Mashrabaمشربة
Skip to the textSkip to the word panel

The Epistle on Sufism: the terms, insight and knowledge of God

الرسالة القشيرية: تفسير الألفاظ، والفراسة، والمعرفة بالله

About the vowels: added by AI; uncertain words are underlined

The source of this text, a printed edition or a manuscript, has few or no vowel marks, as is usual for such texts. The vowels shown were added by AI and checked against an independent grammatical analyser; the few words where the two disagree are underlined as uncertain. Choose “Unvowelled” under Aa to read the letters alone.

  1. The terms · Introduction: why the Sufis have their own words

    0
    ،،،.

    Chapter on the explanation of expressions current among this group, and the clarification of what is obscure in them. Know that it is well established that every group of scholars has expressions which they use, which they hold exclusively, apart from everyone else, and on which they have agreed among themselves for purposes of their own: to bring the meaning closer to the understanding of those addressed by them, or to make it easier for the practitioners of that discipline to grasp their meanings when the expressions are used without qualification. This group, too, employs expressions among themselves by which they intend to disclose their meanings to one another, while keeping them concise and veiled from those who differ from them in their way, so that the meanings of their expressions remain obscure to outsiders. They do this out of jealous protectiveness over their secrets, lest these spread among those not fit for them. For their realities are not gathered by any kind of contrived effort, nor obtained by any manner of personal contrivance. Rather, they are meanings which God, exalted is He, has deposited in the hearts of a certain folk, and for whose realities He has singled out the innermost secrets of a certain folk. We wish to explain these expressions to make understanding easier for those who wish to grasp their meanings, from among those who travel their paths and follow their customs.

  2. The terms · 1. al-waqt: the moment

    1
    ،:،.:،،،،،،:،:..:،.

    Among these [terms] is 'the moment' (al-waqt). The reality of the moment, according to the people of realisation, is an imagined occurrence whose coming-about is made dependent upon an actual occurrence; the actual occurrence is then the moment (time) of the imagined occurrence. You say, 'I will come to you at the beginning of the month': the coming is imagined, while the beginning of the month is an actual occurrence, so the beginning of the month is the moment of the coming. I heard the Master Abū ʿAlī al-Daqqāq (may God Most High have mercy on him) say: 'The moment is that in which you are. If you are with this world, your moment is this world; if you are with the hereafter, your moment is the hereafter; if you are in joy, your moment is joy; and if you are in sorrow, your moment is sorrow.' By this he means that the moment is whatever prevails over a person. Sometimes they mean by 'the moment' the time in which one finds oneself, for some have said: 'The moment is what lies between the two times', meaning the past and the future. They also say: 'The Sufi is the son of his moment.' By this they mean that he is occupied with what is most fitting for him in the present state, attending to what is required of him at that time. And it has been said: 'The poor one is not concerned with the past of his moment or with what is to come of it; rather, he is concerned with the moment in which he is.'

  3. 2

    وَقِيلَ: الِاشْتِغَالُ بِفَوَاتِ وَقْتٍ مَاضٍ تَضْيِيعُ وَقْتٍ ثَانٍ، وَقَدْ يُرِيدُونَ بِالْوَقْتِ مَا يُصَادِفُهُمْ مِنْ تَصْرِيفِ الْحَقِّ لَهُمْ دُونَ مَا يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَقُولُونَ فُلَانٌ بِحُكْمِ الْوَقْتِ، أَيْ أَنَّهُ مُسْتَسْلِمٌ لِمَا يَبْدُو لَهُ مِنَ الْغَيْبِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ لَهُ، وَهَذَا فِيمَا لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِيهِ أَمْرٌ أَوِ اقْتِضَاءٌ بِحَقِّ شَرْعٍ، إِذِ التَّضْيِيعُ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ، وَإِحَالَةُ الْأَمْرِ فِيهِ عَلَى التَّقْدِيرِ، وَتَرْكُ الْمُبَالَاةِ بِمَا يَحْصُلُ مِنْكَ مِنَ التَّقْصِيرِ خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ. وَمِنْ كَلَامِهِمْ: الْوَقْتُ سَيْفٌ، أَيْ: كَمَا أَنَّ السَّيْفَ قَاطِعٌ، فَالْوَقْتُ بِمَا يُمْضِيهِ الْحَقُّ وَيُجْرِيهِ غَالِبٌ.

  4. 3

    وَقِيلَ: السَّيْفُ لَيِّنٌ مَسُّهُ قَاطِعٌ حَدُّهُ، فَمَنْ لَايَنَهُ سَلِمَ، وَمَنْ خَاشَنَهُ اصْطُلِمَ، كَذَلِكَ الْوَقْتُ مَنِ اسْتَسْلَمَ لِحُكْمِهِ نَجَا، وَمَنْ عَارَضَهُ انْتَكَسَ وَتَرَدَّى، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ: وَكَالسَّيْفِ إِنْ لَايَنْتَهُ لَانَ مَسُّهُ ... وَحَدَّاهُ إِنْ خَاشَنْتَهُ خَشِنَانِ وَمَنْ سَاعَدَهُ الْوَقْتُ فَالْوَقْتُ لَهُ وَقْتٌ، وَمَنْ نَاكَدَهُ الْوَقْتُ فَالْوَقْتُ عَلَيْهِ مَقْتٌ. وَسَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ، يَقُولُ: الْوَقْتُ مِبْرَدٌ يَسْحَقُكَ وَلَا يَمْحَقُكَ، يَعْنِي: لَوْ مَحَاكَ وَأَفْنَاكَ لَتَخَلَّصْتَ حِينَ فَنِيتَ، لَكِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْكَ وَلَا يَمْحُوكَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَانَ يُنْشِدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى: كُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ يَأْخُذُ بَعْضِي ... يُورِثُ الْقَلْبَ حَسْرَةً ثُمَّ يَمْضِي وَكَانَ يُنْشِدُ أَيْضًا: كَأَهْلِ النَّارِ إِنْ نَضِجَتْ جُلُودٌ ... أُعِيدَتْ لِلشَّقَاءِ لَهُمْ جُلُودُ وَفِي مَعْنَاهُ: لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ وَالْكَيِّسُ مَنْ كَانَ يُحْكِمُ وَقْتَهُ إِنْ كَانَ وَقْتُهُ الصَّحْوَ فَقِيَامُهُ بِالشَّرِيعَةِ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُهُ الْمَحْوَ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْحَقِيقَةِ،

  5. The terms · 2. al-maqām: the station

    4

    وَمِنْ ذَلِكَ الْمَقَامُ وَالْمَقَامُ: مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْعَبْدُ بِمُنَازَلَتِهِ مِنَ الآدَابِ بِمَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِنَوْعِ تَصَرُّفٍ، وَيَتَحَقَّقُ بِهِ بِضَرْبِ تَطَلُّبٍ وَمُقَاسَاةِ تَكَلُّفٍ فَمَقَامُ كُلِّ أَحَدٍ مَوْضِعُ إِقَامَتِهِ عِنْدَ ذَلِكَ وَمَا هُوَ مُشْتَغِلٌ بِالرِّيَاضَةِ لَهُ وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَرْتَقِيَ مِنْ مَقَامٍ إِلَى مَقَامٍ آخَرَ مَا لَمْ يَسْتَوْفِ أَحْكَامَ ذَلِكَ الْمَقَامِ فَانَّ مَنْ لَا قَنَاعَةَ لَهُ لَا يَصِحُّ لَهُ التَّوَكُّلُ وَمَنْ لَا تَوَكُّلَ لَهُ لَا يَصِحُّ لَهُ التَّسْلِيمُ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ لَا تَصِحُّ لَهُ الْإِنَابَةُ وَمَنْ لَا وَرَعَ لَهُ لَا يَصِحُّ لَهُ الزُّهْدُ، وَالْمَقَامُ هُوَ الْإِقَامَةُ كَالْمُدْخَلِ بِمَعْنَى الْإِدْخَالِ وَالْمُخْرَجِ بِمَعْنَى الْإِخْرَاجِ، وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ مُنَازَلَةُ مَقَامٍ إِلَّا بِشُهُودِ إِقَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِذَلِكَ الْمَقَامِ لِيَصِحَّ بِنَاءُ أَمْرِهِ عَلَى قَاعِدَةٍ صَحِيحَةٍ، سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، يَقُولُ: لَمَّا دَخَلَ الْوَاسِطِيُّ بِنَيْسَابُورَ سَأَلَ أَصْحَابَ أَبِي عُثْمَانَ بِمَاذَا كَانَ يَأْمُرُكُمْ شَيْخُكُمْ؟ فَقَالُوا: كَانَ يَأْمُرُنَا بِالْتِزَامِ الطَّاعَاتِ وَرُؤْيَةِ التَّفْسِيرِ فِيهَا، فَقَالَ: أَمَرَكُمْ بِالْمَجُوسِيَّةِ الْمَحْضَةِ، هَلَّا أَمَرَكُمْ بِالْغَيْبَةِ عَنْهَا بِرُؤْيَةِ مُنْشِئِهَا وَمُجْرِيهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْوَاسِطِيُّ بِهَذَا صِبْيَانَهُمْ عَنْ مَحَلِّ الْإِعْجَابِ لَا تَعْرِيجًا فِي أَوْطَانٍ لِلتَّقْصِيرِ أَوْ تَجْوِيزًا لِلْإِخْلَالِ بِأَدَبٍ مِنَ الأَدَابِ،

  6. The terms · 3. al-ḥāl: the state

    5

    وَمِنْ ذَلِكَ الْحَالُ وَالْحَالُ عِنْدَ الْقَوْمِ: مَعْنًى يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ مِنْهُمْ وَلَا اجْتِلَابٍ وَلَا اكْتِسَابٍ لَهُمْ مِنْ طَرَبٍ أَوْ حُزْنٍ أَوْ بَسْطٍ أَوْ قَبْضٍ أَوْ شَوْقٍ أَوِ انْزِعَاجٍ أَوْ هَيْبَةٍ أَوِ احْتِيَاجٍ، فَالْأَحْوَالُ مَوَاهِبُ وَالْمَقَامَاتُ مَكَاسِبُ، وَالْأَحْوَالُ تَأْتِي مِنْ غَيْرِ الْوُجُودِ وَالْمَقَامَاتُ تَحْصُلُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ وَصَاحِبُ الْمَقَامِ مُمَكَّنٌ فِي مَقَامِهِ وَصَاحِبُ الْحَالِ مُتَرَقٍّ عَنْ حَالِهِ. وَسُئِلَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ عَنِ الْعَارِفِ، فَقَالَ: كَانَ هَهُنَا فَذَهَبَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: الْأَحْوَالُ كَالْبُرُوقِ فَإِنْ بَقِيَ فَحَدِيثُ نَفْسٍ. وَقَالُوا: الْأَحْوَالُ كَاسْمِهَا يَعْنِي أَنَّهَا كَمَا تَحُلُّ بِالْقَلْبِ تَزُولُ فِي الْوَقْتِ، وَأَنْشَدُوا: لَوْ لَمْ تَحُلْ مَا سُمِّيَتْ حَالًا ... وَكُلُّ مَا حَالَ فَقَدْ زَالَا انْظُرْ إِلَى الْفَيْءِ إِذَا مَا انْتَهَى ... يَأْخُذُ فِي النَّقْصِ إِذَا طَالَا

  7. 6

    وَأَشَارَ قَوْمٌ إِلَى بَقَاءِ الْأَحْوَالِ وَدَوَامِهَا، وَقَالُوا: إِنَّهَا إِذَا لَمْ تَدُمْ وَلَمْ تَتَوَالَ، فَهِيَ لَوَائِحُ وَبَوَادِهُ، وَلَمْ يَصِلْ صَاحِبُهَا بَعْدُ إِلَى الْأَحْوَالِ، فَإِذَا دَامَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تُسَمَّى حَالًا، وَهَذَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، يَقُولُ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا أَقَامَنِي اللَّهُ تَعَالَي فِي حَالٍ فَكَرِهْتُهُ أَشَارَ إِلَى دَوَامِ الرِّضَا، وَالرِّضَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ، فَالْوَاجِبُ فِي هَذَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَنْ أَشَارَ إِلَى بَقَاءِ الْأَحْوَالِ فَصَحِيحٌ مَا قَالَ فَقَدْ يَصِيرُ الْمَعْنَي شِرْبًا لِأَحَدٍ فَيُرَي بِهِ وَلَكِنْ لِصَاحِبِ هَذِهِ الْحَالِ أَحْوَالٌ هِيَ طَوَارِقُ لَا تَدُومُ فَوْقَ أَحْوَالِهِ الَّتِي صَارَتْ شِرْبًا لَهُ فَاِذَا دَامَتْ هَذِهِ الطَّوَارِقُ هَلْ كَمَا دَامَتِ الْأَحْوَالُ الْمُتَقَدِّمَةُ ارْتَقَى إِلَى أَحْوَالٍ أُخَرَ فَوْقَ هَذِهِ وَأَلْطَفَ مِنْ هَذِهِ فَأَبَدًا يَكُونُ فِي التَّرَقِّي.

  8. 7

    سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ فِي مَعْنَي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَدًا فِي التَّرَقِّي مِنْ أَحْوَالِهِ فَإِذَا ارْتَقَي مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ أَعْلَى مِمَّا كَانَ فِيهَا فَرُبَّمَا حَصَلَ لَهُ مُلَاحَظَةٌ إِلَى مَا ارْتَقَي عَنْهَا فَكَانَ بَعْدَهَا غَيْنًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا حَصَلَ فِيهَا فَابَدًا كَانَتْ أَحْوَالُهُ فِي التَّزَايُدِ وَمَقْدُورَاتُ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ مِنَ الْأَلْطَافِ لَا نِهَايَةَ لَهَا فَإِذَا كَانَ حَقُّ الْحَقِّ تَعَالَى الْعِزَّ، وَكَانَ الْوُصُولُ إِلَيْهِ بِالتَّحْقِيقِ مُحَالًا فَالْعَبْدُ أَبَدًا فِي ارْتِقَاءِ أَحْوَالِهِ فَلَا مَعْنًى يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا وَفِي مَقْدُورِهِ سُبْحَانَهُ مَا هُوَ فَوْقَهُ يَقْدِرُ أَنْ يُوصِلَهُ إِلَيْهِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ وَسُئِلَ الْجُنَيْدُ عَنْ هَذَا فَأَنْشَدَ: طَوَارِقُ أَنْوَارٍ تَلُوحُ إِذَا بَدَتْ ... فَتُظْهِرُ كِتْمَانًا وَتُخْبِرُ عَنْ جَمْعِ

  9. The terms · 4. al-qabḍ wa-l-basṭ: contraction and expansion

    8

    وَمِنْ ذَلِكَ الْقَبْضُ وَالْبَسْطُ وَهُمَا حَالَتَانِ بَعْدَ تَرَقِّي الْعَبْدِ عَنْ حَالَةِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَالْقَبْضُ: لِلْعَارِفِ بِمَنْزِلَةِ الْخَوْفِ لِلْمُسْتَأْنِفِ وَالْبَسْطُ لِلْعَارِفِ بِمَنْزِلَةِ الرَّجَاءِ لِلْمُسْتَأْنِفِ وَمِنَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْقَبْضِ وَالْخَوْفِ وَالْبَسْطِ وَالرَّجَاءِ أَنَّ الْخَوْفَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ شَيْءٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِمَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ مَحْبُوبٍ أَوْ هُجُومَ مَحْذُورٍ، وَكَذَلِكَ الرَّجَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَأْمِيلِ مَحْبُوبٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ بِتَطَلُّعِ زَوَالِ مَحْذُورٍ وَكِفَايَةِ مَكْرُوهٍ فِي الْمُسْتَأْنَفِ.

  10. 9

    وَأَمَّا الْقَبْضُ: فَلِمَعْنًي حَاصِلٍ فِي الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ الْبَسْطُ فَصَاحِبُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ فِي حَالَتَيْهِ بِآجِلِهِ وَصَاحِبُ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ أُخِذَ وَقْتُهُ بِوَارِدٍ غَلَبَ عَلَيْهِ فِي عَاجِلِهِ، ثُمَّ تَتَفَاوَتُ نُعُوتُهُمْ فِي الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ، فَمِنْ وَارِدٍ يُوجِبُ قَبْضًا وَلَكِنْ يَبْقَى مَسَاغٌ لِلْأَشْيَاءِ الْأُخَرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَوْفٍ، وَمِنْ مَقْبُوضٍ لَا مَسَاغَ لِغَيْرِ وَارِدِهِ يُوجِبُ قَبْضًا وَلَكِنْ يَبْقَى مَسَاغٌ لِلْأَشْيَاءِ الْأُخَرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَوْفٍ وَمِنْ مَقْبُوضٍ لَا مَسَاغَ لِغَيْرِ وَارِدِهِ فِيهِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ بِوَارِدِهِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَا رَدْمٌ أَيْ لَا مَسَاغَ فِيَّ، وَكَذَلِكَ الْمَبْسُوطُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ بَسْطٌ يَسَعُ الْخَلْقَ فَلَا يَسْتَوْحِشَنَّ مِنْ أَكْثَرِ الْأَشْيَاءِ وَيَكُونُ مَبْسُوطًا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْءٌ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.

  11. 10

    سَمِعْتُ الأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: دَخَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ القَحْطِيِّ وَكَانَ لَهُ ابْنٌ يَتَعَاطَى مَا يَتَعَاطَاهُ الشَّبَابُ وَكَانَ مَمَرُّ هَذَا الدَّاخِلِ عَلَى هَذَا الابْنِ فَإِذَا هُوَ مَعَ أَقْرَانِهِ فِي اشْتِغَالِهِ بِبَطَالَتِهِ فَرَقَّ قَلْبُهُ وَتَأَلَّمَ القَحْطِيُّ، وَقَالَ: مِسْكِينٌ هَذَا الشَّيْخُ كَيْفَ ابْتُلِيَ بِمُقَاسَاةِ هَذَا الابْنِ؟ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى القَحْطِيِّ وَجَدَهُ كَأَنَّهُ لا خَبَرَ لَهُ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ المَلاهِي فَتَعَجَّبَ مِنْهُ وَقَالَ: فَدَيْتُ مَنْ لا تُؤَثِّرُ فِيهِ الجِبَالُ الرَّوَاسِي فَقَالَ القَحْطِيُّ: إِنَّا قَدْ حُرِّرْنَا عَنْ رِقِّ الأَشْيَاءِ فِي الأَزَلِ.

