزُنَا عَنْ دَرْكِ مَا الْمُبْدِعُ وَالْمُبْدَعُ ثَابِتَانِ بِمُوجِبِ تَعْطِيلِي لَهُمَا، إِذْ تَكَبُّرُهُمَا عَنِ الْجَوَلَانِ فِي آلَاتِ دَرْكِنَا مِنَ الْحَوَاسِّ وَالْأَوْهَامِ، أَثْبَتُ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ وَالْمُتَوَهَّمَاتِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نُثْبِتُ شَيْئًا الا هَاتَيْنِ الْآلَتَيْنِ. كَذَلِكَ لَيْسَ عَجْزُنَا عَنْ دَرْكِ الْمَجْدِ وَالشَّرَفِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَثْبَتَا الْمُبْدِعَ وَالْمُبْدَعَ بِمُوجِبِ مُوجِبلَهُمَا] تَعْطِيلًا لَهُ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 53
وَلَمَّا كَانَ تَقْدِيرُ الْمَوْجُودِ فِي تَقْدِيرِ الْمَفْعُولِ وَزْنُهُ، فَيُقَالُ مِنْهُ: وَجَدَ يَجِدُ وُجُودًا، فَهُوَ وَاجِدٌ، وَذَاكَ مَوْجُودٌ. فَإِنْ كَانَ عَزَّ اسْمُهُ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا، فَمَنْ كَانَ وَاجِدَهُ فِي الْأَزَلِيَّةِ؟ وَإِنْ حَدَثَ لَهُ الْوُجُودُ مِنْ أَجْلِ وُجُودِ الْوَاجِدِ، فَحِينًا لَمْ يَكُنِ الْوَاجِدُ بِمَوْجُودٍ - وَمَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ - فَإِنَّ الْوُجُودَ لَا يَلْحَقُهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، أَوْ كَانَ مَعْدُومًا. قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ تَقْدِيرُ الْمَعْدُومِ بِهَذَا التَّقْدِيرِ. فَيُقَالُ: عَدِمَ يَعْدَمُ عَدَمًا، فَهُوَ عَادِمٌ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ. فَإِنْ كَانَ عَزَّ اسْمُهُ مَعْدُومًا، لَمْ يَزَلْ. فَمَنْ عَادِمُهُ فِي الْأَزَلِيَّةِ؟ وَإِنْ حَدَثَ لَهُ الْعَدَمُ مِنْ أَجْلِ وُجُودِ الْعَادِمِ، فَحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الْوَاجِدُ الَّذِي يَعْدَمُهُ مَوْجُودًا، لَمْ يَكُنْ مَعْدُومًا. وَمَا لَيْسَ بِمَعْدُومٍ فَالْعَدَمُ لَا يَلْحَقُهُ. فَإِنْ قَالَ: فَأَنَا مَوْجُودٌ، وَنَفْسِي وَاجِدَةٌ ذَاتَهَا. فَأَنَا وَاجِدٌ ذَاتِي، وَذَاتِي بِمَوْجُودِي لَهَا وُجُودُهُ لَهُ * كَذَلِكَ الْمُبْدِعُ، جَلَّ وَعَلَا، مَوْجُودٌ، وَهُوَ وَاجِدٌ ذَاتَهُ. يُقَالُ لَهُ: إِنَّمَا صِرْتَ وَاجِدَ ذَاتِكَ، وَذَاتُكَ مَوْجُودَةٌ، لِأَنَّ الْعَدَمَ قَدْ سَبَقَ ذَاتِي قَبْلَ وُجُودِهِ. فَجَازَ أَنْ أَكُونَ وَاجِدًا وَمَوْجُودًا، وَالْمُبْدِعُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَكُنْ مَعْدُومًا. فَوَجَدَ ذَاتَهُ بَعْدَ عَدَمِهِ لِيَجُوزَ أَنْ يَكُونَ وَاجِدًا مَوْجُودًا. فَاعْرِفْهُ.
Key XXXII: The Intellect is the most submissive of creatures to its Originator
¶ 54الِاقْلِيدُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: فِي أَنَّ الْعَقْلَ أَخْضَعُ الْخَلَائِقِ لِمَنْ أَبْدَعَهُ كُلُّ مَا دُونَ الْعَقْلِ إِذَا خَضَعَ لِمَنْ فَوْقَهُ فَتَرَ عَنْهُ بِالِاسْتِرَاحَةِ إِلَى مَا يُلْهِيهِ وَيُطْغِيهِ، وَبِالِاسْتِكْبَارِ عَنْ عِبَادَةٍ أَمَرَهُ بِهِ، وَالْعَقْلُ لَمَّا لَمْ يَفْتُرْ عَنْ خُضُوعِ مُبْدِعِهِ - لَا اسْتِرَاحَةً وَلَا اسْتِكْبَارًا، لِأَنَّهُ غَيْرُ ذِي تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ فِي جَوْهَرِهِ، فَيَحْتَاجَ إِلَى اسْتِرَاحَةٍ، وَلَا بِذِي شَكْلٍ، وَلَا مِثْلٍ، يُؤَدِّيهِ إِلَى اسْتِكْبَارٍ وَاسْتِنْكَافٍ - أَفَاضَ الْمُبْدِعُ عَلَيْهِ مِنْ جَلَالِ رُبُوبِيَّتِهِ مَا لَمْ يَزَلْ فِي الْخُضُوعِ وَالِابْتِهَالِ وَالتَّضَرُّعِ. وَلَوْ مَالَ عَنْ خُضُوعِ الْمُبْدِعِ طَرْفَةً (لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ، لِأَنَّ الْخَلَائِقَ دُونَهُ إِنَّمَا اسْتَقَسَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى هَيْئَتِهِ وَجَوْهَرِيَّتِهِ. وَمَا هُوَ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْأَحْوَالِ كَهَيْئَةِ مَا هُوَ مَبْرُوزٌ فِي الْعَقْلِ مِنْ إِنِّيَّتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا وَلِمِّيَّتِهَا، لَا يَزُولُ شَيْءٌ مِنْهَا عَمَّا جُبِلَ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ مَبْرُوزٌ فِي الْعَقْلِ إِلَى خِلَافِهِ. فَلَوْ مَالَ الْعَقْلُ عَنِ الْخُضُوعِ لِمَنْ أَبْدَعَهُ اسْتِرَاحَةً أَوِ اسْتِكْبَارًا، لَتَغَيَّرَتِ الْخِلْقَةُ عَنِ الْإِنِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ وَاللِّمِّيَّةِ. وَإِذَا تَغَيَّرَتْ فَسَدَتْ، وَإِذَا فَسَدَتْ رُفِعَتْ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ مِنْ أَنْ يُخْرِجَ الْعَقْلَ إِلَى اسْتِرَاحَةٍ وَاسْتِكْبَارٍ، إِذْ قَدَّسَهُ عَنِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ، وَطَهَّرَهُ عَنِ الْمِثْلِ وَالشَّكْلِ. وَإِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اسْتِرَاحَةٍ وَاسْتِكْبَارٍ، بَقِيَ خَاضِعًا لِمُبْدِعِهِ مِنْ غَيْرِ فَتْرَةٍ. وَإِذَا ثَبَتَ لَهُ الْخُضُوعُ بَقِيَتِ الْخِلْقَةُ عَلَى هَيْئَتِهَا. وَإِذَا ثَبَتَ الْبَقَاءُ لِلْخِلْقَةِ رُفِعَ عَنْهَا الْفَسَادُ. وَإِذَا رُفِعَ الْفَسَادُ عَنْهَا زَالَ التَّغَيُّرُ مِنْهَا. فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْعَقْلَ أَخْضَعُ الْخَلَائِقِ لِمَنْ أَبْدَعَهُ وَأَظْهَرَهُ. فَاعْرِفْهُ.
Quotes the Quran 23:71 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 55
وَمِنْ شِدَّةِ خُضُوعِ الْعَقْلِ لِلْمُبْدِعِ أَنَّ النَّفْسَ تَخْضَعُ لِلْفَوَائِدِ الْمَحْضَةِ الْعَقْلِيَّةِ خُضُوعًا، لَا يَكُونُ لَهَا اسْتِرَاحَةٌ إِلَى غَيْرِهَا، وَلَا اسْتِكْبَارٌ عَنْ قَبُولِهَا، بَلْ تَصِيرُ مَعَ الْفَوَائِدِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُفَاضَةِ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ. وَكَيْفَ تَسْتَرِيحُ النَّفْسُ إِلَى غَيْرِ فَوَائِدِهِ الَّتِي أَفَاضَ عَلَيْهَا، وَهَا يَرْفَعُ عَنْهَا تَعَبَهَا وَنَصَبَهَا؟ أَمْ كَيْفَ تَسْتَكْبِرُ عَنْ قَبُولِهَا، وَلَا تَجِدُ لَهَا مِثْلًا وَلَا شَكْلًا تَسْتَقْوِي عَلَيْهِ؟ بَلْ كَثِيرًا مَا تَكُونُ النَّفْسُ تَسْتَعِينُ بِالْفَوَائِدِ الَّتِي اكْتَسَبَتْهَا فِي الْإِحَاطَةِ بِمَا لَيْسَ لِلْإِفَاضَةِ الْمَحْضَةِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَيْهَا فِيهَا سَبِيلٌ. فَتَقَعُ بِهَا عَلَى مَحْضِ الصَّوَابِ وَدَرْكِ الْحَقِّ، فَحِينَئِذٍ تَخْضَعُ لَهَا كَخُضُوعِهَا لِلْفَوَائِدِ الْعَقْلِيَّةِ الْمَحْضَةِ. وَإِنَّمَا يَقَعُ الْخُضُوعُ لِلنَّفْسِ لِلْإِفَاضَةِ الْعَقْلِيَّةِ، لِأَنَّ جَوْهَرَ الْعَقْلِ جَوْهَرُ الْخُضُوعِ وَالِانْقِيَادِ. وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ خُضُوعٌ إِلَّا الْخُضُوعُ لِلْمُبْدِعِ الْحَقِّ الَّذِي أَبْدَعَهُ لَا مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْعَقْلَ أَخْضَعُ الْخَلَائِقِ لِمَنْ أَبْدَعَهُ وَأَظْهَرَهُ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 56
وَغَايَةُ الْخُضُوعِ أَنْ يَسْكُنَ الْخَاضِعُ عَلَى هُوِيَّتِهِ، فَلَا يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى مَنْ يَخْضَعُ لَهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَتَعْظِيمًا لِمَرْتَبَتِهِ. وَوَجَدْتُ الْعَقْلَ أَوَّلَ مَعْلُولٍ ظَهَرَ مِنْ كَلِمَةِ الْمُبْدِعِ، جَلَّ جَلَالُهُ، قَدْ سَكَنَ عَلَى هُوِيَّتِهِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْغُنْيَةِ وَالْكَمَالِ. فَلَا يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى إِثْبَاتِ مُبْدِعِهِ إِثْبَاتَ مُشَارٍ، بَلْ فِي كُلِّ قَصْدٍ يَقْصِدُ لِإِثْبَاتِهِ وَجَدَ النَّفْيَ مَرْبُوطًا بِهِ وَمَعْطُوفًا عَلَيْهِ. فَيَزِيدُهُ خُضُوعًا إِلَى خُضُوعٍ، وَسُكُونًا إِلَى سُكُونٍ. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ قُلْنَا: إِنَّ الْعَقْلَ أَخْضَعُ الْخَلَائِقِ لِمَنْ أَبْدَعَهُ وَأَظْهَرَهُ. فَاعْرِفْهُ.