  12. 11

    وَمِنْ أَدْنَى مُوجِبَاتِ الْقَبْضِ أَنْ يَرِدَ عَلَى قَلْبِهِ وَارِدٌ مُوجَبُهُ إِشَارَةٌ إِلَى عِتَابٍ وَرَمْزٌ بِاسْتِحْقَاقِ تَأْدِيبٍ فَيَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ لَا مَحَالَةَ قَبْضٌ وَقَدْ يَكُونُ مُوجَبُ بَعْضِ الْوَارِدَتِ إِشَارَةً إِلَى تَقْرِيبٍ أَوْ إِقْبَالٍ بِنَوْعِ لُطْفٍ وَتَرْحِيبٍ فَيَحْصُلُ لِلْقَلْبِ بَسْطٌ، وَفِي الْجُمْلَةِ قَبْضُ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى حَسَبِ بَسْطِهِ، وَبَسْطُهُ عَلَى حَسَبِ قَبْضِهِ، وَقَدْ يَكُونُ قَبْضٌ يُشْكِلُ عَلَى صَاحِبِهِ سَبَبُهُ يَجِدُ فِي قَلْبِهِ قَبْضًا لَا يَدْرِي مُوجِبَهُ وَلَا سَبَبَهُ، فَسَبِيلُ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْضِ التَّسْلِيمُ حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ، لِأَنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ نَفْيَهُ أَوِ اسْتَقْبَلَ الْوَقْتَ قَبْلَ هُجُومِهِ عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ زَادَ فِي قَبْضِهِ وَلَعَلَّهُ يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْهُ سُوءَ أَدَبٍ وَإِذَا اسْتَسْلَمَ لِحُكْمِ الْوَقْتِ فَعَنْ قَرِيبٍ يَزُولُ الْقَبْضُ فَإِنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ قَالَ:

  13. 12

    وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ وَقَدْ يَكُونُ بَسْطٌ يَرِدُ بَغْتَهْ وَيُصَادِفُ صَاحِبَهُ فَلْتَهْ لَا يَعْرِفُ لَهُ سَبَبًا يَهُزُّ صَاحِبَهُ وَيَسْتَفِزُّهُ، فَسَبِيلُ صَاحِبِهِ السُّكُونُ وَمُرَاعَاةُ الْأَدَبِ فَإِنَّ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَهُ خَطَرًا عَظِيمًا فَلْيَحْذَرْ صَاحِبُهُ مَكْرًا خَفِيًّا كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: فُتِحَ عَلَيَّ بَابٌ مِنَ الْبَسْطِ فَزَلَلْتُ زَلَّةً فَحُجِبْتُ عَنْ مَقَامِي، وَلِهَذَا قَالُوا: قِفْ عَلَى الْبِسَاطِ وَإِيَّاكَ وَالِانْبِسَاطَ وَقَدْ عَدَّ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مُطْلَقَ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ مِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَعَاذُوا مِنْهُ، لِأَنَّهُمَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنِ اسْتِهْلَاكِ الْعَبْدِ وَانْدِرَاجِهِ فِي الْحَقِيقَةِ فَقْرٌ وَضُرٌّ.

    Quotes the Quran 2:245 · text of the quotation verified against Tanzil

  14. 13

    سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ يَحْيَي يَقُولُ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ يَقُولُ: الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ يَقْبِضُنِي وَالرَّجَاءُ مِنْهُ يَبْسُطُنِي وَالْحَقِيقَةُ تَجْمَعُنِي وَالْحَقُّ يُفَرِّقُنِي إِذَا قَبَضَنِي بِالْخَوْفِ أَفْنَانِي عَنِّي، وَإِذَا بَسَطَنِي بِالرَّجَاءِ رَدَّنِي عَلَيَّ، وَإِذَا جَمَعَنِي بِالْحَقِيقَةِ أَحْضَرَنِي، وَإِذَا فَرَّقَنِي بِالْحَقِّ أَشْهَدَنِي غَيْرِى فَغِطَائِي عَنْهُ فَهُوَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُحَرِّكِي غَيْرُ مُمْسِكِي وَمُوحِشِي غَيْرُ مُؤْنِسِي فَأَنَا بِحُضُورِي أَذُوقُ طَعْمَ وُجُودِي، فَلَيْتَهُ أَفْنَانِي عَنِّي فَمَتَّعَنِي أَوْ غَيَّبَنِي عَنِّي فَرَوَّحَنِي

  15. The terms · 5. al-hayba wa-l-uns: awe and intimacy

    14

    وَمِنْ ذَلِكَ الْهَيْبَةُ وَالْأُنْسُ وَهُمَا فَوْقَ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ فَكَمَا أَنَّ الْقَبْضَ فَوْقَ رُتْبَةِ الْخَوْفِ وَالْبَسْطَ فَوْقَ مَنْزِلَةِ الرَّجَاءِ، فَالْهَيْبَةُ أَعْلَى مِنَ الْقَبْضِ وَالْأُنْسُ أَتَمُّ مِنَ الْبَسْطِ وَحَقُّ الْهَيْبَةِ الْغَيْبَةُ، فَكُلُّ هَائِبٍ غَائِبٌ، ثُمَّ الْهَائِبُونَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْهَيْبَةِ عَلَى حَسَبِ تَبَايُنِهِمْ فِي الْغَيْبَةِ فَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، وَحَقُّ الْأُنْسِ صَحْوًا بِحَقٍّ فَكُلُّ مُسْتَأْنِسٍ صَاحٍ ثُمَّ يَتَبَايَنُونَ حَسَبَ تَبَايُنِهِمْ فِي الشُّرْبِ وَلِهَذَا قَالُوا: أَدْنَي مَحَلِّ الْأُنْسِ أَنَّهُ لَوْ طُرِحَ فِي لَظَى لَمْ يَتَكَدَّرْ عَلَيْهِ أُنْسُهُ. قَالَ الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُنْتُ أَسْمَعُ السَّرِيَّ يَقُولُ: يَبْلُغُ الْعَبْدُ إِلَى حَدٍّ لَوْ ضُرِبَ وَجْهُهُ بِالسَّيْفِ لَمْ يَشْعُرْ وَكَانَ فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى بَانَ لِي أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ.

  16. 15

    وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُقَاتِلٍ الْعَكِّيِّ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الشِّبْلِيِّ وَهُوَ يَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ حَاجِبِهِ بِمِنْقَاشٍ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي أَنْتَ تَفْعَلُ هَذَا بِنَفْسِكَ وَيَعُودُ أَلَمُهُ إِلَى قَلْبِي فَقَالَ: وَيْلَكَ الْحَقِيقَةُ ظَاهِرَةٌ لِي وَلَسْتُ أُطِيقُهَا فَهُوَ ذَا فَأَنَا أُدْخِلُ الْأَلَمَ عَلَى نَفْسِي لَعَلِّي أُحِسُّ بِهِ فَيَسْتَتِرُ عَنِّي، فَلَسْتُ أَجِدُ الْأَلَمَ وَلَيْسَ يَسْتَتِرُ عَنِّي وَلَيْسَ لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَحَالُ الْهَيْبَةِ وَالْأُنْسِ وَإِنْ جَلَّتَا فَأَهْلُ الْحَقِيقَةِ يَعُدُّونَهَا نَقْصًا لِتَضَمُّنِهِمَا تَغَيُّرَ الْعَبْدِ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّمْكِينِ سَمَتْ أَحْوَالُهُمْ عَنِ التَّغَيُّرِ وَهُمْ مَحْوٌ فِي وُجُودِ الْعَيْنِ فَلَا هَيْبَةَ لَهُمْ وَلَا أُنْسَ وَلَا عِلْمَ وَلَا حِسَّ وَالْحِكَايَةُ مَعْرُوفَةٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَرَّازِ أَنَّهُ قَالَ: تُهْتُ فِي الْبَادِيَةِ مَرَّةً فَكُنْتُ أَقُولُ: أَتِيهُ فَلَا أَدْرِي مِنَ التِّيهِ مَنْ أَنَا ... سِوَى مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيَّ وَفِي جِنْسِي أَتِيهُ عَلَى جِنِّ الْبِلَادِ وَإِنْسِهَا ... فَإِنْ لَمْ أَجِدْ شَخْصًا أَتِيهُ عَلَى نَفْسِي قَالَ فَسَمِعْتُ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِي وَيَقُولُ: أَيَا مَنْ يَرَى الْأَسْبَابَ أَعْلَى وُجُودِهِ ... وَيَفْرَحُ بِالتِّيهِ الدَّنِيِّ وَبِالْأُنْسِ فَلَوْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُودِ حَقِيقَةً ... لَغِبْتَ عَنِ الْأَكْوَانِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَكُنْتَ بِلَا حَالٍ مَعَ اللَّهِ وَاقِفًا ... تُصَانُ عَنِ التَّذْكَارِ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ. وَإِنَّمَا يَرْتَقِي الْعَبْدُ عَنْ هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْوُجُودِ

  17. The terms · 6. al-tawājud, al-wajd, al-wujūd: ecstasy sought, ecstasy, finding

    16

    وَمِنْ ذَلِكَ التَّوَاجُدُ وَالْوَجْدُ وَالْوُجُودُ فَالتَّوَاجُدُ: اسْتِدْعَاءُ الْوَجْدِ بِضَرْبِ اخْتِيَارٍ وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ كَمَالُ الْوَجْدِ إِذْ لَوْ كَانَ لَكَانَ وَاجِدًا وَبَابُ التَّفَاعُلِ أَكْثَرُهُ عَلَى إِظْهَارِ الصِّفَةِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا تَخَازَرْتُ وَمَا بِي مِنْ خَزَرٍ ... ثُمَّ كَسَرْتُ الْعَيْنَ مِنْ غَيْرِ مَا عَوَرٍ

  18. 17

    فَقَوْمٌ قَالُوا: التَّوَاجُدُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِصَاحِبِهِ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ التَّكْلِيفِ وَيَبْعُدُ عَنِ التَّحْقِيقِ، وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّهُ مُسَلَّمٌ لِلْفُقَهَاءِ الْمُجَرَّدِينَ الَّذِينَ تَرَصَّدُوا لِوِجْدَانِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَأَصْلُهُمْ خَبَرُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا وَالْحِكَايَةُ الْمَعْرُوفَةُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْجُرَيْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الْجُنَيْدِ وَهُنَاكَ ابْنُ مَسْرُوقٍ وَغَيْرُهُ، وَثَمَّ قَوَّالٌ، فَقَامَ ابْنُ مَسْرُوقٍ وَغَيْرُهُ وَالْجُنَيْدُ سَاكِنٌ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي مَالَكَ فِي السَّمَاعِ شَيْءٌ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ثُمَّ قَالَ: وَأَنْتَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَالَكَ فِي السَّمَاعِ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي أَنَا إِذَا حَضَرْتُ مَوْضِعًا فِيهِ سَمَاعٌ وَهُنَاكَ مُحْتَشِمٌ أَمْسَكْتُ عَلَى نَفْسِي وَجْدِى فَإِذَا خَلَوْتُ أَرْسَلْتُ وَجْدِى فَتَوَاجَدْتُ فَأَطْلَقَ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ التَّوَاجُدَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الْجُنَيْدُ

    Quotes the Quran 27:88 · text of the quotation verified against Tanzil

  19. 18

    سَمِعْتُ الأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: لَمَّا رَاعَى أَدَبَ الأَكَابِرِ فِي حَالِ السَّمَاعِ حَفِظَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَقْتَهُ لِبَرَكَاتِ الأَدَبِ حَتَّى يَقُولُ أَمْسَكْتُ عَلَى نَفْسِي وَجْدِى، فَإِذَا خَلَوْتُ أَرْسَلْتُ وَجْدِي فَتَوَاجَدْتُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِرْسَالُ الْوَجْدِ إِذَا شِئْتَ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ وَغَلَبَاتِهِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ صَادِقًا فِي مُرَاعَاةِ حُرْمَةِ الشُّيُوخِ حَفِظَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَقْتَهُ حَتَّى أَرْسَلَ وَجْدَهُ عِنْدَ الْخَلْوَةِ فَالتَّوَاجُدُ ابْتِدَاءُ الْوَجْدِ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي جَرَى ذِكْرُهُ وَبَعْدَ هَذَا الْوَجْدُ، وَالْوَجْدُ مَا يُصَادِفُ قَلْبَكَ وَيَرِدُ عَلَيْكَ بِلَا تَعَمُّدٍ وَتَكَلُّفٍ وَلِهَذَا قَالَ الْمَشَايِخُ: الْوَجْدُ الْمُصَادَفَةُ، وَالْمَوَاجِيدُ ثَمَرَاتُ الْأَوْرَادِ فَكُلُّ مَنِ ازْدَادَتْ وَظَائِفُهُ ازْدَادَتْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَطَائِفُهُ.

  20. 19

    سَمِعْتُ الأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: الوَرَادَاتُ مِنْ حَيْثُ الأَوْرَادِ فَمَنْ لَا وِرْدَ لَهُ بِظَاهِرِهِ لَا وَارِدَ لَهُ فِي سَرَائِرِهِ، وَكُلُّ وَجْدٍ فِيهِ مِنْ صَاحِبِهِ شَيْءٌ فَلَيْسَ بِوَجْدٍ، وَكَمَا أَنَّ مَا يَتَكَلَّفُهُ العَبْدُ مِنْ مُعَامَلَاتِ ظَاهِرِهِ يُوجِبُ لَهُ حَلَاوَةَ الطَّاعَاتِ، فَمَا يُنَازِلُهُ العَبْدُ مِنْ أَحْكَامِ بَاطِنِهِ يُوجِبُ لَهُ المَوَاجِيدَ. فَالخَلَاوَاتُ ثَمَرَاتُ المُعَامَلَاتِ وَالمَوَاجِيدُ نَتَائِجُ المُنَازَلَاتِ، وَأَمَّا الوُجُودُ فَهُوَ بَعْدَ الِارْتِقَاءِ عَنِ الوَجْدِ وَلَا يَكُونُ وُجُودُ الحَقِّ إِلَّا بَعْدَ خُمُودِ البَشَرِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْبَشَرِيَّةِ بَقَاءٌ عِنْدَ ظُهُورِ سُلْطَانِ الحَقِيقَةِ،

  21. 20

    وَهَذَا مَعْنَي قَوْلِ أَبِي الْحُسَيْنِ النُّورِيِّ أَنَا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً بَيْنَ الْوَجْدِ وَالْفَقْدِ أَيْ إِذَا وَجَدْتُ رَبِّي فَقَدْتُ قَلْبِي وَإِذَا وَجَدْتُ قَلْبِي فَقَدْتُ رَبِّي وَهَذَا مَعْنَي قَوْلِ الْجُنَيْدِ عِلْمُ التَّوْحِيدِ مُبَايِنٌ لِوُجُودِهِ وَوُجُودُهُ مُبَايِنٌ لِعِلْمِهِ وَفِي هَذَا الْمَعْنَي أَنْشَدُوا. وُجُودِي أَنْ أَغِيبَ عَنِ الْوُجُودِ ... بِمَا يَبْدُو عَلَيَّ مِنَ الشُّهُودِ فَالتَّوَاجُدُ بِدَايَةٌ وَالْوُجُودُ نِهَايَةٌ وَالْوَجْدُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ. سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ يَقُولُ التَّوَاجُدُ يُوجِبُ اسْتِيعَابَ الْعَبْدِ وَالْوَجْدُ يُوجِبُ اسْتِغْرَاقَ الْعَبْدِ وَالْوُجُودُ يُوجِبُ اسْتِهْلَاكَ الْعَبْدِ فَهُوَ كَمَنْ شَهِدَ الْبَحْرَ ثُمَّ رَكِبَ الْبَحْرَ ثُمَّ غَرِقَ فِي الْبَحْرِ وَتَرْتِيبُ هَذَا الْأَمْرِ قُصُودٌ ثُمَّ وُرُودٌ ثُمَّ شُهُودٌ ثُمَّ وُجُودٌ ثُمَّ خُمُودٌ وَبِمِقْدَارِ الْوُجُودِ يَحْصُلُ الْخُمُودُ وَصَاحِبُ الْوُجُودِ لَهُ صَحْوٌ وَمَحْوٌ فَحَالُ صَحْوِهِ بَقَاؤُهُ بِالْحَقِّ وَحَالُ مَحْوِهِ فَنَاؤُهُ بِالْحَقِّ وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ أَبَدًا مُتَعَاقِبَتَانِ عَلَيْهِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الصَّحْوُ بِالْحَقِّ فَبِهِ يَصُولُ وَبِهِ يَقُولُ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا أَخْبَرَ عَنِ الْحَقِّ فَبِي يَسْمَعُ وَبِي وَيُبْصِرُ. سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى حَلْقَهِ الشِّبْلِيِّ فَسَأَلَهُ هَلْ تَظْهَرُ آثَارُ صِحَّةِ الْوُجُودِ عَلَى الْوَاجِدِينَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ نُورٌ يَزْهَرُ مُقَارِنًا لِنِيرَانِ الِاشْتِيَاقِ فَتَلُوحُ عَلَى الْهَيَاكِلِ آثَارُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ: وَأَمْطَرَ الْكَأْسَ مَاءً مِنْ أَبَارِقِهَا ... فَأَنْبَتَ الدُّرَّ فِي أَرْضٍ مِنَ الذَّهَبِ وَسَبَّحَ الْقَوْمُ لَمَّا رَأَوْا عَجَبًا ... نُورًا مِنَ الْمَاءِ فِي نَارٍ مِنَ الْعِنَبِ سُلَافَةٌ وَرِثَتْهَا عَادُ عَنْ إِرَمٍ ... كَانَتْ ذَخِيرَةَ كِسْرَى عَنْ أَبٍ فَأَبِ

  22. 21

    وَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ الدُّقِّيِّ: إِنَّ جَهْمًا الدُّقِّيَّ أَخَذَ شَجَرَةً بِيَدِهِ فِي حَالِ السَّمَاعِ فِي ثَوَارِنِهِ فَقَلَعَهَا مِنْ أَصْلِهَا فَاجْتَمَعَا فِي دَعْوَةٍ وَكَانَ الدُّقِّيُّ كُفَّ بَصَرُهُ فَقَامَ جَهْمٌ الدُّقِّيُّ يَدُورُ فِي هَيَجَانِهِ فَقَالَ الدُّقِّيُّ: إِذْ قَرُبَ مِنِّي أَرُونِيهِ وَكَانَ الدُّقِّيُّ ضَعِيفًا فَمَرَّ بِهِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ قَالُوا لَهُ: هَذَا هُوَ، فَأَخَذَ الدُّقِّيُّ سَاقَ جَهْمٍ فَوَقَفَهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَتَحَرَّكَ، فَقَالَ جَهْمٌ: أَيُّهَا الشَّيْخُ التَّوْبَةَ التَّوْبَةَ فَخَلَّاهُ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَدَامَ أَخْدَمَ اللَّهُ جَمَالَهُ. فَكَانَ ثَوَرَانُ جَهْمٍ فِي حَقٍّ وَإِمْسَاكُ الدُّقِّيِّ بِسَاقِهِ بِحَقٍّ وَلَمَّا عَلِمَ جَهْمٌ أَنَّ حَالَ الدُّقِّيِّ فَوْقَ حَالِهِ رَجَعَ إِلَى الِاتِّصَافِ وَاسْتَسْلَمَ وَكَذَا مَنْ كَانَ بِحَقٍّ لَا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْمَحْوُ فَلَا عِلْمَ وَلَا عَقْلَ وَلَا فَهْمَ وَلَا حِسَّ.

  23. 22

    سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَذْكُرُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ أَبَا عِقَالٍ الْمَغْرِبِيَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَرْبَعَ سِنِينَ لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَدَخَلَ بَعْضُ الْفُقَرَاءِ عَلَى أَبِي عِقَالٍ فَقَالَ لَهُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عِقَالٍ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا فُلَانٌ فَقَالَ. أَبُو عِقَالٍ: أَنْتَ فُلَانٌ؟ كَيْفَ أَنْتَ وَكَيْفَ حَالُكَ؟ وَغَابَ عَنْ حَالَتِهِ قَالَ هَذَا الرَّجُلُ: فَقُلْتُ لَهُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَقَالَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ كَأَنَّهُ لَمْ يَرَنِي قَطُّ فَفَعَلْتُ مِثْلَ هَذَا غَيْرَ مَرَّةٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّ الرَّجُلَ غَائِبٌ فَتَرَكْتُهُ وَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ.

  24. 23

    سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ امْرَأَةَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ التُّرُوغَنْدِيِّ تَقُولُ: لَمَّا كَانَتْ أَيَّامُ الْمَجَاعَةِ وَالنَّاسُ يَمُوتُونَ مِنَ الْجُوعِ دَخَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التُّرُوغَنْدِيُّ بَيْتَهُ فَرَأَى فِي بَيْتِهِ مِقْدَارَ مَنُونٍ حِنْطَهٍ فَقَالَ: النَّاسُ يَمُوتُونَ مِنَ الْجُوعِ وَفِي بَيْتِي حِنْطَةٌ فَخُولِطَ فِي عَقْلِهِ فَمَا كَانَ يُفِيقُ إِلَّا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى حَالَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ دَلَّتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ مَحْفُوظًا عَلَيْهِ آدَابُ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ غَلَبَاتِ أَحْكَامِ الْحَقِيقَةِ وَهَذَا هُوَ صِفَةُ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ ثُمَّ كَانَ سَبَبُ غَبْيَتِهِ عَنْ تَمْيِيزِهِ شَفَقَتَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُنَا أَقْوَى سِمَةٍ لِتَحَقُّقِهِ فِي حَالَةٍ

  25. The terms · 7. al-jamʿ wa-l-farq: union and separation

    24

    وَمِنْ ذَلِكَ الْجَمْعُ وَالْفَرْقُ لَفْظُ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِقَةِ يَجْرِي فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرًا وَكَانَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ يَقُولُ: الْفَرْقُ مَا نُسِبَ إِلَيْكَ وَالْجَمْعُ مَا سُلِبَ عَنْكَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَا يَكُونُ كَسْبًا لِلْعَبْدِ مِنْ إِقَامَةِ الْعُبُودِيَّةِ وَمَا يَلِيقُ بِأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ فَهُوَ فَرْقٌ، وَمَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ مِنْ إِبْدَاءِ مَعَانٍ وَإِسْدَاءِ لُطْفٍ وَإِحْسَانٍ فَهُوَ جَمْعٌ هَذَا أَدْنَي أَحْوَالِهِمْ فِي الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ، لِأَنَّهُ مِنْ شُهُودِ الْأَفْعَالِ فَمَنْ أَشْهَدَهُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ أَفْعَالَهُ مِنْ طَاعَاتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ فَهُوَ عَبْدٌ بِوَصْفِ التَّفْرِقَةِ، وَمَنْ أَشْهَدَهُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ مَا يُولِيهِ مِنْ أَفْعَالِ نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ فَهُوَ عَبْدٌ يُشَاهِدُ الْجَمْعَ، فَإِثْبَاتُ الْخَلْقِ مِنْ بَابِ التَّفْرِقَةِ وَإِثْبَاتُ الْحَقِّ مِنْ نَعْتِ الْجَمْعِ، وَلَابُدَّ لِلْعَبْدِ مِنَ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ، فَإِنَّ مَنْ لَا تَفْرِقَةَ لَهُ لَا عُبُودِيَّةَ لَهُ، وَمَنْ لَا جَمْعَ لَهُ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ، فَقَوْلُهُ:

  26. 25

    إِيَّاكَ نَعْبُدُ إِشَارَةٌ إِلَى الْفَرْقِ وَقَوْلُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إِشَارَةٌ إِلَى الْجَمْعِ، وَإِذَا خَاطَبَ الْعَبْدُ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ بِلِسَانِ نَجْوَاهُ إِمَّا سَائِلًا أَوْ دَاعِيًا أَوْ مُثْنِيًا أَوْ شَاكِرًا أَوْ مُتَنَصِّلًا أَوْ مُبْتَهِلًا قَامَ فِي مَحَلِّ التَّفْرِقَةِ، وَإِذَا أَصْغَي بِسِرِّهِ إِلَى مَا يُنَاجِيهِ بِهِ مَوْلَاهُ وَاسْتَمَعَ قَلْبُهُ مَا يُخَاطِبُهُ بِهِ فِيمَا نَادَاهُ أَوْ نَاجَاهُ أَوْ عَرَّفَهُ مَعْنَاهُ أَوْ لَوَّحَ لِقَلْبِهِ وَأَرَاهُ فَهُوَ يُشَاهِدُ الْجَمْعَ. سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: أَنْشَدَ قَوَّالٌ بَيْنَ يَدَيِ الْأُسْتَاذِ أَبِي سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: جَعَلْتُ تَنَزُّهِي نَظَرِي إِلَيْكَا.

    Quotes the Quran 1:5 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 1:5 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 1:5 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 1:5 · text of the quotation verified against Tanzil

  27. 26

    وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ النَّصْرَأَبَاذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَاضِرًا فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو سَهْلٍ: جَعَلْتَ بِنَصْبِ التَّاءِ، وَقَالَ النَّصْرَأَبَاذِيُّ: بَلْ جَعَلْتُ بِضَمِّ التَّاءِ فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو سَهْلٍ: أَلَيْسَ عَيْنُ الْجَمْعِ أَتَمَّ: فَسَكَتَ النَّصْرَأَبَاذِيُّ. وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيْضًا يَحْكِي هَذِهِ الْحِكَايَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَمَعْنَي هَذَا أَنَّ مَنْ قَالَ: جَعَلْتُ بِضَمِّ التَّاءِ يَكُونُ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ نَفْسِهِ فَكَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ هَذَا وَإِذَا قَالَ: جَعَلْتَ بِالْفَتْحِ فَكَأَنَّهُ يَتَبَرَّأُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِتَكَلُّمِهِ بَلْ يُخَاطِبُ مَوْلَاهُ فَيَقُولُ: أَنْتَ الَّذِي خَصَصْتَنِي بِهَذَا لَا أَنَا بِتَكَلُّفِي، فَالْأَوَّلُ عَلَى خَطَرِ الدَّعْوَى وَالثَّانِي بِوَصْفِ التَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْإِقْرَارِ بِالْفَصْلِ وَالطَّوْلِ وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ بِجُهْدِي أَشْهَدُكَ وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ بِفَضْلِكَ وَلُطْفِكَ أَشْهَدُكَ

  28. 27

    وَجَمْعُ الْجَمْعِ فَوْقَ هَذَا وَيَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى حَسَبِ تَبَايُنِ أَحْوَالِهِمْ وَتَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ فَمَنْ أَثْبَتَ نَفْسَهُ وَأَثْبَتَ الْخَلْقَ وَلَكِنْ شَاهَدَ الْكُلَّ قَائِمًا بِالْحَقِّ، فَهَذَا هُوَ جَمْعٌ وَإِذَا كَانَ مُخْتَطَفًا عَنْ شُهُودِ الْخَلْقِ مُصْطَلَمًا عَنْ نَفْسِهِ مَأْخُوذًا بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الْإِحْسَاسِ بِكُلِّ غَيْرٍ بِمَا ظَهَرَ وَاسْتَوْلَى مِنْ سُلْطَانِ الْحَقِيقَةِ فَذَاكَ جَمْعُ الْجَمْعِ، وَالتَّفْرِقَةُ.

  29. 28

    شُهُودُ الْأَغْيَارِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَمْعُ شُهُودُ الْأَغْيَارِ بِاللَّهِ وَجَمْعُ الْجَمْعِ الِاسْتِهْلَاكُ بِالْكُلِّيَّةِ وَفَنَاءُ الْإِحْسَاسِ بِمَا سِوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ غَلَبَاتِ الْحَقِيقَةِ وَبَعْدَ هَذَا حَالٌ عَزِيزَةٌ يُسَمِّيهَا الْقَوْمُ الْفَرْقَ الثَّانِيَ وَهُوَ أَنْ يُرَدَّ إِلَى الصَّحْوِ عِنْدَ أَوْقَاتِ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ لِيَجْرِيَ عَلَيْهِ الْفَرَائِضُ فِي أَوْقَاتٍ فَيَكُونَ رُجُوعًا لِلَّهِ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا لِلْعَبْدِ بِالْعَبْدِ فَالْعَبْدُ يُطَالِعُ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي تَصْرِيفِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ يَشْهَدُ مَبْدَأَ ذَاتِهِ وَعَيْنِهِ بِقُدْرَتِهِ وَمُجْرِيَ أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ إِلَى تَصْرِيفِ الْحَقِّ جَمَعَ الْخَلْقَ، فَجَمَعَ الْكُلَّ فِي التَّقْلِيبِ وَالتَّصْرِيفِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُنْشِئُ ذَوَاتِهِمْ وَمُجْرِي صِفَاتِهِمْ ثُمَّ فَرَّقَهُمْ فِي التَّنْوِيعِ فَفَرِيقًا أَسْعَدَهُمْ وَفَرِيقًا أَبْعَدَهُمْ وَأَشْقَاهُمْ وَفَرِيقًا هَدَاهُمْ وَفَرِيقًا أَضَلَّهُمْ

  30. 29

    وَأَعْمَاهُمْ وَفَرِيقًا حَجَبَهُمْ عَنْهُ وَفَرِيقًا جَذَبَهُمْ إِلَيْهِ وَفَرِيقًا آنَسَهُمْ بِوُصْلَتِهِ وَفَرِيقًا آيَسَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفَرِيقًا أَكْرَمَهُمْ بِتَوْفِيقِهِ وَفَرِيقًا اصْطَلَمَهُمْ عِنْدَ رَوْمِهِمْ لِتَحْقِيقِهِ وَفَرِيقًا أَصْحَاهُمْ وَفَرِيقًا مَحَاهُمْ وَفَرِيقًا قَرَّبَهُمْ وَفَرِيقًا غَيَّبَهُمْ وَفَرِيقًا أَدْنَاهُمْ وَأَحْضَرَهُمْ ثُمَّ أَسْقَاهُمْ فَأَسْكَرَهُمْ وَفَرِيقًا أَشْقَاهُمْ وَأَخَّرَهُمْ ثُمَّ أَقْصَاهُمْ وَهَجَرَهُمْ وَأَنْوَاعُ أَفْعَالٍ لَا يُحِيطُ بِهَا حَصْرٌ وَلَا يَأْتِي عَلَى تَفْصِيلِهَا شَرْحٌ وَلَا ذِكْرٌ وَأَنْشَدُوا لِجُنَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَعْنَي الْجَمْعِ وَالتَّفْرِقَةِ: وَتَحَقَّقْتُكَ فِي سِرِّي ... فَنَاجَاكَ لِسَانِي فَاجْتَمَعْنَا لِمَعَانِي ... وَافْتَرَقْنَا لِمَعَانِي إِنْ يَكُنْ غَيَّبَكَ التَّعْظِيمُ ... عَنْ لَحْظِ عِيَانِي فَلَقَدْ صَيَّرَكَ الْوَجْدُ ... مِنَ الْأَحْشَاءِ دَانِي وَأَنْشَدُوا: إِذَا مَا بَدَالِي تَعَاظَمْتُهُ ... فَأَصْدُرُ فِي حَالِ مَنْ لَمْ يَرِدْ جُمِعْتُ وَفُرِّقْتُ عَنِّي بِهِ ... فَفَرْدُ التَّوَاصُلِ مَثْنَى الْعَدَدْ

  31. The terms · 8. al-fanāʾ wa-l-baqāʾ: passing away and abiding

    30

    وَمِنْ ذَلِكَ الْفَنَاءُ وَالْبَقَاءُ أَشَارَ الْقَوْمُ بِالْفَنَاءِ إِلَى سُقُوطِ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ وَأَشَارُوا بِالْبَقَاءِ إِلَى قِيَامِ الْأَوْصَافِ الْمَحْمُودَةِ بِهِ، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَخْلُوا عَنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ كَانَ الْقِسْمُ الْآخَرُ لَا مَحَالَةَ فَمَنْ فَنِيَ عَنْ أَوْصَافِهِ الْمَذْمُومَةِ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمَحْمُودَةُ، وَمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْخِصَالُ الْمَذْمُومَةُ اسْتَتَرَتْ عَنْهُ الصِّفَاتُ الْمَحْمُودَةُ.

  32. 31

    وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ الْعَبْدُ أَفْعَالٌ وَأَخْلَاقٌ وَأَحْوَالٌ، فَالْأَفْعَالُ: تَصَرُّفَاتُهُ بِاخْتِيَارِهِ وَالْأَخْلَاقُ جِبِلَّةٌ فِيهِ وَلَكِنْ تَتَغَيَّرُ بِمُعَالَجَتِهِ عَلَى مُسْتَمِرِّ الْعَادَةِ، وَالْأَحْوَالُ: تَرِدُ عَلَى الْعَبْدِ عَلَى وَجْهِ الِابْتِدَاءِ لَكِنْ صَفَاؤُهَا بَعْدَ زَكَاءِ الْأَعْمَالِ فِيهِ كَالْأَخْلَاقِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَازَلَ الْأَخْلَاقَ بِقَلْبِهِ فَيَنْفِي بِجُهْدِهِ سَفَاسِفَهَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِتَحْسِينِ أَخْلَاقِهِ، فَكَذَلِكَ إِذَا وَاظَبَ عَلَى تَزْكِيَةِ أَعْمَالِهِ بِبَذْلِ وُسْعِهِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِتَصْفِيَةِ أَحْوَالِهِ بَلْ بِتَوْفِيَةِ أَحْوَالِهِ فَمَنْ تَرَكَ مَذْمُومَ أَفْعَالِهِ بِلِسَانِ الشَّرْعِيَّةِ يُقَالُ إِنَّهُ فَنِيَ عَنْ شَهَوَاتِهِ فَإِذَا فَنِيَ عَنْ شَهَوَاتِهِ بَقِيَ بِصِدْقِ إِنَابَتِهِ، وَمَنْ عَالَجَ أَخْلَاقَهُ فَنَفَى عَنْ قَلْبِهِ الْحَسَدَ وَالْحِقْدَ وَالْبُخْلَ وَالشُّحَّ وَالْغَضَبَ وَالْكِبْرَ وَأَمْثَالَ هَذَا مِنْ رُعُونَاتِ النَّفْسِ يُقَالُ فَنِيَ عَنْ سُوءِ الْخُلُقِ، فَإِذَا فَنِيَ عَنْ سُوءِ الْخُلُقِ بَقِيَ بِالْفُتُوَّةِ وَالصِّدْقِ،

  33. 32

    وَمَنْ شَاهَدَ جَرَيَانَ الْقُدْرَةِ فِي تَصَارِيفِ الْأَحْكَامِ يُقَالُ: فَنِيَ عَنْ حِسْبَانِ الْحَدَثَانِ مِنَ الْخَلْقِ، فَإِذَا فَنِيَ عَنْ تَوَهُّمِ الْآثَارِ مِنَ الْأَغْيَارِ بَقِيَ بِصِفَاتِ الْحَقِّ، وَمَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ سُلْطَانُ الْحَقِيقَةِ حَتَّى لَمْ يَشْهَدْ مِنَ الْأَغْيَارِ لَاعَيْنًا وَلَا أَثَرًا وَلَا رَسْمًا وَلَا طَلَلًا يُقَالُ إِنَّهُ فَنِيَ عَنِ الْخَلْقِ، وَبَقِيَ بِالْحَقِّ فَفَنَاءُ الْعَبْدِ عَنْ أَفْعَالِهِ الذَّمِيمَةِ وَأَحْوَالِهِ الْخَسِيسَةِ بِعَدَمِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَفَنَاؤُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْخَلْقِ بِزَوَالِ إِحْسَاسِهِ بِنَفْسِهِ وَبِهِمْ فَإِذَا فَنِيَ عَنِ الْأَفْعَالِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَحْوَالِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا فَنِيَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ مَوْجُودًا، وَإِذَا قِيلَ فَنِيَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْخَلْقِ فَنَفْسُهُ مَوْجُودَةٌ وَالْخَلْقُ مَوْجُودُونَ وَلَكِنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِمْ وَلَابِهِ وَلَا إِحْسَاسَ وَلَا خَبَرَ فَتَكُونُ نَفْسُهُ مَوْجُودَةً وَالْخَلْقُ مَوْجُودِينَ وَلَكِنَّهُ غَافِلٌ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ غَيْرُ مُحِسٍّ بِنَفْسِهِ وَبِالْخَلْقِ وَقَدْ تَرَى الرَّجُلَ يَدْخُلُ عَلَى ذِي سُلْطَانٍ أَوْ مُحْتَشِمٍ فَيَذْهَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِ مَجْلِسِهِ هَيْبَةً وَرُبَّمَا يَذْهَلُ عَنْ ذَلِكَ الْمُحْتَشِمِ حَتَّى إِذَا سُئِلَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ عِنْدِهِ عَنْ أَهْلِ مَجْلِسِهِ وَهَيْئَاتِ ذَلِكَ الصَّدْرِ وَهَيْئَاتِ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنِ الْإِخْبَارُ عَنْ شَيْءٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ لَمْ يَجِدْنَ عِنْدَ لِقَاءِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْوَهْلَةِ أَلَمَ قَطْعِ الْأَيْدِي وَهُنَّ