Key XXXIII: The soul passes from potency to act only as mediator between Nature and Intellect
¶ 57الاِقْلِيدُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي أَنَّ النَّفْسَ لَا تَخْرُجُ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الطَّبِيعَةِ وَبَيْنَ الْعَقْلِ لَوْ لَمْ تَكُنْ طَبِيعَةٌ دُونَ النَّفْسِ مُهَيَّأَةً لِقَبُولِ آثَارِهَا لَبَقِيَتْ آثَارُهَا نَاقِصَةً وَاقِفَةً. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْإِبْدَاعِ طَبِيعَةٌ، مُبْدَعَةُ الْجَوْهَرِيَّةِ، مُكَوَّنَةُ التَّرْتِيبِ، وَكَانَتِ الطَّبِيعَةُ هِيَ الْفَوَائِدَ الْعَقْلِيَّةَ الْمُجَسَّمَةَ الَّتِي النَّفْسُ تُقَابِلُ مَا يُفِيضُ الْعَقْلُ عَلَيْهَا مِنْ نُورِ الْكَلِمَةِ بِهَا، أَعْنِي الطَّبِيعَةَ، فَتَكُونُ لَهَا قُوَّةٌ وَصَفْوَةٌ وَبُلُوغٌ إِلَى غَايَتِهَا الْمُقَدَّرَةِ لَهَا. إِذْ لَوْ لَمْ تَجِدِ النَّفْسُ شَيْئًا تُقَابِلُ بِهَا الْفَوَائِدَ الْعَقْلِيَّةَ، مَا كَانَتْ لِتِلْكَ الْفَوَائِدِ فِي ذَاتِهَا قَرَارٌ.
- ¶ 58
وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِكْرَةَ إِنْ لَمْ تَجِدْ مُتَفَكِّرًا فِيهَا، لَمْ يَكُنْ لِإِفَاضَةِ النَّفْسِ الْجُزْئِيَّةِ عَلَيْهَا قَرَارٌ وَثَبَاتٌ. فَلَمَّا كَانَتِ الْمَحْسُوسَاتُ قَائِمَةً قَوِيَتِ الْفِكْرَةُ عَلَى قَبُولِ إِفَاضَةِ النَّفْسِ الْجُزْئِيَّةِ فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ قُلْنَا: إِنَّ النَّفْسَ الْكُلِّيَّةَ بِالطَّبِيعَةِ الْمُكَوَّنَةِ دُونَهَا خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْقُوَّةِ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ. فَاعْرِفْهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ الصِّنَاعَاتُ. فَإِنَّهَا فِي أَنْفُسِ الصُّنَّاعِ فِي حَدِّ الْقُوَّةِ، لَا تَخْرُجُ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ إِنْ لَمْ تَكُنْ أَشْيَاءُ مَوْضُوعَةٌ تَقْبَلُ الصِّنَاعَاتِ. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَبِنٌ وَحِجَارَةٌ وَكِلْسٌ وَخَشَبٌ وَآجُرٌّ كَيْفَ تَخْرُجُ صِنَاعَةُ الْبِنَايَةِ مِنْ نَفْسِ الْبَنَّاءِ مِنْ حَدِّ الْقُوَّةِ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَشَبٌ، كَيْفَ تَخْرُجُ صِنَاعَةُ النَّجَّارِ مِنْ حَدِّ الْقُوَّةِ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ؟ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ كَيْفَ تَخْرُجُ الصِّنَاعَةُ مِنْ حَدِّ الْقُوَّةِ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ؟ فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ قُلْنَا: إِنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ طَبِيعَةٌ مُكَوَّنَةٌ، كَيْفَ تَخْرُجُ النَّفْسُ مِنْ حَدِّ الْقُوَّةِ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ؟ فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 59
وَدَلِيلٌ آخَرُ أَوْضَحُ مِمَّا ذَكَرْنَا. وَهُوَ أَنَّ مَرَاتِبَ النَّفْسِ لَا تَظْهَرُ جُمْلَةً، بَلْ كُلُّ مَرْتَبَةٍ شَرِيفَةٍ لَا يَكُونُ لَهَا ظُهُورٌ مَا لَمْ تَظْهَرِ الْمَرْتَبَةُ الدَّنِيَّةُ. فَإِنَّهُ فِي الْمَثَلِ: إِنْ لَمْ تَكُنِ النَّفْسُ النَّامِيَةُ ظَاهِرَةً فِي النَّبَاتِ لَمْ يَكُنْ لِلنَّفْسِ الْحِسِّيَّةِ ظُهُورٌ. وَلَوْ لَمْ تَظْهَرِ النَّفْسُ النَّامِيَةُ وَالْحِسِّيَّةُ جَمِيعًا لَمْ يَكُنْ لِلنَّفْسِ النَّاطِقَةِ ظُهُورٌ، وَلَا خُرُوجٌ مِنْ حَدِّ الْقُوَّةِ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ. فَاعْرِفْهُ. وَهَكَذَا لَوْ لَمْ تَظْهَرِ الْأَنْفُسُ الثَّلَاثُ مِنَ النَّامِيَةِ وَالْحِسِّيَّةِ وَالنَّاطِقَةِ لَمْ يَكُنْ لِلْقُدْسِيَّةِ ظُهُورٌ، وَلَا لِمَرَاتِبَ خُرُوجٌ مِنْ حَدِّ الْقُوَّةِ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ. وَهَكَذَا مَرَاتِبُ أَصْحَابِ الْقُدْسِ، مَا لَمْ يَظْهَرِ الْأَدْنَى مِنْهُمْ بِالْمَرْتَبَةِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَفْضَلِ ظُهُورٌ، بَلْ ظُهُورُ الْأَفْضَلِ مِنْهُمْ بَعْدَ ظُهُورِ الْأَدْوَنِ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 60
وَمَنْ وَقَفَ عَلَى صُوَرِ الدَّوَائِرِ وَتَدَاخُلِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ، وَتَقَاطُعِ بَعْضِهَا بَعْضٍ عَلَى زَوَايَا، وَقِسِيٍّ مَعْلُومَةٍ، وَحَرَكَاتٍ مَوْزُونَةٍ، لَا يَسْتَفْظِعُ خُرُوجَ النَّفْسِ مِنْ حَدِّ الْقُوَّةِ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ بِالطَّبِيعَةِ الْمُكَوِّنَةِ تَحْتَهَا. إِذْ هَذِهِ الدَّوَائِرُ بِمَا فِيهَا مِنَ التَّدَاخُلِ وَالتَّقَاطُعِ وَالْقِسِيِّ وَالزَّوَايَا تَتَحَرَّكُ دَائِبًا، وَتُنْشِيءُ وَتُبْلِى زَمَانًا، وَتُظْهِرُ صُوَرًا أَحْيَانًا. فَالْمُشْرِفُ عَلَى أَفْعَالِهَا، أَعْنِي أَفْعَالَ الطَّبِيعَةِ وَمَا فِيهَا مِنْ حَرَكَاتِهَا فِي تَدَاوِيرِهَا أَبَدًا مُسْتَفِيدًا فَوَائِدَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ حَدِّ الْقُوَّةِ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ، وَخَاصَّةً عِنْدَ ظُهُورِ الْحَيِّ النَّاطِقِ مِنَ الطَّبِيعَةِ، وَاغْتِذَائِهِ بِالْأَغْذِيَةِ النَّفْسَانِيَّةِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْأَمْرُ مِنْهُمْ إِلَى النَّاطِقِ الْمُؤَيَّدِ الَّذِي بِقُوَّةِ التَّأْيِيدِ الْمُتَّصِلِ بِهِ أَشْرَفَ عَلَى حَرَكَاتِ مُدَّةِ دَوْرِهِ، وَالْكَوَائِنِ الْجَارِيَةِ بَعْدَهُ حَتَّى تَهَيَّأَ لَهُ الْإِخْبَارُ عَنْهَا لِأُمَّتِهِ بَعْدَهُ. وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الدَّوَائِرُ وَاسِطَةً بَيْنَ الْحَيِّ النَّاطِقِ الْمُؤَيَّدِ وَبَيْنَ التَّأْيِيدِ، كَيْفَ أَمْكَنَهُ الْإِشْرَافُ عَلَيْهَا وَالْإِخْبَارُ عَنْهَا؟ فَلَمَّا صَارَتِ الدَّوَائِرُ وَاسِطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّأْيِيدِ النَّفْسَانِيِّ خَرَجَ مِنْ حَدِّ قُوَّةِ النَّاطِقَةِ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ. كَذَلِكَ النَّفْسُ الْكُلِّيَّةُ، لَوْ لَمْ تَكُنْ طَبِيعَةٌ دُونَهَا تَقْبَلُ بِهَا الْفَوَائِدَ الْعَقْلِيَّةَ الْمُفَاضَةَ عَلَيْهَا، مَا خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْقُوَّةِ إِلَى حَدِّ الْفِعْلِ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 61
وَهَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَ النَّفْسِ عَقْلٌ مُفِيدٌ يُفِيدُهَا الأَصْبَاغَ الرُّوحَانِيَّةَ، لِيَكُونَ دَكُومَةُ" حَرَكَتِهَا إِلَى الإِشْرَافِ عَلَى تِلْكَ الأَصْبَاغِ مُخْرِجَةً لَهَا مِنْ حَدِّ قُوَّتِهَا إِلَى فِعْلِهَا، وَلْنُمَثِّلْ لَهَا مِثَالًا مِنَ المَنْطِقِ الَّذِي هُوَ غَرِيزَةُ النَّفْسِ، فَنَجْعَلُ النُّطْقَ مِثَالًا لِلنَّفْسِ الكُلِّيَّةِ وَمَا يَقَعُ النُّطْقُ عَلَيْهِ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالنُّعُوتِ وَالصِّفَاتِ مِثَالَ العَقْلِ، وَالأَصْوَاتَ وَالحُرُوفَ الَّتِي يُظْهِرُهَا المَنْطِقُ مِثَالَ الطَّبِيعَةِ. ثُمَّ أَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ التُّفَّاحُ مَوْجُودًا، وَالصُّفْرَةُ مَوْجُودَةً، مَا خَرَجَ النُّطْقُ بِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ التُّفَّاحِ وَصِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الصُّفْرَةُ. وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنِ الصَّوْتُ مَوْجُودًا، وَحُرُوفُ التَّاءِ وَالفَاءِ وَالأَلِفِ وَالحَاءِ وَالصَّادِ وَالفَاءِ وَالرَّاءِ وَالهَاءِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمَنْطِقِ بَيَانٌ عَنِ اسْمِ التُّفَّاحِ وَصِفَتِهِ. فَلَمَّا وُجِدَتِ الصُّوَرُ وَالحُرُوفُ أَمْكَنَ لِلْمَنْطِقِ الخُرُوجُ مِنْ حَدِّ قُوَّتِهِ إِلَى حَدِّ فِعْلِهِ بِأَنْ خَرَجَ مِنْهُ تُفَّاحٌ أَصْفَرُ. فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّفْسَ، إِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الطَّبِيعَةِ وَبَيْنَ العَقْلِ، مَا خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ القُوَّةِ إِلَى حَدِّ الفِعْلِ. فَاعْرِفْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
Key XXXVII: When the soul leaves the body, does it lose any of its knowledge?