    Quotes the Quran 12:31 · text of the quotation verified against Tanzil

  34. 33

    أَضْعَفُ النَّاسِ وَقُلْنَ: مَا هَـٰذَا بَشَرًا وَلَقَدْ كَانَ بَشَرًا وَقُلْنَ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ وَلَمْ يَكُنْ مَلَكًا فَهَذَا تَغَافُلُ مَخْلُوقٍ عَنْ أَحْوَالِهِ عِنْدَ لِقَاءِ مَخْلُوقٍ فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ تَكَاشَفَ بِشُهُودِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ فَلَوْ تَغَافَلَ عَنْ إِحْسَاسِهِ بِنَفْسِهِ وَأَبْنَاءِ جِنْسِهِ فَأَيُّ أُعْجُوبَةٍ فِيهِ فَمَنْ فَنِيَ عَنْ جَهْلِهِ بَقِيَ بِعِلْمِهِ، وَمَنْ فَنِيَ عَنْ شَهْوَتِهِ بَقِى بِإِنَابَتِهِ، وَمَنْ فَنِيَ عَنْ رَغْبَتِهِ يَفِي بِزَهَادَتِهِ، وَمَنْ فَنِيَ عَنْ مُنْيَتِهِ بَقِيَ بِإِرَادَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، فَإِذَا فَنِيَ الْعَبْدُ عَنْ صِفَتِهِ بِمَا جَرَي ذِكْرُهُ يَرْتَقِي عَنْ ذَلِكَ بِفَنَائِهِ عَنْ رُؤْيَةِ فَنَائِهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ قَائِلُهُمْ: فَقَوْمٌ تَاهَ فِي أَرْضٍ بِقَفْرٍ وَقَوْمٌ تَاهَ فِي مَيْدَانِ حُبِّهْ فَأُفْنُوا ثُمَّ أُفْنُوا ثُمَّ أُفْنُوا وَأُبْقُوا بِالْبَقَا مِنْ قُرْبِ رَبِّهْ فَالْأَوَّلُ فَنَاءٌ عَنْ نَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ بِبَقَائِهِ بِصِفَاتِ الْحَقِّ ثُمَّ فَنَاؤُهُ عَنْ صِفَاتِ الْحَقِّ بِشُهُودِهِ الْحَقَّ ثُمَّ فَنَاؤُهُ عَنْ شُهُودِ فَنَائِهِ بِاسْتِهْلَاكِهِ فِي وُجُودِ الْحَقِّ

    Quotes the Quran 12:31 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 12:31 · text of the quotation verified against Tanzil

  35. The terms · 9. al-ghayba wa-l-ḥuḍūr: absence and presence

    34

    وَمِنْ ذَلِكَ الْغَيْبَةُ وَالْحُضُورُ فَالْغَيْبَةُ غَيْبَةُ الْقَلْبِ عَنْ عِلْمِ مَا يَجْرِي مِنْ أَحْوَالِ الْخَلْقِ لِاشْتِغَالِ الْحِسِّ بِمَا وَرَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَدْ يَغِيبُ عَنْ إِحْسَاسِهِ بِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ بِوَارِدٍ مِنْ تَذَكُّرِ ثَوَابٍ أَوْ تَفَكُّرِ عِقَابٍ كَمَا رُوِيَ أَنَّ الرَّبِيعَ بْنَ خَيْثَمٍ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَرَّ بِحَانُوتِ حَدَّادٍ فَرَأَى الْحَدِيدَةَ الْمُحْمَاهَ فِي الْكِيرِ فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفِقْ إِلَى الْغَدِ فَلَمَّا أَفَاقَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: تَذَكَّرْتُ كَوْنَ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ فَهَذِهِ غَيْبَةٌ زَادَتْ عَلَى حَدِّهَا حَتَّى صَارَتْ غَشْيَةً.

  36. 35

    وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ كَانَ فِي سُجُوهِ فَوَقَعَ حَرِيقٌ فِي دَارِهِ فَلَمْ يَنْصَرِفْ عَنْ صَلَاتِهِ، فَسُئِلَ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ: أَلْهَتْنِي النَّارُ الْكُبْرَى عَنْ هَذِهِ النَّارِ وَرُبَّمَا تَكُونُ الْغَيْبَةُ عَنْ إِحْسَاسِهِ بِمَعْنًي يُكَاشَفُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثُمَّ إِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ أَحْوَالِهِمْ، وَمِنَ الْمَشْهُورِ أَنَّ ابْتِدَاءَ حَالِ أَبِي حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيِّ الْحَدَّادِ فِي تَرْكِ الْحِرْفَةِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى حَانُوتِهِ فَقَرَأَ قَارِئٌ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَوَرَدَ عَلَى قَلْبِ أَبِي حَفْصٍ وَارِدٌ تَغَافَلَ عَنْ إِحْسَاسِهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي النَّارِ وَأَخْرَجَ الْحَدِيدَةَ الْمُحْمَاهَ بِيَدِهِ فَرَأَى تِلْمِيذٌ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا أُسْتَاذُ مَا هَذَا؟ فَنَظَرَ أَبُو حَفْصٍ إِلَى مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ فَتَرَكَ الْحِرْفَةَ وَقَامَ مِنْ حَانُوتِهِ. وَكَانَ الْجُنَيْدُ قَاعِدًا وَعِنْدَهُ امْرَأَتُهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ الشَّلْبِيُّ فَأَرَادَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تَسْتَتِرَ فَقَالَ لَهَا الْجُنَيْدُ: لَا خَبَرَ لِلشِّبْلِيِّ عَنْكِ فَاقْعُدِي فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ الْجُنَيْدُ حَتَّى بَكَي الشَّلْبِيُّ فَلَمَّا أَخَذَ الشَّلْبِيُّ فِي الْبُكَاءِ قَالَ الْجُنَيْدُ لِامْرَأَتِهِ: اسْتَتِرِي فَقَدْ أَفَاقَ الشَّلْبِيُّ مِنْ غَيْبَتِهِ.

  37. 36

    سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ الْمُؤَذِّنَ بِنَيْسَابُورَ وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي مَجْلِسِ الْأُسْتَاذِ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ بِنَيْسَابُورَ وَقْتَ كَوْنِهِ هُنَاكَ وَكَانَ يَتَكَلَّمُ فِي الْحَجِّ كَثِيرًا، فَأَثَّرَ فِي قَلْبِي كَلَامُهُ فَخَرَجْتُ إِلَى الْحَجِّ تِلْكَ السَّنَةَ وَتَرَكْتُ الْحَانُوتَ وَالْحِرْفَةَ وَكَانَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ خَرَجَ إِلَى الْحَجِّ أَيْضًا فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَكُنْتُ مُدَّةَ كَوْنِهِ بِنَيْسَابُورَ أَخْدُمُهُ وَأُوَظِّبُ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِي مَجْلِسِهِ فَرَأَيْتُهُ يَوْمًا فِي الْبَادِيَةِ تَطَهَّرَ وَنَسِيَ قُمْقُمَةً كَانَتْ بِيَدِهِ فَحَمَلْتُهَا، فَلَمَّا عَادَ إِلَى رَحْلِهِ وَضَعْتُهَا عِنْدَهُ فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ تَعَالَى خَيْرًا حَيْثُ حَمَلْتَ هَذَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ طَوِيلًا كَأَنَّهُ لَمْ يَرَنِي قَطُّ وَقَالَ: رَأَيْتُكَ مَرَّةً أَنْتَ؟ . فَقُلْتُ: الْمُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ تَعَالَى صَحِبْتُكَ مُدَّةً وَخَرَجْتُ عَنْ مَسْكَنِي وَمَالِي بِسَبَبِكَ وَتَقَطَّعْتُ فِي الْمَفَازَةِ بِكَ وَالسَّاعَةَ تَقُولُ رَأَيْتُكَ مَرَّةً.

  38. 37

    وَأَمَّا الْحُضُورُ فَقَدْ يَكُونُ حَاضِرًا بِالْحَقِّ لِأَنَّهُ إِذَا غَابَ عَنِ الْخَلْقِ حَضَرَ بِالْحَقِّ عَلَى مَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ كَأَنَّهُ حَاضِرٌ وَذَلِكَ لِاسْتِيلَاءِ ذِكْرِ الْحَقِّ عَلَى قَلْبِهِ فَهُوَ حَاضِرٌ بِقَلْبِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ تَعَالَى فَعَلَى حَسَبِ غَيْبَتِهِ عَنِ الْخَلْقِ يَكُونُ حُضُورُهُ بِالْحَقِّ فَإِنْ غَابَ بِالْكُلِّيَّةِ كَانَ الْحُضُورُ عَلَى حَسَبِ الْغَيْبَةِ.

  39. 38

    فَإِذَا قِيلَ فُلَانٌ حَاضِرٌ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ حَاضِرٌ بِقَلْبِهِ لِرَبِّهِ غَيْرُ غَافِلٍ عَنْهُ وَلَا سَاهٍ مُسْتَدِيمٌ لِلذِّكْرِ ثُمَّ يَكُونُ مُكَاشَفًا فِي حُضُورِهِ عَلَى حَسَبِ رُتْبَتِهِ بِمَعَانٍ يَخُصُّهُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالِي بِهَا وَقَدْ يُقَالُ لِرُجُوعِ الْعَبْدِ إِلَى أَحْسَاسِهِ بِأَحْوَالِ نَفْسِهِ وَأَحْوَالِ الْخَلْقِ إِنَّهُ حَضَرَ أَيْ رَجَعَ عَنْ غَيْبَتِهِ، فَهَذَا يَكُونُ حُضُورً بِخَلْقٍ وَالْأَوَّلُ حُضُورًا بِحَقٍّ، وَقَدْ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ فِي الْغَيْبَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَا تَمْتَدُّ غَيْبَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَدُومُ غَيْبَتُهُ وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ بَعَثَ إِنْسَانًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى أَبِي يَزِيدَ لِيَنْقُلَ إِلَيْهِ صِفَةَ أَبِي يَرِيدَ، فَلَمَّا جَاءَ الرَّجُلُ إِلَى بِسْطَامَ سَأَلَ عَنْ دَارِ أَبِي يَزِيدَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو يَزِيدَ: مَا تُرِيدُ؟

  40. 39

    فَقَالَ: أُرِيدُ أَبَا يَزِيدَ؟ وَأَيْنَ أَبَا يَزِيدَ أَنَا فِي طَلَبِ أَبِي يَزِيدَ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ وَقَالَ: هَذَا مَجْنُونٌ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى ذِي النُّونِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا شَهِدَ فَبَكَي ذُون النُّونِ وَقَالَ: أَخِي أَبُو يَزِيدَ ذَهَبَ فِي الذَّاهِبِينَ إِلَى اللَّهِ

  41. The terms · 10. al-ṣaḥw wa-l-sukr: sobriety and intoxication

    40

    وَمِنْ ذَلِكَ الصَّحْوُ وَالسُّكْرُ فَالصَّحْوُ رُجُوعٌ إِلَى الْإِحْسَاسِ بَعْدَ الْغَيْبَةِ وَالسُّكْرُ غَيْبَةٌ بِوَارِدٍ قَوِيٍّ وَالسُّكْرُ زِيَادَةٌ عَلَى الْغَيْبَةِ مِنْ وَجْهٍ، وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ السُّكْرِ قَدْ يَكُونُ مَبْسُوطًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْفِيًا فِي سُكْرِهِ، وَقَدْ يُسْقِطُ أَخْطَارَ الْأَشْيَاءِ عَنْ قَلْبِهِ فِي حَالِ سُكْرِهِ، وَتِلْكَ حَالُ الْمُتَسَاكِرِ الَّذِي لَمْ يَسْتَوْفِهِ الْوَارِدُ فَيَكُونُ لِلْإِحْسَاسِ فِيهِ مَسَاغٌ وَقَدْ يَقْوَى سُكْرُهُ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى الْغَيْبَةِ، فَرُبَّمَا يَكُونُ صَاحِبُ السُّكْرِ أَشَدَّ غَيْبَةً مِنْ صَاحِبِ الْغَيْبَةِ إِذَا قَوَى سُكْرُهُ، وَرُبَّمَا يَكُونُ صَاحِبُ الْغَيْبَةِ أَتَمَّ فِي الْغَيْبَةِ مِنْ صَاحِبِ السُّكْرِ إِذَا كَانَ مُتَسَاكِرًا غَيْرَ مُسْتَوْفٍ، وَالْغَيْبَةُ قَدْ تَكُونُ لِلْعِبَادَةِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ مُوجِبِ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَمُقْتَضَيَاتِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَالسُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِأَصْحَابِ الْمَوَاجِدِ، فَإِذَا كُوشِفَ الْعَبْدُ بِنَعْتِ الْجَمَالِ حَصَلَ السُّكْرُ، وَطَالَبَ الرُّوحُ، وَهَامَ الْقَلْبُ وَفِي مَعْنَاهُ أَنْشَدُوا: فَضَحُوكَ مِنْ لَفْظِي هُوَ الْوَصْلُ كُلُّهُ ... وَسُكْرُكَ مِنْ لَحْظِي يُبِيحُ لَكَ الشَّرَابَا فَمَا مَلَّ سَاقِيهَا وَمَا مَلَّ شَارِبٌ ... عُقَارَ لِحَاظٍ كَأْسُهُ يُسْكِرُ اللُّبَّا وَأَنْشَدُوا: فَاسْكَرَ الْقَوْمَ دَوْرُ كَأْسٍ ... وَكَانَ سُكْرِي مِنَ الْمُدِيرِ وَأَنْشَدُوا: لِي سَكْرَتَانِ وَلِلنُّدْمَانِ وَاحِدَةٌ ... شَيْءٌ خُصِصْتُ بِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ وَحْدِي وَأَنْشَدُوا: سُكْرَانِ سُكْرُ هَوًى وَسُكْرُ مُدَامَةٍ ... فَمَتَى يُفِيقُ فَتًى بِهِ سُكْرَانِ

  42. 41

    وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحْوَ عَلَى حَسَبِ السُّكْرِ، فَمَنْ كَانَ سُكْرُهُ بِحَقٍّ كَانَ صَحْوُهُ بِحَقٍّ، وَمَنْ كَانَ سُكْرُهُ بِحِفْظٍ مَشُوبًا كَانَ صَحْوُهُ بِحَظٍّ صَحِيحٍ مَصْحُوبًا، وَمَنْ كَانَ مُحِقًّا فِي حَالِهِ كَانَ مَحْفُوظًا فِي سُكْرِهِ، وَالسُّكْرُ وَالصَّحْوُ يُشِيرَانِ إِلَى طَرَفٍ مِنَ التَّفْرِقَةِ، وَإِذَا ظَهَرَ مِنْ سُلْطَانِ الْحَقِيقَةِ عُلِمَ أَنَّ صِفَةَ الْعَبْدِ الثُّبُورُ وَالْقَهْرُ. وَفِي مَعْنَاهُ أَنْشَدُوا: إِذَا طَلَعَ الصَّبَاحُ لِنَجْمِ رَاحِ ... تَسَاوَى فِيهِ سَكْرَانُ وَصَاحِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَي: فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا هَذَا مَعَ رِسَالَتِهِ خَرَّ صَعِقًا وَهَذَا مَعَ صَلَابَتِهِ وَقُوَّتِهِ صَارَ دَكًّا مُتَكَسِّرًا وَالْعَبْدُ فِي حَالِ سُكْرِهِ يُشَاهِدُ الْحَالَ وَفِي حَالِ صَحْوِهِ يُشَاهِدُ الْعِلْمَ إِلَّا أَنَّهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ مَحْفُوظٌ لَا يَتَكَلَّفُهُ وَفِي صَحْوِهِ مُتَحَفِّظٌ بِتَصَرُّفًا وَالصَّحْوُ وَالسُّكْرُ بَعْدَ الذَّوْقِ وَالشُّرْبِ

    Quotes the Quran 7:143 · text of the quotation verified against Tanzil

  43. The terms · 11. al-dhawq wa-l-shurb: tasting and drinking

    42

    وَمِنْ ذَلِكَ الذَّوْقُ وَالشُّرْبُ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَجْرِى فِي كَلامِهِمُ الذَّوْقُ وَالشُّرْبُ وَيُعَبِّرُونَ بِذَلِكَ عَمَّا يَجِدُونَهُ مِنْ ثَمَرَاتِ التَّجَلِّي وَنَتَائِجِ الْكُشُوفَاتِ وَبَوَادِهِ الْوَارِدَاتِ وَأَوَّلُ ذَلِكَ الذَّوْقُ ثُمَّ الشُّرْبُ ثُمَّ الرِّيُّ فَصَفَاءُ مُعَامَلاتِهِمْ يُوجِبُ لَهُمْ ذَوْقَ الْمَعَانِي وَوَفَاءُ مُنَازَلاتِهِمْ يُوجِبُ لَهُمُ الشُّرْبَ وَدَوَامُ مُوَاصَلاتِهِمْ يَقْتَضِي لَهُمُ الرِّيَّ فَصَاحِبُ الذَّوْقِ مُتَسَاكِرٌ وَصَاحِبُ الرِّيِّ صَاحٍ، وَمَنْ قَوِىَ حُبُّهُ تَسَرْمَدَ شُرْبُهُ فَإِذَا دَامَتْ بِهِ تِلْكَ الصِّفَةُ لَمْ يُورِثْهُ الشُّرْبُ سُكْرًا فَكَانَ صَاحِيًا بِالْحَقِّ فَانِيًا عَنْ كُلِّ حَظٍّ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ وَلا يَتَغَيَّرُ عَمَّا هُوَ بِهِ، وَمَنْ صَفَا سِرُّهُ لَمْ يَتَكَدَّرْ عَلَيْهِ الشُّرْبُ، وَمَنْ صَارَ الشَّرَابُ لَهُ غِذَاءً لَمْ يَصْبِرْ عَنْهُ وَلَمْ يَبْقَ بِدُونِهِ وَأَنْشَدُوا: إِنَّمَا الْكَاسُ رَضَاعٌ بَيْنَنَا ... فَإِذَا مَا لَمْ نَذُقْهَا لَمْ نَعِشْ وَأَنْشَدُوا: عَجِبْتُ لِمَنْ يَقُولُ ذَكَرْتُ رَبِّي ... فَهَلْ أَنْسَى فَأَذْكُرَ مَا نَسِيتُ شَرِبْتُ الْحُبَّ كَأْسًا بَعْدَ كَأْسٍ ... فَمَا نَفِدَ الشَّرَابُ وَلا رَوِيتُ وَيُقَالُ: كَتَبَ يَحْيَي بْنُ مُعَاذٍ إِلَى أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ هَهُنَا مَنْ شَرِبَ كَأْسًا مِنَ الْمَحَبَّةِ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو يَزِيدَ عَجِبْتُ مِنْ ضَعْفِ حَالِكَ هَهُنَا مَنْ يَحْتَسِي بِحَارَ الْكَوْنِ وَهُوَ فَاغِرٌ فَاهُ يَتَزَيَّدُ. وَاعْلَمْ أَنَّ كَاسَاتِ الْقُرْبِ تَبْدُو مِنَ الْغَيْبِ وَلا تُدَارُ إِلَّا عَلَى أَسْرَارٍ مُعَتَّقَةٍ وَأَرْوَاحٍ عَنْ رِقَّةِ الْأَشْيَاءِ مُحَرَّرَةٍ

  44. The terms · 12. al-maḥw wa-l-ithbāt: effacement and affirmation

    43

    وَمِنْ ذَلِكَ الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ الْمَحْوُ: رَفْعُ أَوْصَافِ الْعَادَةِ، وَالْإِثْبَاتُ: إِقَامَةُ أَحْكَامِ الْعِبَادَةِ، فَمَنْ نَفَى عَنْ أَحْوَالِهِ الْخِصَالَ الذَّمِيمَةَ وَأَتَى بَدَلَهَا بِالْأَفْعَالِ وَالْأَحْوَالِ الْحَمِيدَةِ فَهُوَ صَاحِبُ مَحْوٍ وَإِثْبَاتٍ.

  45. 44

    سَمِعْتُ الأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: قَالَ بَعْضُ المَشَايِخِ لِوَاحِدٍ: أَيْشَ تَمْحُو وَأَيْشَ تُثْبِتُ؟ فَسَكَتَ الرَّجُلُ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الوَقْتَ مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ إِذْ مَنْ لَا مَحْوَ لَهُ وَلَا إِثْبَاتَ فَهُوَ مُعَطَّلٌ مُهْمَلٌ وَيَنْقَسِمُ إِلَى مَحْوِ الزَّلَّةِ عَنِ الظَّوَاهِرِ وَمَحْوِ الغَفْلَةِ عَنِ الضَّمَائِرِ وَمَحْوِ العِلَّةِ عَنِ السَّرَائِرِ، فَفِي مَحْوِ الزَّلَّةِ إِثْبَاتُ المُعَامَلَاتِ، وَفِي مَحْوِ الغَفْلَةِ إِثْبَاتُ المُنَازَلَاتِ، وَفِي مَحْوِ العِلَّةِ إِثْبَاتُ المُوَاصَلَاتِ، هَذَا مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ بِشَرْطِ العُبُودِيَّةِ، وَأَمَّا حَقِيقَةُ المَحْوِ وَالإِثْبَاتِ فَصَادِرَانِ عَنِ القُدْرَةِ فَالمَحْوُ مَا سَتَرَهُ الحَقُّ وَنَفَاهُ وَالإِثْبَاتُ مَا أَظْهَرَهُ الحَقُّ وَأَبْدَاهُ وَالمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ مَقْصُورَانِ عَلَى المَشِيئَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ قِيلَ: يَمْحُو عَنْ قُلُوبِ العَرَّافِينَ ذِكْرَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُثْبِتُ عَلَى أَلْسِنَةِ المُرِيدِينَ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَحْوُ الحَقِّ لِكُلِّ أَحَدٍ وَإِثْبَاتُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَمَنْ مَحَاهُ الحَقُّ سُبْحَانَهُ عَنْ مُشَاهَدَةٍ أَثْبَتَهُ بِحَقِّ حَقِّهِ وَمَنْ مَحَاهُ الحَقُّ عَنْ إِثْبَاتِهِ بِهِ رَدَّهُ إِلَى شُهُودِ الأَغْيَارِ وَأَثْبَتَهُ فِي أَوْدِيَةِ التَّفْرِقَةِ.

    Quotes the Quran 13:39 · text of the quotation verified against Tanzil

  46. 45

    وَقَالَ رَجُلٌ لِلشِّبْلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَالِي أَرَاكَ قَلِقًا أَلَيْسَ هُوَ مَعَكَ وَأَنْتَ مَعَهُ؟ فَقَالَ الشِّبْلِيُّ: لَوْ كُنْتُ أَنَا مَعَهُ كُنْتُ أَنَا وَلَكِنِّي مَحْوٌ فِيمَا هُوَ وَالْمَحْقُ فَوْقَ الْمَحْوِ، لِأَنَّ الْمَحْوَ يُبْقِى أَثَرًا وَالْمَحْقَ لَا يُبْقِى أَثَرًا وَغَايَةُ هِمَّةِ الْقَوْمِ أَنْ يَمْحَقَهُمُ الْحَقُّ عَنْ شَاهِدِهِمْ ثُمَّ لَا يَرُدَّهُمْ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا مَحَقَهُمْ عَنْهُمْ

  47. The terms · 13. al-satr wa-l-tajallī: veiling and self-disclosure

    46

    وَمِنْ ذَلِكَ السَّتْرُ وَالتَّجَلِّي الْعَوَامُّ فِي غِطَاءِ السَّتْرِ وَالْخَوَاصُّ فِي دَوَامِ التَّجَلِّي وَفِي الْخَبَرِ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا تَجَلَّي لِشَيْءٍ خَشَعَ لَهُ فَصَاحِبُ السَّتْرِ بِوَصْفِ شُهُودِهِ وَصَاحِبُ التَّجَلِّي أَبَدًا بِنَعْتِ خُشُوعِهِ وَالسَّتْرُ لِلْعَوَامِّ عُقُوبَةٌ وَلِلْخَوَاصِّ رَحْمَةٌ، إِذْ لَوْلَا أَنَّهُ يَسْتُرُ عَلَيْهِمْ مَا يُكَاشِفُهُمْ بِهِ لَتَلَاشَوْا عِنْدَ سُلْطَانِ الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهُ كَمَا يَظْهَرُ لَهُمْ يَسْتُرُ عَلَيْهِمْ.

  48. 47

    سَمِعْتُ مَنْصُورَ الْمَغْرِبِيَّ يَقُولُ: وَافَي بَعْضُ الْفُقَرَاءِ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَأَضَافَةُ شَابٌّ فَبَيْنَا الشَّابُّ فِي خِدْمَةِ هَذَا الْفَقِيرِ إِذْ غُشِيَ عَلَيْهِ فَسَأَلَ الْفَقِيرُ عَنْ حَالِهِ فَقَالُوا لَهُ: بِنْتُ عَمٍّ وَقَدْ عَلِقَهُمْ فَمَشَتْ فِي خَيْمَتِهَا فَرَأَى الشَّابُّ غُبَارَ ذَيْلِهَا فَغُشِيَ عَلَيْهِ فَمَضَى الْفَقِيرُ إِلَى بَابِ الْخَيْمَةِ وَقَالَ: إِنَّ لِلْغَرِيبِ فِيكُمْ حُرْمَةً وَذِمَامًا وَقَدْ جِئْتُ مُسْتَشْفِعًا إِلَيْكِ فِي أَمْرِ هَذَا الشَّابِّ فَتَعَطَّفِي عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ بِهِ مِنْ هَوَاكِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَنْتَ سَلِيمُ الْقَلْبِ إِنَّهُ لَا يُطِيقُ شُهُودَ غَيْرِ ذَيْلِي فَكَيْفَ يُطِيقُ صُحْبَتِي؟ وَعَوَامُّ هَذِهِ الطَّائِفَةِ عَيْشُهُمْ فِي التَّجَلِّي وَبَلَاؤُهُمْ فِي السَّتْرِ، وَأَمَّا الْخَوَاصُّ: فَهُمْ بَيْنَ طَيْشٍ وَعَيْشٍ، لِأَنَّهُمْ إِذَا تَجَلَّى لَهُمْ طَاشُوا وَإِذَا سُتِرَ عَلَيْهِمْ رُدُّوا إِلَى الْحَظِّ فَعَاشُوا،

  49. 48

    وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ الْحَقُّ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ لِيَسْتُرَ عَلَيْهِ بِبَعْضِ مَا يُعَلِّلُهُ بِهِ بَعْضَ مَا أَثَّرَ فِيهِ مِنَ الْمُكَاشَفَةِ بِفَاجَأَةِ السَّمَاعِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً وَالِاسْتِغْفَارُ طَلَبُ السَّتْرِ وَلِأَنَّ الْغَفْرَ هُوَ السَّتْرُ وَمِنْهُ غَفْرُ الثَّوْبِ وَالْمَغْفِرَةُ وَغَيْرُهُ فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَطْلُبُ السَّتْرَ عَلَى قَلْبِهِ عِنْدَ سَطَوَاتِ الْحَقِيقَةِ إِذِ الْخَلْقُ لَا بَقَاءَ لَهُمْ مَعَ وُجُودِ الْحَقِّ وَفِي الْخَبَرِ لَوْ كَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ لَحَرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَ بَصَرُهُ

    Quotes the Quran 20:17 · text of the quotation verified against Tanzil

  50. The terms · 14. al-muḥāḍara, al-mukāshafa, al-mushāhada: presence, unveiling, witnessing

    49

    وَمِنْ ذَلِكَ الْمُحَاضَرَةُ وَالْمُكَاشَفَةُ وَالْمُشَاهَدَةُ الْمُحَاضَرَةُ ابْتِدَاءً ثُمَّ الْمُكَاشَفَةُ ثُمَّ الْمُشَاهَدَةُ فَالْمُحَاضَرَةُ حُضُورُ الْقَلْبِ وَقَدْ يَكُونُ بِتَوَاتُرِ الْبُرْهَانِ وَهُوَ بَعْدُ وَرَاءَ السِّتْرِ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا بِاسْتِيلَاءِ سُلْطَانِ الذِّكْرِ ثُمَّ بَعْدَهُ الْمُكَاشَفَةُ وَهُوَ حُضُورُهُ بِنَعْتِ الْبَيَانِ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى تَأَمُّلِ الدَّلِيلِ وَتَطَلُّبِ السَّبِيلِ وَلَا مُسْتَجِيرٍ مِنْ دَوَاعِي الرَّيْبِ وَلَا مَحْجُوبٍ عَنْ نَعْتِ الْغَيْبِ ثُمَّ الْمُشَاهَدَةُ وَهِيَ حُضُورُ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ بَقَاءِ تُهْمَةٍ فَإِذَا أَصْحَتْ سَمَاءُ السِّرِّ عَنْ غُيُومِ السِّتْرِ فَشَمْسُ الشُّهُودِ مُشْرِقَةٌ عَنْ بُرْجِ الشَّرَفِ وَحَقُّ الْمُشَاهَدَةِ مَا قَالَهُ الْجُنَيْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وُجُودُ الْحَقِّ مَعَ فِقْدَانِكَ فَصَاحِبُ الْمُحَاضَرَةِ مَرْبُوطٌ بِآيَاتِهِ وَصَاحِبُ الْمُكَاشَفَةِ مَبْسُوطٌ بِصِفَاتِهِ وَصَاحِبُ الْمُشَاهَدَةِ مَلْقِيٌّ بِذَاتِهِ وَصَاحِبُ

  51. 50

    الْمُحَاضَرَةِ يَهْدِيهِ عَقْلُهُ وَصَاحِبُ الْمُكَاشَفَةِ يُدْنِيهِ عِلْمُهُ وَصَاحِبُ الْمُشَاهَدَةِ تَمْحُوهُ مَعْرِفَتُهُ وَلَمْ يَزِدْ فِي بَيَانِ تَحْقِيقِ الْمُشَاهَدَةِ أَحَدٌ عَلَى مَا قَالَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَعْنَي مَا قَالَهُ أَنَّهُ تَتَوَالَى أَنْوَارُ التَّجَلِّي عَلَى قَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا سِتْرٌ وَانْقِطَاعٌ كَمَا لَوْ قُدِّرَ اتِّصَالُ الْبُرُوقِ فَكَمَا أَنَّ اللَّيْلَةَ الظَّلْمَاءَ بِتَوَالِي الْبُرُوقِ فِيهَا وَاتِّصَالِهَا إِذَا قُدِّرَتْ تَصِيرُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ إِذَا دَامَ بِهِ دَوَامُ التَّجَلِّي مَتَعَ نَهَارُهُ فَلَا لَيْلَ وَأَنْشَدُوا: لَيْلِي بِوَجْهِكَ مُشْرِقٌ ... وَظَلَامُهُ فِي النَّاسِ سَارِي وَالنَّاسُ فِي سَدَفِ الظَّلَامِ ... وَنَحْنُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ

  52. 51

    وَقَالَ النُّورِيُّ: لَا يَصِحُّ لِلْعَبْدِ الْمُشَاهَدَةُ وَقَدْ بَقِيَ لَهُ عِرْقٌ قَائِمٌ وَقَالَ إِذَا طَلَعَ الصَّبَاحُ اسْتُغْنِيَ عَنِ الْمِصْبَاحِ وَتَوَهَّمَ قَوْمٌ أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تُشِيرُ إِلَى طَرَفٍ مِنَ التَّفْرِقَةِ، لِأَنَّ بَابَ الْمُفَاعَلَةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ صَاحِبِهِ فَإِنَّ فِي ظُهُورِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ ثُبُورَ الْخَلْقِ وَبَابُ الْمُفَاعَلَةِ جُمْلَتُهَا لَا تَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الِاثْنَيْنِ نَحْوَ سَافَرَ وَطَارَقَ النَّعْلَ وَأَمْثَالِهِ وَأَنْشَدُوا: فَلَمَّا اسْتَبَانَ الصُّبْحُ أَدْرَكَ ضَوْؤُهُ ... بِأَنْوَارِهِ أَنْوَارَ ضَوْءِ الْكَوَاكِبِ يُجَرِّعُهُمْ كَأْسًا لَوِ ابْتُلِيَ بِهِ ... اللَّظَى بِتَجْرِيعِهِ طَارَتْ كَأَسْرَعِ ذَاهِبِ كَأْسٌ وَأَيُّ كَأْسٍ تَصْطَلِمُهُمْ عَنْهُمْ وَتُفْنِيهِمْ وَتَخْطَفُهُمْ مِنْهُمْ وَلَا تُبْقِيهِمْ كَأْسٌ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ تَمْحُوهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا تُبْقِي شَظِيَّةً مِنْ آثَرِ الْبَشَرِيَّةِ كَمَا قَالَ قَائِلُهُمْ: سَارُوا فَلَمْ يَبْقَ لَا رَسْمٌ وَلَا أَثَرُ

  53. The terms · 15. al-lawāʾiḥ, al-ṭawāliʿ, al-lawāmiʿ: glimmers, risings, flashes

    52

    وَمِنْ ذَلِكَ اللَّوَائِحُ وَالطَّوَالِعُ وَاللَّوَامِعُ قَالَ الأُسْتَاذُ هَذِهِ الأَلْفَاظُ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى لا يَكَادُ يَحْصُلُ بَيْنَهَا كَبِيرُ فَرْقٍ وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ أَصْحَابِ الْبِدَايَاتِ الصَّاعِدِينَ فِي التَّرَقِّي بِالْقَلْبِ فَلَمْ يَدُمْ لَهُمْ بَعْدُ ضِيَاءُ شُمُوسِ الْمَعَارِفِ لَكِنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُؤْتِي رِزْقَ قُلُوبِهِمْ فِي كُلِّ حِينٍ كَمَا قَالَ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا فَكُلَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ سَمَاءُ الْقُلُوبِ بِسَحَابِ الْحُظُوظِ سَنَحَ لَهُمْ فِيهَا لَوَائِحُ الْكَشْفِ وَتَلَأْلَأَ لَوَامِعُ الْقُرْبِ وَهُمْ فِي زَمَانِ سَتْرِهِمْ يَرْقُبُونَ فَجْأَةَ اللَّوَائِحِ فَهُمْ كَمَا قَالَ الْقَالُ: يَا أَيُّهَا الْبَرْقُ الَّذِي يَلْمَعُ مِنْ أَيِّ أَكْنَافِ السَّمَا تَسْطَعُ فَتَكُونُ أَوَّلًا لَوَائِحَ ثُمَّ لَوَامِعَ ثُمَّ طَوَالِعَ فَاللَّوَائِحُ كَالْبُرُوقِ مَا ظَهَرَتْ حَتَّى اسْتَتَرَتْ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: افْتَرَقْنَا حَوْلًا فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَ تَسْلِيمُهُ عَلَيَّ وَدَاعَا وَأَنْشَدُوا: يَا ذَا الَّذِي زَارَ وَمَا زَارَ ... كَأَنَّهُ مُقْتَبِسٌ نَارَا مَرَّ بِبَابِ الدَّارِ مُسْتَعْجِلًا ... مَا ضَرَّهُ لَوْ دَخَلَ الدَّارَا وَاللَّوَامِعُ أَظْهَرُ مِنَ اللَّوَائِحِ وَلَيْسَ زَوَالُهَا بِتِلْكَ السُّرْعَةِ فَقَدْ تَبْقَى اللَّوَامِعُ وَقْتَيْنِ وَثَلَاثَةً وَلَكِنْ كَمَا قَالُوا: وَالْعَيْنُ بَاكِيَةٌ لَمْ تَشْبَعِ النَّظَرَا

  54. 53

    وَكَما قالُوا: لَمْ تَرِدْ ماءَ وَجْهِهِ العَيْنُ إِلّا شَرِقَتْ قَبْلَ رِيِّها بِرَقِيبِ فَإِذا لَمَعَ قَطَعَكَ عَنْكَ وَجَمَعَكَ بِهِ لٰكِنْ لَمْ يُسْفِرْ نُورُ نَهارِهِ حَتّى كَرَّ عَلَيْهِ عَساكِرُ اللَّيْلِ فَهٰؤُلاءِ بَيْنَ رَوْحٍ وَنَوْحٍ، لِأَنَّهُمْ بَيْنَ كَشْفٍ وَسَتْرٍ كَما قالُوا: فَاللَّيْلُ يَشْمَلُنا بِفاضِلِ بُرْدِهِ وَالصُّبْحُ يُلْحِقُنا رِداءً مُذْهَبا الطَّوالِعُ أَبْقى وَقْتًا وَأَقْوى سُلْطانًا وَأَدْوَمُ مُكْثًا وَأَذْهَبُ لِلظُّلْمَةِ وَأَنْفى لِلتُّهْمَةِ لٰكِنَّها مُوقَفَةٌ عَلى خَطَرِ الأَقْوالِ لَيْسَتْ بِرَفِيعَةِ الأَوْجِ وَلا بِدائِمَةِ المُكْثِ ثُمَّ أَوْقاتُ حُصُولِها وَشِيكَةُ الِارْتِحالِ وَأَحْوالُ أَفْوالِها طَوِيلَةُ الأَذْيالِ وَهٰذِهِ المَعانِي الَّتِي هِيَ اللَّوائِحُ وَاللَّوامِعُ وَالطَّوالِعُ تَخْتَلِفُ فِي القَضايا فَمِنْها ما إِذا فاتَ لَمْ يَبْقَ عَنْها أَثَرٌ كَالشَّوارِقِ إِذا أَفَلَتْ فَكَأَنَّ اللَّيْلَ كانَ دائِمًا وَمِنْها ما يَبْقى عَنْهُ أَثَرٌ فَإِنْ زالَ رَقْمُهُ بَقِيَ أَلَمُهُ وَإِنْ غَرَبَتْ أَنْوارُهُ بَقِيَتْ آثارُهُ فَصاحِبُهُ بَعْدَ سُكُونِ غَلَباتِهِ يَعِيشُ فِي ضِياءِ بَرَكاتِهِ فَإِلي أَنْ يَلُوحَ ثانِيًا يُرَجّى وَقْتُهُ عَلى انْتِظارِ عَوْدِهِ وَيَعِيشُ بِما وَجَدَ فِي حِينِ كَوْنِهِ