¶ 62الإِقْلِيدُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي أَنَّ النَّفْسَ إِذَا فَارَقَتِ الْبَدَنَ، هَلْ يَزُولُ عَنْهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَعَارِفِ، أَمْ لَا؟ لَمَّا وُجِدَتِ النَّفْسُ وَقْتَ اتِّحَادِهَا بِالْبَدَنِ غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ إِلَى مَعَارِفِ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِهَا، غَيْرَ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْ مَعَارِفِ زَمَانِهَا الْمُقِيمِ، مُتَجَنِّبَةً إِلَى مَعَارِفِ الْمُنْتَظَرِ فِي زَمَانِهَا. ثُمَّ كَانَ حَالُهَا وَقْتَ مُفَارَقَتِهَا الْبَدَنَ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا مَاضِيَةٌ، وَهِيَ إِذًا غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إِلَى مَعَارِفِ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِهَا، وَهِيَ، أَعْنِي النَّفْسَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا الْبَدَنَ. إِنْ كَانَتْ حَالُهَا أَنَّ الزَّمَانَ الْمُقِيمَ يَحْصُرُهَا، وَالْأَزْمِنَةَ الْمُنْتَظَرَةَ تَعْتَقِبُهَا، لَزِمَهَا الْحَاجَةُ إِلَى مَعَارِفِ الزَّمَانَيْنِ: الْمُقِيمِ وَالْمُنْتَظَرِ. وَإِنْ خَلَتِ النَّفْسُ عَنْ حَصْرِ الزَّمَانِ الْمُقِيمِ وَاعْتِقَابِ الزَّمَانِ الْمُنْتَظَرِ، اسْتَغْنَتْ عَنْ مَعَارِفِ مَا يَقْتَرِنُ بِالزَّمَانَيْنِ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَالْأَحْوَالِ. وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ الْمَعْنَيَيْنِ يَجِبُ إِضَافَةُ النَّفْسِ إِلَيْهَا بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا الْبَدَنَ: إِلَى حَصْرِ الزَّمَانِ الْمُقِيمِ لَهَا، أَوْ إِلَى رَاحَةِ النَّفْسِ وَخَلَاصِهَا مِنْهُ؟ فَأَقُولُ: إِنَّ الْمَحْصُورَ فِي الزَّمَانِ غَيْرُ مُطْلَقٍ لَهُ مُجَاوَزَتُهُ، وَلَا يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ فِي الْإِحَاطَةِ بِالْمَعَارِفِ إِلَّا بِالْمَشَاعِرِ الْخَمْسِ الَّتِي تُجَاوِزُ الْأَشْخَاصَ الْوَحِيدَةَ.
- ¶ 63
وَالنَّفْسُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا الْبَدَنَ غَيْرُ مُمْكِنٍ لَهَا مُجَاوَرَةُ الْأَشْخَاصِ الْوَحِيدَةِ، إِذْ كَوْنُ الْأَشْخَاصِ لَيْسَ بِسَوَاءٍ بِمُفَارَقَةِ الْأَنْفُسِ الْأَبْدَانَ. فَإِذَا امْتَنَعَ لِلْأَنْفُسِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا الْأَبْدَانَ مُجَاوَرَةُ الْأَشْخَاصِ، امْتَنَعَ لَهَا الِاسْتِدْلَالُ بِالْمَشَاعِرِ الَّتِي تُجَاوِرُ الْأَشْخَاصَ. وَإِذَا امْتَنَعَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْمَشَاعِرِ، امْتَنَعَ لَهَا الِانْحِصَارُ فِي الزَّمَانِ. وَإِذَا تَخَلَّصَتْ مِنْ حَصْرِ الزَّمَانِ الْمُقِيمِ وَاعْتِقَابِ الزَّمَانِ لِلْمُنْتَظَرِ، اسْتَغْنَتْ عَنِ الْمَعَارِفِ الَّتِي تُلَائِمُ الْأَزْمِنَةَ. وَإِذَا اسْتَغْنَتْ عَنِ الْمَعَارِفِ الَّتِي تُلَائِمُ الْأَزْمِنَةَ، كَانَتْ تِلْكَ الْمَعَارِفُ جَوْهَرِيَّةً مُتَبَاعِدَةً عَنِ الْغِيَرِ وَالِاسْتِحَالَاتِ. وَالْمَعَارِفُ الَّتِي تَتَبَاعَدُ عَنِ الْغِيَرِ وَالِاسْتِحَالَاتِ هُوَ الَّذِي مِنْهُ يَنْبَعِثُ كُلُّ مَعْرِفَةٍ فِي الْخَوَاطِرِ الْإِنْسِيَّةِ وَالْأَذْهَانِ الْفِكْرِيَّةِ، وَبِمِقْدَارِ مَا يَنْبَعِثُ فِي كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْمَعَارِفِ، وَمِنْ صَفْوَتِهَا وَكُدُورَتِهَا، وَخَطَائِهَا وَصَوَابِهَا، وَحَقِّهَا وَبَاطِلِهَا، وَقْتَ اتِّحَادِ النَّفْسِ بِالْبَدَنِ يَكُونُ ظَفَرُ النَّفْسِ بِالْمَعَارِفِ الْجَوْهَرِيَّةِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا الْبَدَنَ بِمَا هُوَ أَضْوَاءٌ مِنَ الْمَعَارِفِ الْجَوْهَرِيَّةِ، وَهُمُ الْمُؤَيَّدُونَ. ثُمَّ تَكُونُ الدَّرَجَاتُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مِقْدَارِ صَفْوَتِهِمْ. وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا عِلْمَ مَا يَأْكُلُهُ وَيَشْرَبُهُ وَيَتَمَتَّعُ بِهِ، كَانَ حِرْمَانُهُ مِنَ الْمَعَارِفِ الْجَوْهَرِيَّةِ مَا يَكُونُ سَبَبَ عُقُوبَتِهِ وَوُقُوعِهِ فِي الدَّرَكَاتِ.
- ¶ 64
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَعَارِفَ الْجَوْهَرِيَّةَ لَا يَقْتَرِنُ بِهَا الْأَزْمِنَةُ الثَّلَاثَةُ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُقِيمِ وَالْمُنْتَظَرِ. إِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي خَلَدِ الْبَارِعِ فِي حِكْمَتِهِ، أَوِ السَّابِقِ بِصَفْوَتِهِ، عُلُومٌ كَثِيرَةٌ فِي خَطْرَةٍ وَاحِدَةٍ، تَزْدَحِمُ تِلْكَ الْمَعَارِفُ فِي فِكْرَتِهِ كَأَنَّهَا تَقْطُرُ مِنْ نُورٍ سَاطِعٍ. إِنْ أَمْكَنَ تَقْسِيمُهَا لَمْ تَتَّسِعْ أَجْزَاءُ الزَّمَانِ لِدَرْكِهَا وَالْإِحَاطَةِ بِهَا. وَمَا يَضِيعُ بِالْمُزْدَحِمِ فِي الْفِكْرَةِ مِنَ الْمَعَارِفِ الَّتِي لَا يَتَّسِعُ جُزْءُ الزَّمَانِ لِدَرْكِهَا. وَقَدْ وُجِدَتِ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ الَّتِي فَطَرَتْ تِلْكَ الْمَعَارِفَ: كَيْفَ دَقَّتْ عَلَى اتِّسَاعِ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ وَعَنْ كُلِّيَّةِ الزَّمَانِ لِدَرْكِهَا؟ وَهِيَ كَلِمَةُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» الَّتِي هِيَ الشَّهَادَةُ. لَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِمَعَانِيهَا وَمَقَاصِدِهَا التَّأْوِيلِيَّةِ. فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّفْسَ إِذَا فَارَقَتِ الْبَدَنَ يَزُولُ عَنْهَا الْمَعَارِفُ الَّتِي تَلِي الْأَزْمِنَةَ الثَّلَاثَةَ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُقِيمِ وَالْمُنْتَظَرِ، وَتَلْزَمُهَا الْمَعَارِفُ الْجَوْهَرِيَّةُ عَلَى مِقْدَارِ كَسْبِهَا. وَقَدْ تَرَكْنَا الشَّرْحَ عَنِ الْمَعَارِفِ الَّتِي تَلِي الْأَزْمِنَةَ لِيَكُونَ شَوْقُ الْمُرْتَادِينَ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِهَا قَائِمًا. فَاعْرِفْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
Key XL: The resurrection is of spirits, not of bodies decayed and scattered
¶ 65الْاِقْلِيدُ الْأَرْبَعُونَ: فِي أَنَّ الْبَعْثَ لِلْأَرْوَاحِ، لَا لِلْأَجْسَادِ الْمُتَلَاشِيَةِ الْمُتَبَدِّدَةِ إِنَّ اللَّهَ، تَعَالَى ذِكْرُهُ، قَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ الْمُنْزَلِ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، عَلَى سَبِيلِ الذَّمِّ بِأَنَّ بَعْثَ الْأَجْسَادِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَأَنَّ الْبَعْثَ لِلْأَرْوَاحِ. وَهُوَ قَوْلُهُ: (قٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ الْكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ). فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ، جَلَّ ذِكْرُهُ، بِجَوَابٍ شَافٍ، بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ الْبَعْثَ لِلْأَرْوَاحِ، لَا لِمَا تَعَجَّبُوا مِنْهُ. فَقَالَ: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌۢ)، يَعْنِي أَنَّ الْأَرْضَ إِنَّمَا تَنْقُصُ مِنْهُمْ أَبْدَانَهُمُ الَّتِي لَا بَعْثَ لَهَا. وَلَيْسَ لَهَا، أَعْنِي الْأَرْضَ أَنْ تُغَيِّرَ الرُّوحَ، وَأَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِ إِلَى وَقْتِ بَعْثِهِ لِلنَّشْأَةِ الْآخِرَةِ. وَأَيُّ حِكْمَةٍ فِي بَعْثِ الْأَبْدَانِ الْمُتَبَدِّدَةِ الْمُتَمَزِّقَةِ الْمُتَلَاشِيَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ الْأَبَدِيُّ الْأَزَلِيُّ يُشَاكِلُهَا؟ إِذِ الثَّوَابُ الْأَبَدِيُّ الْأَزَلِيُّ إِنَّمَا هُوَ الْعُلُومُ الْمُنْبَجِسَةُ مِنَ النَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ عِنْدَ إِفَاضَةِ كَلِمَةِ الْمُبْدِعِ عَلَيْهَا، وَالْأَبْدَانُ لَا تَلْتَذُّ بِالْعُلُومِ وَالْحِكَمِ. فَبَعْثُ الْأَرْوَاحِ الْحَيَّةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِالْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، وَتَتَقَوَّى عَلَى الْبَقَاءِ وَالتَّخْلِيدِ أَحْرَى وَأَوْلَى. فَاعْرِفْهُ تَقِفْ عَلَيْهِ.