  55. The terms · 16. al-bawādih wa-l-hujūm: surprises and onsets

    54

    وَمِنْ ذَلِكَ الْبَوَادِهُ وَالْهُجُومُ الْبَوَادِهُ مَا يُفَاجَأُ قَلْبُكَ مِنَ الْغَيْبِ عَلَى سَبِيلِ الْوَهْلَةِ إِمَّا مُوجِبُ فَرَحٍ وَإِمَّا مُوجِبُ تَرَحٍ وَالْهُجُومُ مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ بِقُوَّةِ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ تَصَنُّعٍ مِنْكَ وَيَخْتَلِفُ فِي الْأَنْوَاعِ عَلَى حَسَبِ قُوَّةِ الْوَارِدِ وَضَعْفِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ تُغَيِّرُهُ الْبَوَادِهُ وَتُصَرِّفُهُ الْهَوَاجِمُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ فَوْقَ مَا يَفْجَؤُهُ حَالًا وَقُوَّةً أُولَئِكَ سَادَتُ الْوَقْتِ كَمَا قِيلَ: لَا تَهْتَدِي نُوَبُ الزَّمَانِ إِلَيْهِمُ وَلَهُمْ عَلَى الْخَطْبِ الْجَلِيلِ لِجَامُ

  56. The terms · 17. al-talwīn wa-l-tamkīn: variation and stability

    55

    وَمِنْ ذَلِكَ التَّلْوِينُ وَالتَّمْكِينُ التَّلْوِينُ صِفَةُ أَرْبَابِ الأَحْوَالِ وَالتَّمْكِينُ صِفَةُ أَهْلِ الْحَقَائِقِ فَمَا دَامَ الْعَبْدُ فِي الطَّرِيقِ فَهُوَ صَاحِبُ تَلْوِينٍ لأَنَّهُ يَرْتَقِي مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَيَنْتَقِلُ مِنْ وَصْفٍ إِلَى وَصْفٍ وَيَخْرُجُ مِنْ مَرْحَلٍ وَيَحْصُلُ فِي مَرْبَعٍ فَإِذَا وَصَلَ تَمَكَّنَ وَأَنْشَدُوا: مَا زِلْتُ أَنْزِلُ فِي وِدَادِكَ مَنْزِلًا ... تَتَحَيَّرُ الأَلْبَابُ دُونَ نُزُولِهِ وَصَاحِبُ التَّلْوِينِ أَبَدًا فِي الزِّيَادَةِ وَصَاحِبُ التَّمْكِينِ وَصَلَ ثُمَّ اتَّصَلَ وَأَمَارَةُ أَنَّهُ اتَّصَلَ أَنَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ كُلِّيَّتِهِ بَطَلَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ انْتَهَى سَفَرُ الطَّالِبِينَ إِلَى الظَّفَرِ بِنُفُوسِهِمْ فَإِذَا ظَفِرُوا بِنُفُوسِهِمْ فَقَدْ وَصَلُوا.

  57. 56

    قَالَ الأُسْتَاذُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُرِيدُ بِهِ انْخِنَاسَ أَحْكَامِ الْبَشَرِيَّةِ وَاسْتِيلَاءَ سُلْطَانِ الْحَقِيقَةِ فَإِذَا دَامَ لِلْعَبْدِ هَذِهِ الْحَالَةُ فَهُوَ صَاحِبُ تَمْكِينٍ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ صَاحِبَ تَلْوِينٍ فَرَجَعَ مِنْ سَمَاعِ الْكَلَامِ وَاحْتَاجَ إِلَى سَتْرِ وَجْهِهِ لِأَنَّهُ أَثَّرَ فِيهِ الْحَالُ، وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَاحِبَ تَمْكِينٍ فَرَجَعَ كَمَا ذَهَبَ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مَا شَاهَدَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَكَانَ يَتَشَهَّدُ عَلَى هَذَا بِقِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ النِّسْوَةَ اللَّاتِي رَأَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُمْ لِمَا وَرَدَ عَلَيْهِنَّ مِنْ شُهُودِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى وَجْهِ الْفَجْأَةِ وَامْرَأَةُ الْعَزِيزِ كَانَتْ أَتَمَّ فِي بَلَاءِ يُوسُفَ مِنْهُنَّ ثُمَّ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَلَيْهَا شَعْرَةٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِأَنَّهَا كَانَتْ صَاحِبَةَ تَمْكِينٍ فِي حَدِيثِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  58. 57

    وَقَالَ الأُسْتَاذُ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِمَا يَرِدُ عَلَى الْعَبْدِ يَكُونُ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا لِقُوَّةِ الْوَارِدِ أَوْ لِضَعْفِ صَاحِبِهِ وَالسُّكُونُ مِنْ صَاحِبِهِ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا لِقُوَّتِهِ أَوْ لِضَعْفِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ. سَمِعْتُ الأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: أُصُولُ الْقَوْمِ فِي جَوَازِ دَوَامِ التَّمْكِينِ تَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ بَقِيتُمْ عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لِي وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عَنْ وَقْتٍ مَخْصُوصٍ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ يَصِحُّ دَوَامُ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّ أَهْلَ الْحَقَائِقِ ارْتَقَوْا عَنْ وَصْفِ التَّأَثُّرِ بِالطَّوَارِقِ وَالَّذِي فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ قَالَ: لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فَلَمْ يُعَلِّقِ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَحِيلٍ وَمُصَافَحَةُ الْمَلَائِكَةِ دُونَ مَا أُثْبِتَ لِأَهْلِ الْبِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ

  59. 58

    وَمَا قَالَ لِي وَقْتٌ قَائِمًا قَالَ عَلَى حَسَبِ فَهْمِ السَّامِعِ وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ كَانَ قَائِمًا بِالْحَقِيقَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْعَبْدَ مَا دَامَ فِي التَّرَقِّي فَصَاحِبُ تَلْوِينٍ يَصِحُّ فِي نَعْتِهِ الزِّيَادَةُ فِي الْأَحْوَالِ وَالنُّقْصَانُ مِنْهَا فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْحَقِّ بِانْخِنَاسِ أَحْكَامِ الْبَشَرِيَّةِ مَكَّنَهُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ فِي كُلِّ نَفَسٍ فَلَا حَدَّ لِمَقْدُورَاتِهِ فَهُوَ فِي الزِّيَادَاتِ مُتَلَوِّنٌ بَلْ مُلَوَّنٌ وَفِي أَصْلِ حَالِهِ مُتَمَكِّنٌ فَأَبَدًا يَتَمَكَّنُ فِي حَالَةٍ أَعْلَى مِمَّا كَانَ فِيهَا قَبْلَهُ ثُمَّ يَرْتَقِي عَنْهَا إِلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ إِذْ لَا غَايَةَ لِمَقْدُورَاتِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ فِي كُلِّ جِنْسٍ، فَأَمَّا الْمُصْطَلَمُ عَنْ شَاهِدِهِ الْمُسْتَوْفَي إِحْسَاسُهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلِلْبَشَرِيَّةِ لَا مَحَالَةَ حَدٌّ فَإِذَا بَطَلَ عَنْ جُمْلَتِهِ وَنَفْسِهِ وَحِسِّهِ وَكَذَلِكَ عَنِ الْمُكَوَّنَاتِ بِأَسْرِهَا ثُمَّ دَامَتْ بِهِ هَذِهِ الْغَيْبَةُ فَهُوَ مَحْوٌ فَلَا تَمْكِينَ لَهُ إِذَنْ وَلَا تَلْوِينَ وَلَا مَقَامَ وَلَا حَالَ وَمَا دَامَ بِهَذَا الْوَصْفِ فَلَا تَشْرِيفَ وَلَا تَكْلِيفَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَدَّ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ مِنْهُ فَذَلِكَ مُتَصَرِّفٌ فِي ظُنُونِ الْخَلْقِ مُصَرَّفٌ فِي التَّحْقِيقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَي: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ

    Quotes the Quran 18:18 · text of the quotation verified against Tanzil

  60. The terms · 18. al-qurb wa-l-buʿd: nearness and distance

    59

    وَمِنْ ذَلِكَ التَّقَرُّبُ وَالْبُعْدُ أَوَّلُ رُتْبَةٍ فِي الْقُرْبِ الْقُرْبُ مِنْ طَاعَتِهِ وَالِاتِّصَافُ فِي دَوَامِ الْأَوْقَاتِ بِعِبَادَتِهِ. وَأَمَّا الْبُعْدُ فَهُوَ التَّدَنُّسُ بِمُخَالَفَتِهِ وَالتَّجَافِي عَنْ طَاعَتِهِ فَأَوَّلُ الْبُعْدِ بُعْدٌ عَنِ التَّوْفِيقِ ثُمَّ بُعْدٌ عَنِ التَّحْقِيقِ بَلِ الْبُعْدُ عَنِ التَّوْفِيقِ هُوَ الْبُعْدُ عَنِ التَّحْقِيقِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْبِرًا عَنِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ: مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ الْمُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى يُحِبَّنِي وَأُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا فَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَسْمَعُ الْخَيْرَ فَقُرْبُ الْعَبْدِ أَوَّلًا قُرْبٌ بِإِيمَانِهِ وَتَصْدِيقِهِ ثُمَّ قُرْبٌ بِإِحْسَاسِهِ وَتَحْقِيقِهِ وَقُرْبُ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ مَا يَخُصُّهُ الْيَوْمَ بِهِ مِنَ الْعِرْفَانِ وَفِي الْآخِرَةِ مَا يُكْرِمُهُ بِهِ مِنَ الشُّهُودِ وَالْعِيَانِ وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ بِوُجُودِ اللُّطْفِ وَالِامْتِنَانِ وَلَا يَكُونُ قُرْبُ الْعَبْدِ مِنَ الْحَقِّ إِلَّا بِبُعْدِنَا مِنَ الْخَلْقِ وَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الْقُلُوبِ دُونَ أَحْكَامِ الظَّوَاهِرِ وَالْكَوْنِ فَقُرْبُ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ عَامٌّ لِلْكَافَّةِ وَبِاللُّطْفِ وَالنُّصْرَةِ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ بِخَصَائِصِ التَّأْنِيسِ مُخْتَصٌّ بِالْأَوْلِيَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَي:

  61. 60

    وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ وَقَالَ تَعَالَي: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَقَالَ تَعَالَي وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَقَالَ: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَمَنْ تَحَقَّقَ بِقُرْبِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَأَدْوَنُهُ دَوَامُ مُرَاقَبَتِهِ إِيَّاهُ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ رَقِيبُ التَّقْوَى ثُمَّ رَقِيبُ الْحِفَاظِ وَالْوَفَاءِ ثُمَّ رَقِيبُ الْحَيَاءِ وَأَنْشَدُوا: كَأَنَّ رَقِيبًا مِنْكَ يَرْعَى خَوَاطِرِي ... وَآخَرَ يَرْعَي نَاظِرِي وَلِسَانِي فَمَا رَمَقَتْ عَيْنَايَ بَعْدَكَ مَنْظَرًا ... يَسُوؤُكَ إِلَّا قُلْتُ: قَدْ رَقَانِي وَلَا بَدَرَتْ مِنْ فِيَّ دُونَكَ لَفْظَةٌ ... لِغَيْرِكَ إِلَّا قُلْتُ: قَدْ سَمَانِي وَلَا خَطَرَتْ فِي السِّرِّ بَعْدَكَ خَطْرَةٌ ... لِغَيْرِكَ إِلَّا عَرَّجَا بِعِنَانِي وَإِخْوَانِ صِدْقٍ قَدْ سَئِمْتُ حَدِيثَهُمْ ... وَأَمْسَكْتُ عَنْهُمْ نَاظِرِي وَلِسَانِي وَمَا الزُّهْدُ أَسْلَي عَنْهُمُ غَيْرَ أَنَّنِي ... وَجَدْجتُكَ مَشْهُودِي بِكُلِّ مَكَانِ

    Quotes the Quran 50:16 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 56:85 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 57:4 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 58:7 · text of the quotation verified against Tanzil

  62. 61

    وَكَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَخُصُّ وَاحِدًا مِنْ تَلَامِذَتِهِ إِقْبَالَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ أَصْحَابُهُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَدَفَعَ إِلي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَيْرًا وَقَالَ اذْبَحُوهُ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ فَمَضَى كُلُّ وَاحِدٍ وَذَبَحَ الطَّيْرَ بِمَكَانٍ خَالٍ وَجَاءَ هَذَا الْإِنْسَانُ وَالطَّيْرُ مَعَهُ غَيْرَ مَذْبُوحٍ فَسَأَلَهُ الشَّيْخُ فَقَالَ: أَمَرْتَنِي أَنْ أَذْبَحَهُ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَكُنْ مَوْضِعٌ إِلَّا وَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ يَرَاهُ فَقَالَ الشَّيْخُ لِهَذَا أُقَدِّمُ هَذَا عَلَيْكُمْ إِذِ الْغَالِبُ عَلَيْكُمْ حَدِيثُ الْخَلْقِ وَهَذَا غَيْرُ غَافِلٍ عَنِ الْحَقِّ وَرُؤْيَةُ الْقُرْبِ حِجَابٌ عَنِ الْقُرْبِ فَمَنْ شَاهَدَ لِنَفْسِهِ مَحَلًّا أَوْ نَفَسًا فَهُوَ مَمْكُورٌ بِهِ وَلِهَذَا قَالُوا أَوْحَشَكَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قُرْبِهِ أَيْ مِنْ شُهُودِكَ لِقُرْبِهِ فَإِنَّ الِاسْتِئْنَاسَ بِقُرْبِهِ مِنْ سِمَاتِ الْعِزَّةِ بِهِ إِذِ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَرَاءَ كُلِّ أُنْسٍ وَإِنَّ مَوَاضِعَ الْحَقِيقَةِ تُوجِبُ الدَّهَشَ وَالْمَحْوَ وَفِي قَرِيبٍ مِنْ هَذَا قَالُوا: مِحْنَتِي فِيكَ إِنَّنِي مَا أُبَالِي بِمِحْنَتِي قُرْبُكُمْ مِثْلُ بُعْدِكُمْ فَمَتَى وَقَعَتْ رَاحَتِي وَكَانَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ رَحِمَهُ اللَّهُ كَثِيرًا مَا يُنْشِدُ: وِدَادُكُمْ هَجْرٌ وَحُبُّكُمْ قِلًى ... وَقُرْبُكُمْ بُعْدٌ وَسِلْمُكُمْ حَرْبُ

  63. 62

    وَرَأَى أَبُو الْحُسَيْنِ النُّورِيُّ بَعْضَ أَصْحَابِ أَبِي حَمْزَةَ فَقَالَ: أَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَمْزَةَ الَّذِي يُشِيرُ إِلَى الْقُرْبِ، إِذَا لَقِيتَهُ فَقُلْ لَهُ إِنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ النُّورِيَّ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: قُرْبُ الْقُرْبِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بُعْدُ الْبُعْدِ فَأَمَّا الْقُرْبُ بِالذَّاتِ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ عَنْهُ فَإِنَّهُ مُتَقَدِّسٌ عَنِ الْحُدُودِ وَالْأَقْطَارِ وَالنِّهَايَةِ وَالْمِقْدَارِ مَا اتَّصَلَ بِهِ مَخْلُوقٌ وَلَا انْفَصَلَ عَنْهُ حَادِثٌ مَسْبُوقٌ بِهِ جَلَّتِ الْعَمَلِيَّةُ عَنْ قَبُولِ الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ فَقُرْبٌ هُوَ فِي نَعْتِهِ مُحَالٌ وَهُوَ تَدَانِي الذَّوَاتِ وَقُرْبٌ هُوَ وَاجِبٌ فِي نَعْتِهِ وَهُوَ قُرْبٌ بِالْعِلْمِ وَالرُّؤْيَةِ وَقُرْبٌ هُوَ جَائِزٌ فِي وَصْفِهِ يَخُصُّ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ قُرْبُ الْفَضْلِ بِاللُّطْفِ

  64. The terms · 19. al-sharīʿa wa-l-ḥaqīqa: the law and the reality

    63

    وَمِنْ ذَلِكَ الشَّرِيعَةُ وَالْحَقِيقَةُ الشَّرِيعَةُ أَمْرٌ بِالْتِزَامِ الْعُبُودِيَّةِ وَالْحَقِيقَةُ مُشَاهَدَةُ الرُّبُوِيَّةِ فَكُلُّ شَرِيعَةٍ غَيْرِ مُؤَيَّدَةٍ بِالْحَقِيقَةِ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ وَكُلُّ حَقِيقَةٍ غَيْرِ مُقَيَّدَةٍ بِالشَّرِيعَةِ فَغَيْرُ مَحْصُولٍ فَالشَّرِيعَةُ جَاءَتْ بِتَكْلِيفِ الْخَلْقِ وَالْحَقِيقَةُ إِنْبَاءٌ عَنْ تَصْرِيفِ الْحَقِّ فَالشَّرِيعَةُ أَنْ تَعْبُدَهُ وَالْحَقِيقَةُ أَنْ تَشْهَدَهُ وَالشَّرِيعَةُ قِيَامٌ بِمَا أَمَرَ وَالْحَقِيقَةُ شُهُودٌ لِمَا قَضَى وَقَدَّرَ وَأَخْفَى وَأَظْهَرَ. سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: قَوْلُهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ حِفْظُ الشَّرِيعَةِ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إِقْرَارٌ بِالْحَقِيقَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ حَقِيقَةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا وَجَبَتْ بِأَمْرِهِ وَالْحَقِيقَةُ أَيْضًا شَرِيعَةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَعَارِفَ بِهِ سُبْحَانَهُ أَيْضًا وَجَبَتْ بِأَمْرِهِ