Quotes the Quran 50:1 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 50:4 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 66
وَمَنْ جَعَلَ عَقْلَهُ مِعْيَارًا لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ، لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ الْبَعْثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلرُّوحِ، أَوْ لِلْبَدَنِ مَعَ الرُّوحِ. لِأَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِأَنَّ الْبَعْثَ، إِنْ كَانَتِ الْقُوَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يَكُونُ الْبَعْثُ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ الْبَسِيطِ. فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَالَمَ وَقُوَاهُ لَا يُجَاوِرُ الْمَوَالِيدَ الطَّبِيعِيَّةَ فِي نُشُوئِهَا وَبِلَائِهَا، وَقَدْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى دُولَابًا، مِنْهُ تَبْلَى وَتَنْشَأُ. وَإِنَّمَا لَهَا أَنْ تُجَاوِرَ الْأَنْفُسَ الْجُزْئِيَّاتِ الَّتِي مِنْ جَوْهَرِهَا وَطِبَاعِهَا. فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قُوَى ذَلِكَ الْعَالَمِ بَعْثُ الْأَنْفُسِ دُونَ الْأَبْدَانِ بَغْتَةً، بِلَا زَمَانٍ. وَإِنْ كَانَتِ الْقُوَى الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يَكُونُ الْبَعْثُ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الْعَالَمِ الطَّبِيعِيِّ الْمُرَكَّبِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْأَبْدَانِ مِنْ قُوَاهَا بَعْثٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ بِالْمُكْثِ وَالْمُدَّةِ مِنَ التَّنَاسُلِ وَالْجِهَاتِ الْمُهَيَّأَةِ لَهَا كَالْوُجُودِ عِيَانًا، وَلَيْسَتْ صِفَةُ الْبَعْثِ هَكَذَا.
- ¶ 67
فَإِذًا الْبَعْثُ مِنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقُوَى الرُّوحَانِيَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِلْأَرْوَاحِ دُونَ الْأَبْدَانِ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَغْتَةً، بِلَا زَمَانٍ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقُوَى الطَّبِيعِيَّةِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَغْتَةً، بِلَا زَمَانٍ، بَلْ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ مِنْ تَصَرُّفِ الْمَوْلُودِ فِي الطُّرُقِ الْمُقَدَّرَةِ لَهُ مِنَ الصُّلْبِ وَالْبَطْنِ وَتَرْبِيَةٍ. فَإِذًا الْبَعْثُ لِلْأَرْوَاحِ، لَا لِلْأَبْدَانِ. فَاعْرِفْهُ. وَمِنْ صِفَةِ الْبَعْثِ أَنَّ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ، مِنْ أَوَّلِ الْبَدْءِ إِلَى آخِرِهِمْ، يَقَعُ لَهُمْ بَعْثٌ بِنَفْخٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلْأَرْوَاحِ، لَا لِلْأَبْدَانِ، إِذِ الْقُوَى الرُّوحَانِيَّةُ فِي وُسْعِهَا الْإِحَاطَةُ بِالْجُزْئِيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا. وَلَيْسَ لِلْقُوَى الطَّبِيعِيَّةِ أَنْ تُخْرِجَ فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ مَا أَخْرَجَتْهُ مِنْ مُدَدٍ كَثِيرَةٍ، لَا يُحْصَى عَدَدُهَا. وَإِنَّمَا الْأَبْدَانُ الْمُتَلَاشِيَةُ لِلْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، قَدْ ظَهَرَتْ مِنْ جِهَةِ الْحَرَكَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي أَدْوَارٍ كَثِيرَةٍ وَأَحْقَابٍ مُتَوَاتِرَةٍ. فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى بَعْثِهَا فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَوَهْلَةٍ عَابِرَةٍ؟ فَإِذًا الْبَعْثُ لِلْأَرْوَاحِ، لَا لِلْأَبْدَانِ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 68
وَغَيْرُ مُمْكِنٍ لِلْكُرَةِ الْمُحْدَثَةِ بِالطَّبِيعِيَّاتِ أَنْ تَقْبَلَ مِنَ الْقُوَى الرُّوحَانِيَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا قَبِلَتْهُ، إِذْ قَبِلَ مَا فِي وُسْعِهَا وَطَاقَتِهَا وَجَوْهَرِهَا مِنَ الْقُوَّةِ الْمُفْرَغَةِ عَلَيْهَا بِحَيْثُ لَا سَبِيلَ لِقُوَّةٍ أَنْ يَتَمَكَّنَ فِيهَا. وَلَوْ فِي جَوْهَرِهَا وُسْعٌ لِأَكْثَرَ مِمَّا أُفْرِغَ عَلَيْهَا، لَمْ يَحْدُثْ مِنْهَا مَوْلُودٌ طَبِيعِيٌّ، بَلْ جَوْهَرُهَا أَبَدًا أُفْرِغَ عَلَيْهَا جَوْهَرٌ غَنِيٌّ عَنْ زِيَادَةٍ تَحُلُّ فِيهَا الزِّيَادَاتُ الَّتِي وَرَاءَهَا إِنَّمَا هِيَ خَارِجَةٌ عَنْ وُسْعِ جَوْهَرِهَا، إِذْ هِيَ مُفَاضَةٌ عَلَى الْجَوَاهِرِ الرُّوحَانِيَّةِ. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ قُلْنَا: إِنَّ الْبَعْثَ لِلْأَرْوَاحِ، لَا لِلْأَبْدَانِ، إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْكُرَةِ أَنْ يَقْبَلَ قُوَّةً يُمْكِنُهَا أَنْ تَبْعَثَ الْأَبْدَانَ مِنْهَا بَغْتَةً، بِلَا مُدَّةٍ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 69
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: نَحْنُ نَرَى فِي الْقُرْآنِ أَنَّ أَكْثَرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَعْثَ لِلْأَجْسَادِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: «مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ». وَقَوْلِهِ تَعَالَى: «أَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ»، وَمِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: «مَنْ يُحْيِي الْعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ»، وَمِثْلَ قَوْلِهِ: «أَيَحْسَبُ الْإِنسَٰنُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَىٰ»، وَأَشْبَاهِهَا مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى بَعْثِ الْأَبْدَانِ. يُقَالُ:
Quotes the Quran 20:55 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 22:7 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 36:79 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 70
إِنَّ اللَّهَ، تَعَالَى ذِكْرُهُ، لَمَّا عَلِمَ مِنْ خَفَاءِ الرُّوحِ وَغَيْبَتِهِ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ إِنَّمَا يُؤْمِنُونَ بِمَا يُشَاهِدُونَ، وَيُنْكِرُونَ بِمَا يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِهِمْ، جَعَلَ الْعِبَارَةَ عَنِ الْبَعْثِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الْأَجْسَادِ الَّتِي يَرَوْنَهَا وَأَقَرُّوا بِهَا. وَلَوْ جُعِلَتِ الْعِبَارَةُ عَنِ الرُّوحِ الَّتِي غَابَتْ عَنْهُ الْحِسِّ، وَعَنْ أَوْهَامِ أَكْثَرِ الْخَلْقِ، لَأَسْرَعُوا إِلَى الْإِنْكَارِ بِهِ وَاسْتَفْظَعُوهُ، إِذْ لَيْسَ مِنَ الْجِسْمِ الْمُقْبَرِ إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ. وَمَنْ وَقَفَ عَلَى بَقَاءِ الرُّوحِ وَثَبَاتِهِ مُفَارِقًا س عَنْ جَسَدِهِ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَقُولَ: «وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ»، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الْأَرْوَاحَ الَّتِي أَبْدَانُهَا فِي الْقُبُورِ. وَتَخْصِيصُ الْعَظْمِ مِنْ بَيْنِ أَسْبَابِ الْجَسَدِ، هُوَ أَنَّ الْعَظْمَ مُسْتَقَرُّ الْمُخِّ، وَفِيهِ يَتَمَكَّنُ الْحِسُّ الَّذِي يَزْدَوِجُ مَعَ النَّاطِقَةِ لِلْبَعْثِ. فَاللَّهُ الَّذِي أَنْشَأَ الْحِسَّ وَالْعَظْمَ مِنَ الْبَدَنِ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَادِرٌ عَلَى إِحْيَائِهَا بِأَنْ يَبْعَثَهَا مُتَّحِدَةً بِالنَّاطِقَةِ.
- ¶ 71
وَدَلِيلٌ آخَرُ عَلَى أَنَّ الْبَعْثَ لِلْأَرْوَاحِ دُونَ الْأَبْدَانِ الْمَقْبُورَةِ، اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ مِنَ الْمُعْتَقِدِينَ بِبَعْثِ الْأَبْدَانِ بِأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ النَّاسَ جَمِيعًا مَنْ فِي الْقُبُورِ. فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَبْعَثَهُمْ كَمَا أَقْبَرَهُمْ، أَوْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَلَى سِنٍّ وَاحِدٍ. فَالْمَقْبُورُ شَيْخًا لَمْ يُبْعَثْ كَمَا قُبِرَ، وَكَذَلِكَ الْمَقْبُورُ طِفْلًا، لَمْ يُبْعَثْ كَمَا قُبِرَ، فَلَيْسَ الْمَبْعُوثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ. وَإِنْ بَعَثَهُمْ كَمَا أَقْبَرَهُمْ، فَمَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ شَيْخًا هَرِمًا كَمَا كَانَ. فَأَيَّةُ لَذَّةٍ لَهُ، وَهُوَ قَدْ بَلَغَ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا» فَإِذًا الْبَعْثُ لِلْأَرْوَاحِ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَسِنٍّ وَاحِدٍ «ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ» وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي اخْتِلَافِ حَالِ الْأَبْدَانِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأَرْوَاحِ عَنْهَا، إِذْ مِنْهَا مَنْ أُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَصَارَ رَمَادًا وَمَدَرًا؛ وَصَدْرٌ مِنْهَا مَنْ غَرِقَ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ، فَصَارَ طَعَامًا لِلْحِيتَانِ؛ وَصَدْرٌ مِنْهَا مَنْ جَفَّهُ فِي رُؤُوسِ الشَّوَاوِيسِ، فَصَارَ طَعَامًا لِلطُّيُورِ؟
Quotes the Quran 16:70 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 6:96 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 72
وَصَدَرَ مِنْهَا مَنْ صَارَ ذَا خَرَابَةٍ صَرَاةً لِمَصَبِّ الْمِيَاهِ. وَإِنْ تَفَكَّرَ فِي طُولِ الْأَزْمِنَةِ، وَتَوَاتُرِ الْقُرُونِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي مَلَأَتِ الْعَالَمَ فِي كُلِّ قَرْنٍ مِنَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ الْأَشْخَاصِ حَتَّى صَارَتْ كَثْرَةُ الْأَشْخَاصِ فِي الْقُرُونِ الْمُكْثِرَةِ بِحَالَةٍ يُدْفَعُ الْعَدَدُ عَنْ إِحْصَائِهَا، وَالنَّفْسُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهَا. عَلِمَ أَنَّ بَعْثَ الْأَشْخَاصِ وَالْأَبْدَانِ دُونَ الْأَرْوَاحِ بَعْثًا سَلَكَ طُرُقَ الِامْتِنَاعِ فِيهِ. فَإِذًا الْبَعْثُ لِلْأَرْوَاحِ، لَا لِلْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ، الْمُتَبَدِّدَةِ، الْمُتَلَاشِيَةِ. فَاعْرِفْهُ.
Key XLIX: The motions of the soul are endless
¶ 73الإِقْلِيدُ التَّاسِعُ وَالأَرْبَعُونَ: فِي أَنَّ حَرَكَاتِ النَّفْسِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ إِنَّمَا امْتَنَعَ أَنْ تَتَنَاهَى حَرَكَاتُ النَّفْسِ لِأَنَّ الحَرَكَةَ فِيهَا مُقَوِّمَةٌ ذَاتَهَا. فَإِنَّ مَا يُقَوِّمُ ذَاتَ الشَّيْءِ لَا يَتَعَرَّى، وَلَا يَتَنَحَّى مِنْهُ، لِأَنَّهُ إِنْ تَعَرَّى عَمَّا هُوَ مُقَوِّمُ ذَاتِهِ، فَقَدْ تَعَرَّى عَنْ ذَاتِهِ، وَالشَّيْءُ لَا يَتَعَرَّى عَنْ ذَاتِهِ. فَإِذًا الحَرَكَاتُ فِي النَّفْسِ مِمَّا هِيَ مُقَوِّمَةٌ ذَاتَهَا - وَذَاتُهَا لَا يَتَنَاهَى - وَالحَرَكَاتُ إِذًا فِي ذَاتِهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. فَاعْرِفْهُ. وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَتَنَاهَى حَرَكَاتُهَا، وَلَيْسَ لِمَا يُفِيدُهَا السَّابِقُ مِنْ أَنْوَارِهِ غَايَةٌ وَنِهَايَةٌ لِتَسْكُنَ النَّفْسُ إِلَيْهَا، بَلْ كُلَّمَا نَهَضَتْ لِقَبُولِ فَوَائِدِ سَابِقِهَا، فَأَفَادَهَا وَغَرِقَتْ فِيهَا، فَكَانَ مِنْهُ انْبِثَاثُ جُزْئِيَّاتِهَا فِي العَالَمِ الطَّبِيعِيِّ لِتَزُولَ القُوَّةُ هَا فِعْلًا. فَإِذَا زَالَتْ مِنَ القُوَّةِ إِلَى الفِعْلِ بِجُزْئِيَّاتِهَا نَهَضَتْ بِحَرَكَتِهَا إِلَى حَظِيرَةِ عِلَّتِهَا لِنَيْلِهَا مِنْ فَوَائِدِهِ مِثْلَ مَا أَنَالَهَا فِي المَرَّةِ الأُولَى وَأَشْرَفَ. فَإِذَا عَطَفَ عَلَيْهَا بِالإِفَادَةِ ثَانِيًا، انْبَثَّتْ فِي العَالَمِ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا قُوًى أُخَرُ. فَتَكُونُ النَّفْسُ فِي حَرَكَاتِهَا هَاتَيْنِ المَنْزِلَتَيْنِ لِتَبْقَى لَهَا الدَّيْمُومَةُ وَاحِدًا بَعْدَ أُخْرَى.
- ¶ 74
وَالْبَعْثُ وَالْحَشْرُ وَالْجَمْعُ جَارٍ فِي كَوَامِنِ حَرَكَاتِهَا، خَفِيٌّ فِي سَرَائِرِ خَطَرَاتِهَا، لَا يَقِفُ عَلَيْهَا إِلَّا الْمُصْطَفَوْنَ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْمُجْتَبَوْنَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ. يَتَجَلَّى أَوَامِرُهَا لَهُمْ فِي الْأَزْمِنَةِ وَالْأَعْصَارِ، وَيَتَصَوَّرُ أَوَائِلُهَا عِنْدَهُمْ فِي الْحِقَبِ وَالْأَكْوَارِ. وَأَهْلُ الْجَهْلِ فِي غَفْلَةٍ يَتَمَنَّوْنَهَا وَيَتَصَوَّرُونَهَا بِخِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْضِعِ وَالتَّرْتِيبِ. فَقَالَ تَعَالَى فِي إِشْرَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ، وَسَهْوِ أَهْلِ الْجَهْلِ عَنْهُ، قَوْلَهُ: «وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَٱلْإِيمَـٰنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ». فَلَمَّا كَانَ أَمْرُ الْبَعْثِ وَالْحَشْرِ وَالْجَمْعِ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَجْرِي فِي حَرَكَاتِ النَّفْسِ، وَحَرَكَاتُ النَّفْسِ مِنْ هَاتَيْنِ الْمَنْزِلَتَيْنِ مِنْ نُهُوضٍ إِلَى نَيْلِ، فَوَائِدِ السَّابِقِ، وَمِنِ امْتِنَانٍ عَلَى جُزْئِيَّاتِهَا، وَفَوَائِدُ السَّابِقِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. كَانَتْ حَرَكَاتُ النَّفْسِ إِذًا غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ. فَاعْرِفْهُ.
Quotes the Quran 30:56 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 75
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ النَّفْسَ لَا تَتَنَاهَى حَرَكَاتُهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَطْلُبُ بِحَرَكَاتِهَا أَنْ تَبْلُغَ إِلَى مَكَانِهَا وَمَوْضِعِهَا وَحَيِّزِهَا. وَإِنَّمَا تَطْلُبُ أَنْ تَبْلُغَ إِلَى حَيِّزِ غَيْرِهَا وَمَوْضِعِهِ وَمَنْزِلَتِهِ، وَهُوَ السَّابِقُ. وَلَيْسَ بِحَيِّزِهِ مَتَى تَطْلُبُ حَيِّزَهُ غَايَةٌ تَطْلُبُ إِلَى حَيِّزِهِ، فَتَسْكُنَ عَنْ حَرَكَتِهَا، بَلْ كُلَّمَا بَلَغَتْ مِنْ حَيِّزِ سَابِقِهَا غَايَةً، رَأَتْ فَوْقَهَا مَا هُوَ أَشْرَفُ إِلَيْهِ مِمَّا بَلَغَتْ، لِيَكُونَ حَرَكَاتُهَا دَائِمَةً غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ. فَإِذًا حَرَكَاتُ النَّفْسِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. فَاعْرِفْهُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّفْسَ لَوْ كَانَتْ لِحَرَكَاتِهَا نِهَايَةٌ لَا تَجَاوُزَ لَهَا عَنْهَا، فَهِيَ إِمَّا أَنْ تَسْكُنَ وَتَتَلَاشَى. وَالتَّلَاشِي فِي جَوْهَرِهَا مَعْدُومٌ، إِذْ لَا ضِدَّ لَهَا. وَلَا شَيْءٌ غَرِيبَةٌ خَارِجٌ عَنْهَا يَدْخُلُ الْفَسَادُ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِهِ، بَلْ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهَا لَا يَدْخُلُ الْفَسَادُ عَلَيْهَا مِنْهُ، بَلِ الرِّفْعَةُ وَالشَّرَفُ وَالْعُلُوُّ وَالْمَرْتَبَةُ، فَهِيَ إِذًا لَا تَتَلَاشَى. بَقِيَ أَنْ نَقُولَ: إِنَّهَا تَسْكُنُ. فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا تَسْكُنُ، فَهِيَ إِمَّا أَنْ تَسْكُنَ دَائِمًا، بِلَا غَايَةٍ، أَوْ تَسْكُنَ بُرْهَةً، ثُمَّ تَعُودَ إِلَى الْحَرَكَةِ.