  65. The terms · 20. al-nafas: the breath

    64

    وَمِنْ ذَلِكَ النَّفَسُ تَرْوِيحُ الْقُلُوبِ بِلَطَائِفِ الْغُيُوبِ وَصَاحِبُ الْأَنْفَاسِ أَرَقُّ وَأَصْفَي مِنْ صَاحِبِ الْأَحْوَالِ فَكَانَ صَاحِبُ الْوَقْتِ مُبْتَدِئًا وَصَاحِبُ الْأَنْفَاسِ مُنْتَهِيًا وَصَاحِبُ الْأَحْوَالِ بَيْنَهُمَا فَالْأَحْوَالُ وَسَائِطُ وَالْأَنْفَاسُ نِهَايَةُ التَّرَقِّي فَالْأَوْقَاتُ لِأَصْحَابِ الْقُلُوبِ وَالْأَحْوَالُ لِأَرْبَابِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَنْفَاسُ لِأَهْلِ السَّرَائِرِ وَقَالُوا أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ عَدُّ الْأَنْفَاسِ مَعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَقَالُوا خَلَقَ اللَّهُ الْقُلُوبَ وَجَعَلَهَا مَعَادِنَ الْمَعْرِفَةِ وَخَلَقَ الْأَسْرَارَ وَرَاءَهَا وَجَعَلَهَا مَحَلًّا لِلتَّوْحِيدِ فَكُلُّ نَفَسٍ حَصَلَ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةِ الْمَعْرِفَةِ وَإِشَارَةِ التَّوْحِيدِ عَلَى بِسَاطِ الِاضْطِرَارِ فَهُوَ مَيِّتٌ وَصَاحِبُهُ مَسْئُولٌ عَنْهُ. سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: الْعَارِفُ لَا يُسَلَّمُ لَهُ النَّفَسُ لِأَنَّهُ لَا مُسَامَحَةَ تَجْرِي مَعَهُ وَالْمُحِبُّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفَسٍ إِذْ لَوْلَا أَنْ يَكُونَ لَهُ نَفَسٌ لَتَلَاشَى لِعَدَمِ طَاقَتِهِ

  66. The terms · 21. al-khawāṭir: passing thoughts

    65

    وَمِنْ ذَلِكَ الْخَوَاطِرُ وَالْخَوَاطِرُ خِطَابٌ يَرِدُ عَلَى الضَّمَائِرِ فَقَدْ يَكُونُ بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ وَيَكُونُ أَحَادِيثَ النَّفْسِ وَيَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْحَلْقِ سُبْحَانَهُ فَإِذَا كَانَ مِنَ الْمَلَكِ فَهُوَ الْإِلْهَامُ وَإِذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ قِيلَ لَهُ الْهَوَاجِسُ وَإِذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ فَهُوَ الْوَسْوَاسُ وَإِذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِلْقَائِهِ فِي الْقَلْبِ فَهُوَ خَاطِرُ حَقٍّ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْكَلَامِ فَإِذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمَلَكِ فَإِنَّمَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِمُوَافَقَةِ الْعِلْمِ وَلِهَذَا قَالُوا كُلُّ خَاطِرٍ لَا يَشْهَدُ لَهُ ظَاهِرٌ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ فَأَكْثَرُهُ مَا يَدْعُوهُ عَلَى الْمَعَاصِي وَإِذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ فَأَكْثَرُهُ مَا يَدْعُو إِلَى اتِّبَاعِ شَهْوَةٍ أَوِ اسْتِشْعَارِ كِبْرٍ أَوْ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ أَوْصَافِ النَّفْسِ وَاتَّفَقَ الْمَشَايِخُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ أَكْلُهُ مِنَ الْحَرَامِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْإِلْهَامِ وَالْوَسْوَاسِ سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ يَقُولُ: مَنْ كَانَ قُوتُهُ مَعْلُومًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْإِلْهَامِ وَالْوَسَاوِسِ وَأَنَّ مَنْ سَكَنَتْ عَنْهُ هَوَاجِسُ نَفْسِهِ بِصِدْقِ مُجَاهَدَتِهِ نَطَقَ بَيَانُ قَلْبِهِ بِحُكْمِ مُكَايَدَتِهِ وَأَجْمَعَ الشُّيُوخُ عَلَى أَنَّ النَّفْسَ لَا تَصْدُقُ وَأَنَّ الْقَلْبَ لَا يَكْذِبُ

  67. 66

    وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إِنَّ نَفْسَكَ لَا تَصْدُقُ وَقَلْبَكَ لَا يَكْذِبُ وَلَوِ اجْتَهَدْتَ كُلَّ الْجَهْدِ أَنْ تُخَاطِبَكَ رُوحُكَ لَمْ تُخَاطِبْكَ وَفَرَّقَ الْجُنَيْدُ بَيْنَ هَوَاجِسِ النَّفْسِ وَوَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ بِأَنَّ النَّفْسَ إِذَا طَالَبَتْكَ بِشَيْءٍ أَلَحَّتْ فَلَا تَزَالُ تُعَاوِدُكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ حَتَّى تَصِلَ إِلَى مُرَادِهَا وَيَحْصُلَ مَقْصُودُهَا اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَدُومَ صِدْقُ الْمُجَاهَدَةِ ثُمَّ إِنَّهَا تُعَاوِدُكَ وَتُعَاوِدُكَ وَأَمَّا الشَّيْطَانُ إِذَا دَعَاكَ إِلَى زَلَّةٍ فَخَالَفْتَهُ بِتَرْكِ ذَلِكَ يُوَسْوِسُ بِزَلَّةٍ أُخْرَى، لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُخَالَفَاتِ لَهُ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَكُنْ دَاعِيًا أَبَدًا إِلَى زَلَّةٍ مَا وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي تَخْصِيصِ وَاحِدٍ دُونَ وَاحِدٍ وَقِيلَ: كُلُّ خَاطِرٍ يَكُونُ مِنَ الْمَلَكِ فَرُبَّمَا يُوَافِقُهُ صَاحِبُهُ وَرُبَّمَا يُخَالِفُهُ فَأَمَّا خَاطِرٌ يَكُونُ مِنَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ فَلَا يَحْصُلُ خِلَافٌ مِنَ الْعَبْدِ لَهُ وَتَكَلَّمَ الشُّيُوخُ فِي الْخَاطِرِ الثَّانِي إِذَا

  68. 67

    كَانَ الْخَاطِرَانِ مِنَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ هَلْ هُوَ أَقْوَى مِنَ الْأَوَّلِ فَقَالَ الْجُنَيْدُ: الْخَاطِرُ الْأَوَّلُ أَقْوَى لِأَنَّهُ إِذَا بَقِيَ رَجَعَ صَاحِبُهُ عَلَى التَّأَمُّلِ وَهَذَا بِشَرْطِ الْعِلْمِ فَتَرْكُ الْأَوَّلِ يُضْعِفُ الثَّانِيَ وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ الثَّانِي أَقْوَى لِأَنَّهُ ازْدَادَ قُوَّةً بِالْأَوَّلِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خَفِيفٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ هُمَا سَوَاءٌ، لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مِنَ الْحَقِّ فَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَالْأَوَّلُ لَا يَبْقَى فِي حَالِ وُجُودِ الثَّانِي، لِأَنَّ الْآثَارَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا الْبَقَاءُ

  69. The terms · 22. ʿilm, ʿayn, ḥaqq al-yaqīn: the knowledge, the eye and the truth of certainty

    68

    وَمِنْ ذَلِكَ عِلْمُ الْيَقِينِ وَعَيْنُ الْيَقِينِ وَحَقُّ الْيَقِينِ وَهَذِهِ عِبَارَاتٌ عَنْ عُلُومٍ جَلِيَّةٍ فَالْيَقِينُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَتَدَاخَلُ صَاحِبَهُ رَيْبٌ عَلَى مُطْلَقِ الْعُرْفِ وَلَا يُطْلَقُ فِي وَصْفِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ فَعِلْمُ الْيَقِينِ هُوَ الْيَقِينُ وَكَذَلِكَ عَيْنُ الْيَقِينِ نَفْسُ الْيَقِينِ وَحَقُّ الْيَقِينِ نَفْسُ الْيَقِينِ فَعِلْمُ الْيَقِينِ عَلَى مُوجَبِ اصْطِلَاحِهِمْ مَا كَانَ بِشَرْطِ الْبُرْهَانِ وَعَيْنُ الْيَقِينِ مَا كَانَ بِحُكْمِ الْبَيَانِ وَحَقُّ الْيَقِينِ مَا كَانَ بِنَعْتِ الْعِيَانِ فَعِلْمُ الْيَقِينِ لِأَرْبَابِ الْعُقُولِ وَعَيْنُ الْيَقِينِ لِأَصْحَابِ الْعُلُومِ وَحَقُّ الْيَقِينِ لِأَصْحَابِ الْمَعَارِفِ وَالْكَلَامُ فِي الْإِفْصَاحِ عَنْ هَذَا بِحَالِ تَحْقِيقِهِ يَعُودُ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَاقْتَصَرْنَا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ عَلَى جِهَةِ التَّنْبِيهِ

  70. The terms · 23. al-wārid: what arrives

    69

    وَمِنْ ذَلِكَ الْوَارِدُ وَيَجْرِى فِي كَلَامِهِمْ ذِكْرُ الْوَارِدَاتِ كَثِيرًا وَالْوَارِدُ مَا يَرِدُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنَ الْخَوَاطِرِ الْمَحْمُودَةِ مِمَّا لَا يَكُونُ بِتَعَمُّدِ الْعَبْدِ وَكَذَلِكَ مَا لَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْخَوَاطِرِ فَهُوَ أَيْضًا وَارِدٌ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ وَارِدٌ مِنَ الْحَقِّ وَوَارِدٌ مِنَ الْعِلْمِ فَالْوَارِدَاتُ أَعَمُّ مِنَ الْخَوَاطِرِ لِأَنَّ الْخَوَاطِرَ تَخْتَصُّ بِنَوْعِ الْخِطَابِ أَوْ مَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَاهُ وَالْوَارِدَاتُ تَكُونُ وَارِدَ سُرُورٍ وَوَارِدَ حُزْنٍ وَوَارِدَ قَبْضٍ وَوَارِدَ بَسْطٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي

  71. The terms · 24. al-shāhid: the witness

    70

    وَمِنْ ذَلِكَ لَفْظُ الشَّاهِدِ كَثِيرًا مَا يَجْرِى فِي كَلَامِهِمْ لَفْظُ الشَّاهِدِ فُلَانٌ يُشَاهِدُ الْعِلْمَ وَفُلَانٌ يُشَاهِدُ الْوَجْدَ وَفُلَانٌ يُشَاهِدُ الْحَالَ وَيُرِيدُونَ بِلَفْظِ الشَّاهِدِ مَا يَكُونُ حَاضِرَ قَلْبِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ ذِكْرَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ وَيُبْصِرُهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ فَكُلُّ مَا يَسْتَوْلِي عَلَى قَلْبِ صَاحِبِهِ ذِكْرُهُ فَهُوَ يُشَاهِدُهُ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْعِلْمَ فَهُوَ يُشَاهِدُ الْعِلْمَ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْوَجْدَ فَهُوَ يُشَاهِدُ الْوُجُودَ وَمَعْنَى الشَّاهِدِ الْحَاضِرُ فَكُلُّ مَا هُوَ حَاضِرُ قَلْبِكَ فَهُوَ شَاهِدُكَ.

  72. 71

    وَسُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنِ المُشَاهَدَةِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَنَا مُشَاهَدَةُ الحَقِّ؟ الحَقُّ لَنَا شَاهِدٌ، أَشَارَ بِشَاهِدِ الحَقِّ إِلَى المُسْتَوْلِي عَلَى قَلْبِهِ وَالغَالِبِ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِ الحَقِّ وَالمِحْضَارِ فِي قَلْبِهِ دَائِمًا مِنْ ذِكْرِ الحَقِّ وَمَنْ حَصَلَ لَهُ مَعَ مَخْلُوقٍ تَعَلُّقٌ بِالقَلْبِ يُقَالُ إِنَّهُ شَاهِدُهُ يَعْنِي أَنَّهُ حَاضِرُ قَلْبِهِ فَإِنَّهُ المَحَبَّةُ تُوجِبُ دَوَامَ ذِكْرِهِ المَحْبُوبَ وَاسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَبَعْضُهُمْ تَكَلَّفَ فِي مُرَاعَاةِ هَذَا الاشْتِقَاقِ فَقَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الشَّاهِدُ مِنَ الشَّهَادَةِ فَكَأَنَّهُ إِذَا طَالَعَ شَخْصًا يُوسُفَ الجَمَالِ فَإِنْ كَانَتْ بَشَرِيَّتُهُ سَاقِطَةً عَنْهُ وَلَمْ يَشْغَلْهُ شُهُودُ ذَلِكَ الشَّخْصِ عَمَّا هُوَ بِهِ مِنَ الحَالِ وَلَا أَثَّرَتْ فِيهِ صُحْبَتُهُ بِوَجْهٍ فَهُوَ شَاهِدٌ لَهُ عَلَى فَنَاءِ نَفْسِهِ وَمَنْ أَثَّرَ فِيهِ ذَلِكَ فَهُوَ شَاهِدٌ عَلَيْهِ فِي بَقَاءِ نَفْسِهِ

  73. 72

    وَقِيَامُهُ بِأَحْكَامِ بَشَرِيَّتِهِ إِمَّا شَاهِدٌ لَهُ أَوْ شَاهِدٌ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا حُمِلَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَأَيْتُ رَبِّي لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ أَيْ أَحْسَنُ صُورَةٍ رَأَيْتُهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ تَشْغَلْنِي عَنْ رُؤْيَتِهِ تَعَالَى بَلْ رَأَيْتُ الْمُصَوِّرَ فِي الصُّورَةِ وَالْمُنْشِئَ فِي الْإِنْشَاءِ وَيُرِيدُ بِهِ رُؤْيَةَ الْعِلْمِ لَا إِدْرَاكَ الْبَصَرِ

  74. The terms · 25. al-nafs: the self

    73

    وَمِنْ ذَلِكَ النَّفْسُ نَفْسُ الشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ وُجُودُهُ وَعِنْدَ الْقَوْمِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ النَّفْسِ الْوُجُودَ وَلَا الْقَالَبَ الْمَوْضُوعَ إِنَّمَا أَرَادُوا بِالنَّفْسِ مَا كَانَ مَعْلُولًا مِنْ أَوْصَافِ الْعَبْدِ وَمَذْمُومًا مِنْ أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ ثُمَّ إِنَّ الْمَعْلُولَاتِ مِنْ أَوْصَافِ الْعَبْدِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَكُونُ كَسْبًا لَهُ كَمَعَاصِيهِ وَمُخَالَفَاتِهِ.

  75. 74

    وَالثَّانِي أَخْلَاقُهُ الدَّنِيئَةُ فَهِيَ فِي أَنْفُسِهَا مَذْمُومَةٌ فَإِذَا عَالَجَهَا الْعَبْدُ وَنَازَلَهَا تَنْتَفِي عَنْهُ بِالْمُجَاهَدَةِ تِلْكَ الْأَخْلَاقُ عَلَى مُسْتَمِرِّ الْعَادَةِ وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَحْكَامِ النَّفْسِ مَا نُهِيَ عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيِ النَّفْسِ فَسَفْسَافُ الْأَخْلَاقِ وَالدَّنِئُ مِنْهَا هَذَا حَدُّهُ عَلَى الْجُمْلَةِ ثُمَّ تَفْصِيلُهَا فَالْكِبْرُ وَالْغَضَبُ وَالْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَسُوءُ الْخُلُقِ وَقِلَّةُ الِاحْتِمَالِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ وَأَشَدُّ أَحْكَامِ النَّفْسِ وَأَصْعَبُهَا تَوَهُّمُهَا أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا حَسَنٌ أَوْ أَنَّ لَهَا اسْتِحْقَاقَ قَدْرٍ وَلِهَذَا عُدَّ ذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ وَمُعَالَجَةُ الْأَخْلَاقِ فِي تَرْكِ النَّفْسِ وَكَسْرِهَا أَتَمُّ مِنْ مُقَاسَاةِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالسَّهَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُجَاهَدَاتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ سُقُوطَ الْقُوَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ تَرْكِ النَّفْسِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ لَطِيفَةً مُودَعَةً فِي هَذَا الْقَالَبِ هِيَ مَحَلُّ الْأَخْلَاقِ الْمَعْلُومَةِ

  76. 75

    كَمَا أَنَّ الرُّوحَ لَطِيفَةٌ فِي هَذَا الْقَالَبِ هِيَ مَحَلُّ الْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ مُسَخَّرًا بَعْضُهَا لِبَعْضٍ وَالْجَمِيعُ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ وَكَوْنُ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ مِنَ الْأَجْسَامِ اللَّطِيفَةِ فِي الصُّورَةِ كَكَوْنِ الْمَلَائِكَةِ وَالشَّيَاطِينِ بِصِفَةِ اللَّطَافَةِ وَكَمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْبَصَرُ مَحَلَّ الرُّؤْيَةِ وَالْأُذُنُ مَحَلَّ السَّمْعِ وَالْأَنْفُ مَحَلَّ الشَّمِّ وَالْفَمُ مَحَلَّ الذَّوْقِ وَالسَّمِيعُ وَالْبَصِيرُ وَالشَّامُّ وَالذَّائِقُ إِنَّمَا هِيَ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ الْإِنْسَانُ فَكَذَلِكَ مَحَلُّ الْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ الْقَلْبُ وَالرُّوحُ وَمَحَلُّ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ النَّفْسُ وَالنَّفْسُ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَالْقَلْبُ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَالْحُكْمُ وَالِاسْمُ رَاجِعٌ إِلَى الْجُمْلَةِ