- ¶ 76
إِنْ تَسْكُنْ دَائِمًا بِلَا نِهَايَةٍ، وَقَدْ تَحَرَّكَتْ. فَهَلْ هِيَ حَرَكَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ؟ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ سُكُونُهَا مِنْ جَوْهَرِهَا وَذَاتِهَا، أَمْ مِنْ غَيْرِهَا. وَإِنْ كَانَ مِنْ جَوْهَرِهَا وَذَاتِهَا، هِيَ الْمُتَحَرِّكَةُ، فَكَيْفَ يَكُونُ الشَّيْءُ ضِدَّ نَفْسِهِ؟ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ السُّكُونُ حَادِثًا لَهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْحَادِثُ أَقْوَى مِنَ الذَّاتِ الْجَوْهَرِيَّةِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا تَسْكُنُ بُرْهَةً، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْحَرَكَةِ، فَمَا تَكُونُ حَرَكَتُهُ بَيِّنًا، أَوْ سُكُونُهُ بَيْنَ حَرَكَتَيْنِ، لَيْسَتِ النَّفْسَ، بَلِ الطَّبِيعَةُ وَمَا تَتَوَلَّدُ مِنْهَا. فَقَدْ صَحَّ أَنَّ حَرَكَاتِ النَّفْسِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 77
وَإِنَّ الْفِكْرَةَ فِي الْإِنْسَانِ هِيَ آلَةُ الدَّرْكِ وَالْإِحَاطَةِ بِالْمَعْلُومَاتِ. وَهِيَ، أَعْنِي الْفِكْرَةَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةِ الْحَرَكَةِ، تَتَصَاعَدُ بِالِاسْتِفَادَةِ مِنَ النَّفْسِ الْجُزْئِيَّةِ حَتَّى إِذَا عَجَزَتْ عَنْ قَبُولِ فَوَائِدِ النَّفْسِ الْجُزْئِيَّةِ اشْتَدَّتْ حَرَكَتُهَا، فَأَظْلَمَتْ عَلَيْهَا الْمَقَاصِدُ. فَلَا يَزَالُ فِي رِسْلٍ مِنْ حَرَكَاتِهَا إِلَى أَنْ يَقَعَ عَلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ. ثُمَّ تَوَجَّهَ بِالْحَرَكَةِ نَحْوَ الْمَقْصُودِ لِيَتِمَّ لَهُ الِاسْتِفَادَةُ. وَأَنَّى يَكُونُ لَهَا، أَعْنِي الْفِكْرَةَ، أَنْ تَسْكُنَ عَنِ الْحَرَكَةِ فِيمَا لَمْ تُشْرِفْ عَلَيْهِ بِالْإِحَاطَةِ؟ وَإِنَّهَا إِنَّمَا تَحَرَّكَتْ فِيمَا أَشْرَفَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَارِفِ لِتَكُونَ حَرَكَتُهَا فِي الْمَعَارِفِ عِنْدَهَا عَوْنًا لَهَا عَلَى حَرَكَتِهَا فِيمَا يُرِيدُ السَّفَرَ فِيهِ. فَلَمَّا كَانَ حَالُ الْفِكْرَةِ فِي الْإِنْسَانِ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةِ الْحَرَكَةِ، كَانَتِ النَّفْسُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي رُبِطَتْ مِنْ بَيْنِ الْعَالَمَيْنِ لِلْإِنَالَةِ وَالِاسْتِنَالَةِ أَحْرَى وَأَوْلَى أَنْ لَا تَسْكُنَ حَرَكَتُهَا بِتَنَاهِيهَا. فَاعْرِفْهُ.
- ¶ 78
وَفِي نِهَايَةِ حَرَكَاتِ النَّفْسِ خَرَابُ الْعَالَمَيْنِ، الْعَالَمِ الَّذِي تَحْتَهَا وَالَّذِي فَوْقَهَا. وَفِي خَرَابِ الْعَالَمَيْنِ بُطْلَانُ الْخِلْقَةِ، وَإِهْدَارُ الْحِكْمَةِ، وَإِهْمَالُ التَّوْحِيدِ، لِأَنَّ النَّفْسَ إِذَا انْتَهَتْ حَرَكَاتُهَا، انْتَهَتْ حَرَكَاتُ مَا هُوَ مَعْلُولٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ، فَمَا دُونَهَا مِنَ الْمَوَالِيدِ. إِذْ لَوْ تَحَرَّكَتِ الدَّائِرَةُ الْكُلِّيَّةُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَجْرَامِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّفْسِ فِي الْأُسْطُقُسَّاتِ آثَارٌ مُنْبَثَّةٌ مِنَ النَّامِيَةِ وَالْحِسِّيَّةِ وَالنَّاطِقَةِ، مَا كَانَ مِنْ حَرَكَةِ الدَّائِرَةِ إِلَّا إِهْدَارُ الْمَنَافِعِ الَّتِي هَيَّأَهَا الْخَالِقُ فِي الْمَوَالِيدِ مِنَ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ. وَكَانَ مِنْ حَرَكَةِ الدَّائِرَةِ أَعْظَمُ الْعَبَثِ.
- ¶ 79
فَامْتَنَعَ الْغَيْرُ، إِذًا التَّغْيِيرَاتُ الْفَلَكِيَّةُ دُونَ الْآثَارِ الْمُنْبَثَّةِ مِنَ النَّفْسِ فِي هَذَا الْعَالَمِ تَغْيِيرَاتٌ مُوحِشَةٌ خَالِيَةٌ عَنِ الزِّينَةِ وَالشَّرَفِ. فَلَمَّا انْبَثَّتِ الْآثَارُ مِنَ النَّفْسِ فِي هَذَا الْعَالَمِ، وَلَا يُمْكِنُ لَهَا إِلَّا بِالْحَرَكَةِ ظَهَرَتِ الزِّينَةُ وَالشَّرَفُ فِي عَالَمِ الطَّبِيعَةِ، وَحَصَلَ مِنْهَا الْأَنْفُسُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي تَلْحَقُ بِعَالَمِ الْعَقْلِ مُتَنَعِّمَةً فِي جِوَارِهِ بِمَا: «لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» وَتَكُونُ دَيْمُومَةُ الْأَنْفُسِ الَّتِي جَاوَرَتْ عَالَمَ الْعَقْلِ بِمَا تَحَرَّكُ بِهِ النَّفْسُ دَائِمًا. وَمَنْ جَاهَدَ فِي اللَّهِ وَقَفَ عَلَى مَا أَخْفَيْنَاهُ فِي هَذَا الْإِقْلِيدِ مِنَ الْخَفِيَّاتِ الْمَلَكُوتِيَّةِ بِمَنِّ اللَّهِ وَجُودِهِ. فَقَدْ صَحَّ أَنَّ حَرَكَاتِ النَّفْسِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. فَاعْرِفْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
Key LII: The difference between revelation (tanzīl) and interpretation (taʾwīl)
¶ 80الإِقْلِيدُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ التَّنْزِيلِ وَالتَّأْوِيلِ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّنْزِيلِ وَالتَّأْوِيلِ هُوَ أَنَّ التَّنْزِيلَ شَبِيهٌ بِالْأَشْيَاءِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَالتَّأْوِيلَ شَبِيهٌ بِالْأَشْيَاءِ الصِّنَاعِيَّةِ الَّتِي تَحْدُثُ مِنَ الصُّنَّاعِ فِي الْأَشْيَاءِ الطَّبِيعِيَّةِ لِتُظْهِرَ شَرَفَ الطَّبِيعَاتِ، وَتُؤَدِّيَ مَنْفَعَتَهَا الْمَقْصُودَةَ مِنْهَا. وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْوَاعُ الْخَشَبِ الَّتِي تُظْهِرُهَا الطَّبِيعَةُ، فَلَا يَكُونُ لَهَا شَرَفٌ وَلَا ظُهُورُ مَنْفَعَةٍ، إِنْ لَمْ تَقْبَلِ الصِّنَاعَةَ مِنَ الصُّنَّاعِ، بَلْ يَكُونُ آلَةً مُحْرَقَةً فَقَطْ. فَلَمَّا قَبِلَتِ الصِّنَاعَةَ مِنَ الصُّنَّاعِ بِأَنْ صَارَ بَعْضٌ مِنْهَا أَبْوَابًا، وَبَعْضٌ تُخُوتًا، وَبَعْضٌ صَنَادِيقَ، وَبَعْضٌ مَنَابِرَ وَكَرَاسِيَّ، وَبَعْضٌ سِهَامًا وَرِمَاحًا وَقِبَبًا، ظَهَرَ شَرَفُهَا وَمَنْفَعَتُهَا، إِذِ الصِّنَاعَةُ فِي الْخَشَبِ تَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ.
- ¶ 81
وَكَذَلِكَ الْحَدِيدُ الَّذِي أَخْرَجَتْهُ الطَّبِيعَةُ، إِنْ لَمْ تَقْبَلِ الصِّنَاعَةَ مِنَ الصُّنَّاعِ لَمْ يَظْهَرْ شَرَفُهُ وَمَنْفَعَتُهُ. فَلَمَّا قَبِلَ الصِّنَاعَةَ بِأَنْ صَارَ بَعْضٌ مِنْهُ مَعَاوِلَ وَصَلَ، وَبَعْضٌ مَغَالِقَ وَأَقْفَالً، وَبَعْضٌ سُيُوفًا وَسَكَاكِينَ، وَبَعْضٌ جَوَاشِنَ وَدُرُوعًا إِلَى سَائِرِ مَا يَقْبَلُ يَقْبَلُ مِنَ الصِّنَاعَاتِ. وَهَكَذَا الصُّوفُ الطَّبِيعِيَّةُ، إِنْ لَمْ تَقْبَلِ الصِّنَاعَةَ مِنْ صِنَاعَةٍ بِأَنْ صَارَ الْبَعْضُ مِنْهُ بُسُطًا وَسُودًا، وَبَعْضٌ مِنْهُ وَسَائِدَ، وَبَعْضٌ مِنْهُ تِكَكًا وَأَكْسِيَةً، لَمْ يَظْهَرْ شَرَفُهُ وَمَنْفَعَتُهُ. وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالرَّصَاصُ وَالنُّحَاسُ وَسَائِرُ الْأَشْيَاءِ الطَّبِيعِيَّةِ. إِنَّمَا يَظْهَرُ شَرَفُهَا وَمَنْفَعَتُهَا بِمَا تَقْبَلُ مِنَ الصِّنَاعَةِ. كَذَلِكَ التَّنْزِيلُ إِنَّمَا هِيَ أَشْيَاءُ مَوْضُوعَةٌ وَأَلْفَاظٌ مَحْصُورَةٌ تَحْتَهَا مَعَانِي مَكْنُوزَةٌ. وَالتَّأْوِيلُ مِنْ صَاحِبِهِ يَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ مَوْضِعَهُ، وَيَسْتَخْرِجُ عَنْ كُلِّ لَفْظٍ مَقْصُودَهُ. فَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّنْزِيلِ وَالتَّأْوِيلِ.
- ¶ 82
وَالصِّنَاعَةُ فِي الْأَشْيَاءِ الطَّبِيعِيَّةِ مَخْبُوءَةٌ كَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْهَا، لَكِنَّهَا لَا تَظْهَرُ إِلَّا بِحَرَكَةِ الصَّانِعِ بِأَنْ يَنْحِتَ بَعْضَهَا، وَيَنْشُرَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيُحْمِيَ بَعْضَهَا، وَيُرَقِّقَ بَعْضَهَا، وَيَفْتِلَ بَعْضَهَا، وَيَنْسِجَ الْآخَرَ، وَيَضُمَّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيُنَحِّيَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ لِتَظْهَرَ الصِّنَاعَةُ. كَذَلِكَ التَّنْزِيلُ. وَالتَّأْوِيلُ مَسْتُورٌ خَفِيٌّ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِحَرَكَةِ الْمُؤَوِّلِ وَتَفَكُّرِهِ فِيهِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمَثَلَ عِبَارَةً عَنِ الْمَمْثُولِ، وَالْمَمْثُولَ مُقَارِنًا بِالْمَثَلِ، وَيُقَرِّبَ الشَّكْلَ إِلَى شَكْلِهِ، وَيُنَحِّيَ الشَّيْءَ عَنْ ضِدِّهِ لِيَأْتَلِفَ الْمَعَانِي بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ، فَيُؤَدِّيَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ. فَيَكُونُ ذَلِكَ قَرَارًا لِلْأَنْفُسِ الَّتِي لَزِمَهَا قَبُولُ الشَّرِيعَةِ لِتَنَالَ بِقَرَارِهَا مَا أَعَدَّ الْخَالِقُ لَهَا مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ. فَالتَّنْزِيلُ إِذًا اللَّفْظُ، وَالتَّأْوِيلُ الْمَعْنَى الْمُضَمَّنُ فِي اللَّفْظِ.
- ¶ 83
فَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: اللَّهُ نُورُ السملوت وَٱلْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَظَاهِرُ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى سِيَاقَةِ تَنْزِيلٍ وَالْمَعَانِي الْمُضَمَّنَةِ تَحْتَهَا. وَفِيهَا تَأْوِيلٌ وَصَاحِبُ التَّأْوِيلِ يَقْصِدُ إِلَى كُلِّ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْآيَةِ. فَيَسْتَخْرِجُ مِنْهَا مَا هُوَ مَكْنُونٌ فِيهَا مِنَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِهَا كَمَا آخُذُ الْآنَ فِي شَرْحِهِ وَبَيَانِهِ. فَأَقُولُ: إِنَّ التَّأْوِيلَ فِي النُّورِ لَا يَكْتَفِي بِالنُّورِ الطَّبِيعِيِّ، الْمُتَوَلِّدِ مِنَ الشَّمْسِ وَالْكَوَاكِبِ وَالنَّارِ، دُونَ النُّورِ الْعِلْمِيِّ اللَّامِعِ مِنْ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنَ السَّابِقِ وَالتَّالِي، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْآيَةِ لَمَّا كَانَ اللَّهَ تَعَالَى، وَجَعَلَ التَّمَاثِيلَ بِنُورِهِ، عُلِمَ أَنَّ النُّورَ الْمَنْسُوبَ إِلَى اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ النُّورُ الْعِلْمِيُّ وَالْعَقْلِيُّ.
Quotes the Quran 24:35 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 84
أَلَا تَرَى إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، كَيْفَ خَتَمَ؟ حَيْثُ قَالَ: «يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَآءُ»، يَعْنِي يَهْدِي اللَّهُ لِعِلْمِهِ مَنْ يَشَاءُ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ النُّورَ الطَّبِيعِيَّ الَّذِي يَحْدُثُ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ وَالنَّارِ، لَمْ يَخُصَّ بِهِ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، إِذِ النُّورُ الطَّبِيعِيُّ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَالْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ. وَإِنَّمَا شُبِّهَ الْعِلْمُ بِالنُّورِ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ بِالنُّورِ الْمُتَوَلِّدِ مِنَ الشَّمْسِ وَالْكَوَاكِبِ وَالنَّارِ تُبْصِرُ الْأَلْوَانَ، وَتُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَشْكَالِ وَالصُّوَرِ. كَذَلِكَ بِالْعِلْمِ الْحَقِيقِيِّ تَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ النُّورِ إِنَّمَا هُوَ النُّورُ الْعِلْمِيُّ، كَقَوْلِهِ: «فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلْنَا». وَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بِالنُّورِ الطَّبِيعِيِّ. وَكَقَوْلِهِ: «أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ»، يَعْنِي عَلَى بَصِيرَةٍ وَمَعْرِفَةٍ بِاكْتِسَابِهِ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ. فَهَذَا مَعْنَى النُّورِ وَعَمَلُ التَّأْوِيلِ فِيهِ.
Quotes the Quran 64:8 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 39:22 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 85
فَأَمَّا التَّأْوِيلُ فِي «الْمِشْكَاةِ»، فَإِنَّ تَفْسِيرَ اللَّفْظَةِ الْكُوَّةُ الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا السِّرَاجُ، فَأَيُّ نِسْبَةٍ بَيْنَ نُورِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْكُوَّةِ؟ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَوْضِعُ التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ مَثَلًا لِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ نُورَ الشَّمْسِ مِثْلُ الْكُوَّةِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَمْثِيلًا حَسَنًا، وَلَا كَانَ مُمَثِّلُهُ بَلِيغًا فِي التَّمْثِيلِ. فَلَمَّا أَخَذَ التَّأْوِيلُ فِي وَضْعِهِ مَوْضِعَهُ جَعَلَ الْكُوَّةَ نَاطِقًا الَّذِي هُوَ فِي الْأَرْضِ مَثَلٌ وَقَرَارٌ لِقَبُولِ نُورِ اللَّهِ الْمُنْزَلِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ يَتَوَلَّدُ التَّقْلِيدَاتُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، «كَمِشْكَاةٍ»، سِتَّةُ أَحْرُفٍ، إِذْ صَاحِبُ هَذَا الدَّوْرِ هُوَ سَادِسُ النُّطَقَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَحَرْفٌ مِنْهَا مُكَرَّرٌ، وَهُوَ الْكَافُ، وَخَمْسَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ عَلَى أَنَّ النُّطَقَاءَ سِتَّةٌ فَوَاحِدٌ لَيْسَ بِصَاحِبِ شَرِيعَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُكَرِّرُ الْعِدَّةِ.
- ¶ 86
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فِي المِصْبَاحِ، فَإِنَّهُ مِصْبَاحُ العِلْمِ، القَائِمُ بَعْدَهُ مَقَامَهُ فِي نَشْرِ العِلْمِ بَيْنَ أُمَّتِهِ لِيَهْتَدُوا بِنُورِ عِلْمِهِ إِلَى طَرِيقِ اللَّهِ، وَيَتَخَلَّصُوا مِنْ ظُلُمَاتِ الشُّكُوكِ وَالاخْتِلَافِ. وَمِنْ هَذِهِ الجِهَةِ قِيلَ لِلْعُلَمَاءِ مَصَابِيحُ العِلْمِ. وَسُمِّيَ الكَوَاكِبُ المَصَابِيحَ، كَقَوْلِهِ: (وَزَيَّنَّا السَّمآءَ الدُّنْيَا بِمَصٰبِيحَ). وَمَصَابِيحُ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ، إِذْ هُوَ خَامِسُ الأُسُسِ. وَإِنَّمَا جُعِلَ المِصْبَاحُ مَنْسُوبًا إِلَى المِشْكَاةِ فِي قَوْلِهِ: «فِيهَا مِصْبَاحٌ»، لِأَنَّ الأَسَاسِيَّةَ مُسْتَجِنَّةٌ فِي نَفْسِ النَّاطِقِ، إِذْ كُلُّ نَاطِقٍ أَسَاسٌ، وَلَيْسَ كُلُّ أَسَاسٍ نَاطِقٌ.
- ¶ 87
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فِي «زُجَاجَةٍ» فِي قَوْلِهِ: (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ)، فَإِنَّهُ عَلَى الْفَرْخِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَامَ فِي مَرْتَبَتِهِ، أَوَّلِ الْأَتِمَّاءِ، لِأَنَّ التَّأْوِيلَ إِذَا بَحَثَ عَنِ الزُّجَاجَةِ وَجَدَهَا جَوْهَرًا رِخْوًا ضَعِيفًا، سَرِيعَ الِانْكِسَارِ وَالِانْبِتَارِ وَالْبُعْدِ عَنِ الِالْتِئَامِ. فَنَظَرَ صَاحِبُ التَّأْوِيلِ فِي الْفَرْخِ الْأَوَّلِ، فَوَجَدَهُ مُمَاثِلًا هَذِهِ الصِّفَةَ لِلزُّجَاجَةِ فِي ضَعْفِهِ مِنْ تَحْتِ يَدِ عَدُوِّهِ، وَسُرْعَةِ طَلَبِهِ الصُّلْحَ، وَتَفَرُّقِ شِيعَتِهِ وَبُعْدِهِ عَنْ أَنْ تَحُولَ الْإِمَامَةُ فِي وَلَدِهِ. فَجَعَلَهُ مَثَلًا لِلزُّجَاجَةِ الَّتِي فِيهَا تَكَوَّنَ الْمِصْبَاحُ، يَعْنِي فِي أَوَّلِ الْأَتِمَّاءِ الَّذِي فِيهِ أَوْدَعَ الْأَسَاسُ الْإِمَامَةَ. فَهَذَا عَمَلُ التَّأْوِيلِ فِي الزُّجَاجَةِ.
- ¶ 88
فَأَمَّا التَّأْوِيلُ فِي "الكَوَاكِبِ" الَّذِي فِي قَوْلِهِ: (كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)، فَإِنَّهُ عَلَى الفَرْخِ الثَّانِي الَّذِي قَامَ فِي مَرْتَبَةِ ثَانِي الأَتِمَّاءِ، لِأَنَّ التَّأْوِيلَ إِذَا بَحَثَ عَنِ الكَوْكَبِ وَجَدَهُ جَوْهَرًا عُلْوِيًّا مُضِيئًا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الطُّلُوعِ وَالغُرُوبِ مَتَى غَرَبَ طَلَعَ. فَلَمَّا نَظَرَ صَاحِبُ التَّأْوِيلِ فِيهِ وَجَدَ الفَرْخَ الثَّانِيَ هَذِهِ الصِّفَةَ فِي عُلُوِّ حِكْمَتِهِ، وَظُهُورِ رَايَتِهِ، وَضِيَاءِ كَلِمَتِهِ، وَفِي وَصْلِهِ الإِمَامَةَ فِي عَقِبِهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، مَتَى خَرَجَ الوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنِ العَالَمِ قَامَ مِنْ صُلْبِهِ مَنْ يَقُومُ بَدَلَهُ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فِي "الشَّجَرَةِ المُبَارَكَةِ الزَّيْتُونَةِ" الَّتِي هِيَ لَا شَرْقِيَّةٌ وَلَا غَرْبِيَّةٌ فِي قَوْلِهِ: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ). فَإِنَّ التَّأْوِيلَ عَنْ هَذِهِ السِّمَاتِ اللَّاحِقَةِ بِالشَّجَرَةِ، فَالشَّجَرَةُ نَفْسُهَا وَجَدَهَا نَبَاتًا تُنْبِتُهُ الأَرْضُ لِتُخْرِجَ مِنْهَا مَرَقًا. فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ شَبَّهَ البَشَرَ بِالنَّبَاتِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ نَبَاتًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا).
Quotes the Quran 71:17 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 3:37 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 89
فَدَلَّتْنَا هَاتَانِ الْآيَتَانِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِي الشَّجَرَةِ الرَّجُلُ النَّابِتُ فِي دِينِ اللَّهِ لِمَصْلَحَةِ عِبَادِهِ، يَسْتَفِيدُوا مِنْ ثَمَرَةِ عُلُومِهِ الَّتِي تُفِيدُهُمْ. وَأَكَّدَتْهُ ذِكْرُ الْمُبَارَكَةِ لِأَنَّ الْبَرَكَاتِ الْمُتَّصِلَةَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ الَّتِي أُقِيمَتْ لِنَشْرِ الْحَقِّ بَيْنَ الْخَلْقِ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (قِيلَ يلنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَـٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ). وَالْبَرَكَةُ سِمَةُ الشَّيْءِ الْقَلِيلِ الذَّاتِ، الْكَثِيرِ الْمَنْفَعَةِ. وَ«الزَّيْتُونَةُ» ثَمَرَةٌ كَثِيرَةُ الدُّهْنِ، شَدِيدَةُ الْعُفُوصَةِ. وَ«الشَّرْقِيَّةُ وَالْغَرْبِيَّةُ» الْجِهَتَانِ اللَّتَانِ أَحَدُهُمَا لِطُلُوعِ النُّورِ وَالْآخَرُ لِغَيْبَتِهِ. فَلَمَّا تَعَمَّقَ التَّأْوِيلَ فِيهَا وَجَدَهَا مِثَالًا لِسَيِّدِ الْعَابِدِينَ الَّذِي نَبَتَ بَعْدَ دُرُوسِ الدِّينِ وَاسْتِعْلَالِهِ، وَمِنْهُ اتَّصَلَتِ الْبَرَكَاتُ حَتَّى مَلَأَ الْعَالَمَ مِنْ نَسْلِهِ ظَاهِرًا وَخَفِيًّا.
Quotes the Quran 11:48 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 90
وَكَثْرَةُ دُهْنِهِ، شِدَّةُ عِبَادَتِهِ وَخُضُوعِهِ لِخَالِقِهِ. وَشِدَّةُ عُفُوصَتِهِ تَوَارِيهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ مِنْ جَوْرِ الظَّلَمَةِ. وَاخْتِصَاصُهَا بِأَنْ لَمْ تَكُنْ شَرْقِيَّةً وَلَا غَرْبِيَّةً، هُوَ مَا حُصِرَ عَلَى لَوَاحِقِهِ مِنْ أَمْرِ الدَّعْوَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً انْتِقَامًا لِمَا نَزَلَ بِالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ. وَفِي آخِرِهِ مَا أُطْلِقَ لَهُمُ الدَّعْوَةُ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ فِي الشَّرْقِيَّةِ وَالْغَرْبِيَّةِ لَهُ أَوْجُهٌ كَثِيرَةٌ.
- ¶ 91
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فِي قَوْلِهِ: «يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ»، يَعْنِي كَادَ الْبَاقِرُ أَنْ يُظْهِرَ شَخْصَهُ وَيُعْلِيَ دَعْوَتَهُ طَلَبًا لِثَأْرِ آبَائِهِ، فَأُصْرِفَ عَنْهُ إِلَى أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَيَجُوزُ عَلَى أَنَّ الْبَاقِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَادَ أَنْ يُظْهِرَ عِلْمَهُ بَيْنَ أَظْهُرِ مَنْ لَمْ يَمْسَسْهُ نُورُ الْإِيمَانِ لِضِيقِ الزَّمَانِ. وَالتَّأْوِيلُ فِي قَوْلِهِ: «نَارٌ» أَرَادَ بِهِ الصَّادِقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي جَلَسَ لِفِرَقِ الْأُمَّةِ يُفِيدُهُمْ عَلَى مِقْدَارِ أَفْهَامِهِمْ، كَالنَّارِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا كُلُّ مَخْلُوقٍ، طَبِيعِيٍّ وَصِنَاعِيٍّ. «نُورٌ» وَلَدُهُ الَّذِي لَمْ يُنْسَبْ إِلَى شَيْءٍ كَنَسَبِ مَا قَبْلَهُ لِخَفَائِهِ وَسَتْرِهِ، إِذِ النُّورُ يَلْمَعُ فِي نُفُوسِ أَوْلِيَاءِ اللهِ خَفِيًّا، غَيْرَ ظَاهِرٍ. «عَلَى نُورٍ» أَرَادَ بِهِ الْقَائِمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي فِيهِ غَرَبَتِ الْأَنْوَارُ، وَمِنْهُ يَطْلُعُ النُّورُ الَّذِي بِهِ تُشْرِقُ الْأَرْضُ وَمَا عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ: «يَهْدِي اللهُ نُورَهُ مَنْ يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثٰلَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ». فَهٰذَا عَمَلُ التَّأْوِيلِ بِالْأَلْفَاظِ الْمَحْصُورَةِ فِي هٰذِهِ الْآيَةِ.
- ¶ 92
وَإِنْ كَانَ هَذَا أَدْنَى عِلْمِهِ بِالْقِيَاسِ إِلَى مَا فِي كُلِّ لَفْظَةٍ مِنْ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْمَعَانِي الْغَامِضَةِ وَالرُّمُوزَاتِ الْحَافِظَةِ مِمَّا هِيَ مُسَطَّرَةٌ فِي نُفُوسِ أُمَنَاءِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَخُلَفَائِهِ فِي دِينِهِ. وَبِالِاسْتِكَانَةِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِمْ يَمُنُّونَ عَلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَأَنْصَارِهِمْ مَا هَا حَيَاةُ أَنْفُسِهِمْ، وَضِيَاءُ أَرْوَاحِهِمْ، وَخَلَاصُهُمْ مِنَ الْوَرَطَاتِ الَّتِي فِيهَا أَهْلُ الظَّاهِرِ «فِي غَمْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ جَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى نَوْعَيْنِ؟ نَوْعٌ مِنْهُ «مُحْكَمٌ»، يُوقَفُ عَلَيْهِ حِينَ السَّمَاعِ بِلَا حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى اسْتِنْبَاطِ مَعَانِيهِ الْمَسْتُورَةِ تَحْتَهُ؛ وَنَوْعٌ مِنْهُ «مُتَشَابِهٌ»، لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ حِينَ السَّمَاعِ، بَلْ يَحْتَاجُ هَذَا النَّوْعُ إِلَى اسْتِنْبَاطِ مَعَانِيهِ الْخَفِيَّةِ. وَالْوَاقِفُونَ عَلَى هَذَا النَّوْعِ هُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَهُمْ بِالْعَدَدِ قَلِيلٌ. وَالْوَاقِفُونَ عَلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ هُمُ الْعَوَامُّ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إِلَى الْكَثْرَةِ.
- ¶ 93
وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَلْ فِي الْخِلْقَةِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَوْعَيِ الْقُرْآنِ، وَهُمَا الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ؟ يُقَالُ لَهُ: لَمَّا كَانَ عِلَّةُ التَّرْكِيبِ وَعِلَّةُ الْقُرْآنِ عِلَّةً وَاحِدَةً، وَيَنْبُوعُهُمَا يَنْبُوعٌ وَاحِدٌ. ثُمَّ وَجَدْتَ التَّرْكِيبَ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ مِنْهُ مُحْكَمٌ، قَدْ وَقَفَ أَكْثَرُ الْخَلْقِ عَلَيْهِ، وَعَرَفُوهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَخَوَاصِّهِ، وَهُوَ مَا يَتَوَلَّدُ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ مِنَ الْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ. فَإِنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا مَعْرُوفَةٌ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَفِعْلِهِ وَخَاصَّتِهِ، وَلِأَيِّ شَيْءٍ يَصْلُحُ، وَفِي أَيِّ شَيْءٍ يَدْخُلُ، وَمَعَ أَيِّ شَيْءٍ يَتَّفِقُ، وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَخْتَلِفُ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ، وَالْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالرُّمَّانِ، وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَالنَّجْمِ وَالشَّجَرِ، وَمَا أَشْبَهَهَا. فَلَا يَخْفَى عَلَى عَوَامِّ النَّاسِ أَسَامِيهَا وَصِفَاتُهَا وَنُعُوتُهَا، وَأَفْعَالُهَا وَخَوَاصُّهَا، وَمُوَافَقَتُهَا وَمُنَافَرَتُهَا. فَهَذَا النَّوْعُ هِيَ الْآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ مِنَ الْقُرْآنِ الَّتِي وَقَفَ الْعَامَّةُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِمْ مَعَانِيهَا.
- ¶ 94
وَالنَّوْعُ الْآخَرُ مِنَ التَّرْكِيبِ مُتَشَابِهٌ. قَدْ خَفِيَ عِلْمُهُ عَنْ أَكْثَرِ النَّاسِ وَخُصَّ بِعِلْمِهِ الرَّاسِخُونَ فِي الْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ. وَهُوَ عِلْمُ التَّنْجِيمِ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ حَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ وَاتِّصَالَاتِهَا وَانْصِرَافَاتِهَا. فَإِنَّهَا، أَعْنِي الْكَوَاكِبَ، مَسْرُودَةٌ فِي أَفْلَاكِهَا، يَرَاهَا الْخَلْقُ بِأَعْيَانِهَا وَمَوَاضِعِهَا، وَلَا يَعْرِفُونَ مَا تَحْتَهَا مِنْ مَفَاتِيحِ الْغُيُوبِ الدَّالَّةِ عَلَى الْكَوَائِنِ. فَلَمَّا وَجَدْتَ التَّرْكِيبَ هَذِهِ الصِّفَةَ أَنَّهُ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ مِنْهُ مُحْكَمٌ، قَدْ وَقَفَ الْعَوَامُّ عَلَيْهَا؛ وَنَوْعٌ مِنْهُ مُتَشَابِهٌ، خُصَّ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، وَمَنْ رَسَخَ فِي عِلْمِ مُقَدِّمَاتِهَا وَمَقَايِسِهَا.
- ¶ 95
كَذَلِكَ وُجِدَ الْقُرْآنُ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ مِنْهُ مُحْكَمٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهِ إِلَى أَكْثَرَ مِنَ السَّمَاعِ؛ وَنَوْعٌ مِنْهُ مُتَشَابِهٌ، لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالسَّمَاعِ دُونَ الِاسْتِنْبَاطِ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ عِلَّتَهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَنْبُوعَهُمَا يَنْبُوعٌ وَاحِدٌ، عَلَى أَنَّهُ تَقَعُ فِي الْمُحْكَمِ مِنَ الْقُرْآنِ عُلُومٌ خَفِيَّةٌ تَظْهَرُ عِنْدَ الْفَحْصِ، كَمَا يَقَعُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَوَالِيدِ الَّتِي يَظْهَرُ عَلَى الْأَرْضِ خَوَاصُّ وَأَفْعَالٌ لَا يَعْرِفُهَا الْعَوَامُّ، بَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالتَّمْيِيزِ. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ جَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى نَوْعَيْنِ: مُحْكَمٍ وَمُتَشَابِهٍ، شَبِيهًا بِالْمَوْجُودِ فِي الْخِلْقَةِ مِنَ التَّرَاكِيبِ. فَاعْرِفْهُ.
Translations, word glosses and term notes are AI-generated (Claude) and marked as such; no published translation is reproduced.Word analysis is automatic (CAMeL Tools), guided by the text's vowelling. How this text was established.