  77. The terms · 26. al-rūḥ: the spirit

    76

    وَمِنْ ذَلِكَ الرُّوحُ الْأَرْوَاحُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّهَا الْحَيَاةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّهَا أَعْيَانٌ مُودَعَةٌ فِي هَذِهِ الْقَوَالِبِ. لَطِيفَةٌ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِخَلْقِ الْحَيَاةِ فِي الْقَالِبِ مَا دَامَتِ الْأَرْوَاحُ فِي الْأَبْدَانِ فَالْإِنْسَانُ حَيٌّ بِالْحَيَاةِ وَلَكِنَّ الْأَرْوَاحَ مُودَعَةٌ فِي الْقَوَالِبِ وَلَهَا تَرَقٍّ فِي حَالِ النَّوْمِ وَمُفَارَقَةٌ لِلْبَدَنِ ثُمَّ رُجُوعٌ إِلَيْهِ وَأَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ الرُّوحُ وَالْجَسَدُ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَخَّرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ بَعْضَهَا لِبَعْضٍ وَالْحَشْرُ يَكُونُ لِلْجُمْلَةِ وَالْمُثَابُ وَالْمُعَاقَبُ الْجُمْلَةُ وَالْأَرْوَاحُ مَخْلُوقَةٌ وَمَنْ قَالَ بِقِدَمِهَا فَهُوَ مُخْطِئٌ خَطَأً عَظِيمًا وَالْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَعْيَانٌ لَطِيفَةٌ

  78. The terms · 27. al-sirr: the secret

    77

    وَمِنْ ذَلِكَ السِّرُّ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَطِيفَةٌ مُودَعَةٌ فِي الْقَالَبِ كَالْأَرْوَاحِ وَأُصُولُهُمْ تَقْتَضِي أَنَّهَا مَحَلُّ الْمُشَاهَدَةِ كَمَا أَنَّ الْأَرْوَاحَ مَحَلٌّ لِلْمَحَبَّةِ وَالْقُلُوبَ مَحَلٌّ لِلْمُعَارَفَةِ وَقَالُوا السِّرُّ مَالَكَ عَلَيْكَ إِشْرَافٌ وَسِرُّ السِّرِّ مَا لَا اطِّلَاعَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْحَقِّ وَعِنْدَ الْقَوْمِ عَلَى مُوجَبِ مُوَاصَفَاتِهِمْ وَمُقْتَضَى أُصُولِهِمُ السِّرُّ أَلْطَفُ مِنَ الرُّوحِ وَالرُّوحُ أَشْرَفُ مِنَ الْقَلْبِ وَيَقُولُونَ الْأَسْرَارُ مُعْتَقَةٌ عَنْ رِقِّ الْأَخْبَارِ مِنَ الْآثَارِ وَالْأَطْلَالِ وَيُطْلَقُ لَفْظُ السِّرِّ عَلَى مَا يَكُونُ مَصُونًا مَكْتُومًا بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحَقِّ سُبْحَانَهُ فِي الْأَحْوَالِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: أَسْرَارُنَا بِكْرٌ لَمْ يَفْتَضَّهَا وَهْمُ وَاهِمٍ، وَيَقُولُونَ: صُدُورُ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ، وَقَالُوا: لَوْ عَرَفَ زِرِّى سِرِّي لَطَرَحْتُهُ، فَهَذَا طَرَفٌ مِنْ تَفْسِيرِ إِطْلَاقَاتِهِمْ وَبَيَانِ عِبَارَاتِهِمْ فِيمَا انْفَرَدُوا بِهِ مِنْ أَلْفَاظٍ ذَكَرْنَاهَا عَلَى شَرْطِ الْإِيجَازِ، وَنَذْكُرُ الْآنَ أَبْوَابًا فِي شَرْحِ الْمَقَامَاتِ الَّتِي هِيَ مَدْرَاجُ أَرْبَابِ السُّلُوكِ ثُمَّ بَعْدَهَا أَبْوَابًا فِي تَفْصِيلِ الْأَحْوَالِ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي يُسَهِّلُهُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  79. Insight (al-firāsa)

    78

    بَابُ الفِرَاسَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ قِيلَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ. أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الأُسْتَاذُ: الفِرَاسَةُ خَاطِرٌ يَهْجُمُ عَلَى القَلْبِ فَيَنْفِى مَا يُضَادُّهُ وَلَهُ عَلَى القَلْبِ حُكْمٌ اشْتِقَاقًا مِنْ فَرِيسَةِ السَّبُعِ وَلَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ الفِرَاسَةِ مُجَوِّزَاتٌ لِلنَّفْسِ وَهِيَ عَلَى حَسَبِ قُوَّةِ الإِيمَانِ فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَقْوَى إِيمَانًا كَن أَحَدَّ فِرَاسَةً وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخَرَّازُ: مَنْ نَظَرَ بِنُورِ الفِرَاسَةِ نَظَرَ بِنُورِ الحَقِّ وَتَكُونُ مَوَادُّ عِلْمِهِ مِنَ الحَقِّ بِلَا سَهْوٍ. وَلَا غَفْلَةٍ بَلْ حُكْمُ حَقٍّ جَرَى عَلَى لِسَانِ عَبْدٍ. وَقَوْلُهُ: نَظَرَ بِنُورِ الحَقِّ يَعْنِى بِنُورٍ خَصَّهُ بِهِ الحَقُّ سُبْحَانَهُ.

    Quotes the Quran 15:75 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 15:75 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes a hadith

  80. 79

    وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ: إِنَّ الْفِرَاسَةَ سَوَاطِعُ أَنْوَارٍ لَمَعَتْ فِي الْقُلُوبِ وَتَمْكِينُ مَعْرِفَةٍ حَمَلَتِ السَّرَائِرَ فِي الْغُيُوبِ مِنْ غَيْبٍ إِلَى غَيْبٍ حَتَّى يَشْهَدَ الْأَشْيَاءَ مِنْ حَيْثُ أَشْهَدَهُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ إِيَّاهَا فَيَتَكَلَّمَ عَلَى ضَمِيرِ الْخَلْقِ. وَيُحْكَى عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الدَّيْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ أَنْطَاكِيَةَ لِأَجْلِ أَسْوَدَ قِيلَ لِي إِنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَسْرَارِ فَأَقَمْتُ فِيهَا إِلَى أَنْ أَخْرُجَ مِنْ جَبَلِ لُكَّامٍ وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمُبَاحِ يَبِيعُهُ وَكُنْتُ جَائِعًا مُنْذُ يَوْمَيْنِ لَمْ آكُلْ شَيْئًا فَقُلْتُ لَهُ: بِكَمْ هَذَا وَأَوْهَمْتُ أَنِّي أَشْتَرِي مَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اقْعُدْ ثَمَّ حَتَّى إِذَا بِعْنَاهُ نُعْطِيكَ

  81. 80

    مَا تَشْتَرِي بِهِ شَيْئًا فَتَرَكَهُ وَسِرْتُ إِلَى غَيْرِهِ أُوهِمُهُ أَنِّي أُسَاوِمُهُ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ إِنْ كُنْتَ تَبِيعُ هَذَا فَقُلْ لِي بِكَمْ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا جُعْتَ يَوْمَيْنِ أُقْعُدْ ثَمَّ حَتَّى إِذَا بِعْنَاهُ نُعْطِيكَ مَا تَشْتَرِى بِهِ شَيْئًا فَقَعَدْتُ فَلَمَّا بَاعَهُ أَعْطَانِي شَيْئًا وَمَشَى فَتَبِعْتُهُ فَالْتَفَتَ إِلَىَّ وَقَالَ إِذَا عَرَضَ لَكَ حَاجَةٌ فَأَنْزِلْهَا بِاللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِنَفْسِهِ بِهَا حَظٌّ فَتُحْجَبَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْكَتَّانِيَّ يَقُولُ الْفِرَاسَةُ مُكَاشَفَةُ الْيَقِينِ وَمُعَايَنَةُ الْغَيْبِ وَهِيَ مِنْ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ.

  82. 81

    وَقِيلَ: كَانَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَتَفَرَّسُ أَنَّهُ نَجَّارٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَتَفَرَّسُ أَنَّهُ حَدَّادٌ فَسَأَلَاهُ فَقَالَ: كُنْتُ قَبْلَ هَذَا حَدَّادًا وَالسَّاعَةَ أَنْجُرُ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ: الْمُسْتَنْبِطُ مَنْ يُلَاحِظُ الْغَيْبَ أَبَدًا وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ تَعَالَى: لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ وَالْمُتَوَسِّمُ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ الْوَسْمَ وَهُوَ الْعَارِفُ بِمَا فِي سُوَيْدَاءِ الْقُلُوبِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالْعَلَامَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ أَيْ لِلْعَارِفِينَ بِالْعَلَامَاتِ الَّتِي يُبْدِيهَا عَلَى الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَالْمُتَفَرِّسُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ سَوَاطِعُ أَنْوَارٍ لَمَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَأَدْرَكَ بِهَا الْمَعَانِيَ وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْإِيمَانِ وَالَّذِينَ هُمْ أَكْثَرُ مِنْ حَظًّا الرَّبَّانِيُّونَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كُونُوا۟ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ يَعْنِى: عُلَمَاءَ حُكَمَاءَ مُتَخَلِّقِينَ بِأَخْلَاقِ الْحَقِّ نَظَرًا وَخُلُقًا وَهُمْ فَارِغُونَ عَنِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْخَلْقِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِمْ وَالِاشْتِغَالِ بِهِمْ وَقِيلَ: كَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُنَادِي مَرِيضًا وَكَانَ كَبِيرَ الشَّأْنِ مِنْ مَشَايِخِ نَيْسَابُورَ فَعَادَهُ

    Quotes the Quran 4:83 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 3:79 · text of the quotation verified against Tanzil

  83. 82

    أَبُو الْحَسَنِ الْبُوشَنْجِيُّ، وَالْحَسَنُ الْحَدَّادُ، وَاشْتَرَيَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ تُفَّاحًا فِي الطَّرِيقِ نَسِيئَةً وَحَمَلَاهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا قَعَدَا قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: مَا هَذِهِ الظُّلْمَةُ فَخَرَجَا وَقَالَا: إِيشْ فَعَلْنَا؟ وَتَفَكَّرَا فَقَالَا: لَعَلَّنَا لَمْ نُؤَدِّ ثَمَنَ التُّفَّاحِ فَأَعْطَيَا الثَّمَنَ وَعَادَا إِلَيْهِ فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِمَا قَالَ: يُمْكِنُ الْإِنْسَانَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الظُّلْمَةِ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ أَخْبِرَانِي عَنْ شَأْنِكُمَا فَذَكَرَا لَهُ الْقِصَّةَ فَقَالَ: نَعَمْ كَانَ يَعْتَمِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي إِعْطَاءِ الثَّمَنِ وَالرَّجُلُ يَسْتَحِي مِنْكُمَا فِي التَّقَاضِي فَكَانَ يَتَّقِي التَّبِعَةَ وَأَنَا السَّبَبُ إِنَّمَا رَأَيْتُ ذَلِكَ فِيكُمَا وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُنَادِي هَذَا يَدْخُلُ السُّوقَ كُلَّ يَوْمٍ يُنَادِى فَإِذَا وَقَعَ بِيَدِهِ مَا فِيهِ كِفَايَتُهُ مِنْ دَانِقٍ إِلَى نِصْفِ دِرْهَمٍ خَرَجَ وَعَادَ إِلَى رَأْسِ وَقْتِهِ وَمُرَاعَاةِ قَلْبِهِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ

  84. 83

    الْحَقُّ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى سِرٍّ مَلَّكَهُ الْأَسْرَارَ فَيُعَايِنُهَا وَيُخْبِرُ عَنْهَا، وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْفِرَاسَةِ فَقَالَ: أَرْوَاحٌ تَتَقَلَّبُ فِي الْمَلَكُوتِ فَتُشْرِفُ عَلَى مَعَانِي الْغُيُوبِ فَتَنْطِقُ عَنْ أَسْرَارِ الْخَلْقِ نُطْقَ مُشَاهَدَةٍ لَا نُطْقَ ظَنٍّ وَحُسْبَانٍ، وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَ زَكَرِيَّا الشَّخْتَنِيِّ وَبَيْنَ امْرَأَةٍ سَبَبٌ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فَكَانَ يَوْمًا وَاقِفًا عَلَى رَأْسِ أَبِي عُثْمَانَ الْحِيرِيِّ بَعْدَ مَا صَارَ مِنْ خَوَاصِّ تَلَامِذَتِهِ فَتَفَكَّرَ فِي شَأْنِهَا فَرَفَعَ أَبُو عُثْمَانَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: أَمَا تَسْتَحْيِي.

  85. 84

    قَالَ الأُسْتَاذُ الإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ كُنْتُ فِي ابْتِدَاءِ وُصْلَتِي بِالأُسْتَاذِ أَبِي عَلِيٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَقَدَ لِيَ الْمَجْلِسَ فِي مَسْجِدِ الْمُطَرِّزِ فَاسْتَأْذَنْتُهُ وَقْتًا لِلْخُرُوجِ إِلَى نَسَا فَأَذِنَ لِي فَكُنْتُ أَمْشِى مَعَهُ يَوْمًا فِي طَرِيقِ مَجْلِسِهِ فَخَطَرَ بِبَالِي لَيْتَهُ يَتُوبُ عَنِّى فِي مَجَالِسِي أَيَّامَ غَيْبَتِي فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ أَنُوبُ عَنْكَ أَيَّامَ غَيْبَتِكَ فِي عَقْدِ الْمَجَالِسِ فَمَشَيْتُ قَلِيلًا فَخَطَرَ بِبَالِي أَنَّهُ عَلِيلٌ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَنُوبَ عَنِّى فِي الأُسْبُوعِ يَوْمَيْنِ فَلَيْتَهُ يَقْتَصِرُ عَلَى يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي الأُسْبُوعِ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: إِنْ لَمْ يُمْكِنِّي فِي الأُسْبُوعِ يَوْمَانِ أَنُوبُ عَنْكَ فِي الأُسْبُوعِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَشَيْتُ مَعَهُ قَلِيلًا، فَخَطَرَ بِبَالِي شَيْءٌ ثَالِثٌ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَصَرَّحَ بِالإِخْبَارِ عَنْهُ عَلَى الْقَطْعِ.

  86. 85

    سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَدِّى أَبَا عَمْرِو بْنَ نُجَيْدٍ يَقُولُ: كَانَ شَاهٌ الْكِرْمَانِيُّ حَادَّ الْفِرَاسَةِ لَا يُخْطِئُ وَيَقُولُ: مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنِ الْمَحَارِمِ

  87. 86

    وَأَمْسَكَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَعَمَرَ بَاطِنَهُ بِدَوَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَظَاهِرَهُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَتَعَوَّدَ أَكْلَ الْحَلَالِ لَمْ تُخْطِئْ فِرَاسَتُهُ، وَسُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ النُّورِيُّ مِنْ أَيْنَ تَوَلَّدَتْ فِرَاسَةُ الْمُتَفَرِّسِينَ فَقَالَ: مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَمَنْ كَانَ حَظُّهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ أَتَمَّ كَانَتْ مُشَاهَدَتُهُ أَحْكَمَ وَحُكْمُهُ بِالْفِرَاسَةِ أَصْدَقَ أَلَا تَرَى كَيْفَ أَوْجَبَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ السُّجُودَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ النُّورِيِّ فِيهِ أَدْنَى غُمُوضٍ وَإِبْهَامٍ بِذِكْرِ نَفْخِ الرُّوحِ لَا لِتَصْوِيبِ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِ الْأَرْوَاحِ وَلَا كَمَا يَلُوحُ لِقُلُوبِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَإِنَّ الَّذِي يَصِحُّ عَلَيْهِ النَّفْخُ وَالِاتِّصَالُ وَالِانْفِصَالُ فَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّأْثِيرِ وَالتَّغْيِيرِ وَذَلِكَ مِنْ سِمَاتِ الْحُدُوثِ وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَصَّ الْمُؤْمِنِينَ بِبَصَائِرَ وَأَنْوَارٍ بِهَا يَتَفَرَّسُونَ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مَعَارِفُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ أَيْ: بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ يَخُصُّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَيُفْرِدُهُ بِهِ مِنْ دُونِ أَشْكَالِهِ، وَتَسْمِيَةُ الْعُلُومِ وَالْبَصَائِرِ أَنْوَارً غَيْرُ مُسْتَبْدَعٍ وَلَا يَبْعُدُ وَصْفُ ذَلِكَ بِالنَّفْخِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْخَلْقُ.

    Quotes the Quran 15:29 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 15:29 · text of the quotation verified against Tanzil

  88. 87

    وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ: الْمُتَفَرِّسُ هُوَ الْمُصِيبُ بِأَوَّلِ مَرْمَاهُ إِلَى مَقْصِدِهِ وَلَا يُعَرِّجُ عَلَى تَأْوِيلٍ وَظَنٍّ وَحُسْبَانٍ وَقِيلَ: فِرَاسَةُ الْمُرِيدِينَ تَكُونُ ظَنًّا يُوجِبُ تَحْقِيقًا وَفِرَاسَةُ الْعَارِفِينَ تَحْقِيقٌ يُوجِبُ حَقِيقَةً وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ: إِذَا جَالَسْتُمْ أَهْلَ الصِّدْقِ فَجَالِسُوهُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُمْ جَوَاسِيسُ الْقُلُوبِ يَدْخُلُونَ فِي قُلُوبِكُمْ وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ لَا تُحِسُّونَ. سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْخُلْدِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْحَدَّادَ يَقُولُ: الْفِرَاسَةُ أَوَّلُ خَاطِرٍ بِلَا مُعَارِضٍ فَإِنْ عَارَضَ مُعَارِضٌ مِنْ جِنْسِهِ فَهُوَ خَاطِرٌ وَحَدِيثُ نَفْسٍ.

  89. 88

    وَيُحْكَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ نَزِيلِ نَيْسَابُورَ قَالَ كَسَانِي ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ صُوفًا وَرَأَيْتُ عَلَى رَأْسِ الشِّبْلِيِّ قَلَنْسُوَةً ظَرِيفَةً تَلِيقُ بِذَلِكَ الصُّوفِ فَتَمَنَّيْتُ فِي نَفْسِي أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا لِي فَلَمَّا قَامَ الشِّبْلِيُّ مِنْ مَجْلِسِهِ الْتَفَتَ إِلَىَّ فَتَبِعْتُهُ وَكَانَ عَادَتُهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ أَتْبَعَهُ يَلْتَفِتُ إِلَىَّ فَلَمَّا دَخَلَ دَارَهُ دَخَلْتُ فَقَالَ: انْزِعِ الصُّوفَ فَنَزَعْنَهُ فَلَفَّهُ وَطَرَحَ الْقَلَنْسُوَةَ عَلَيْهِ وَدَعَا بِنَارٍ فَأَحْرَقَهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيُّ: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِىَ الْفِرَاسَةَ وَلَكِنْ يَتَّقِى الْفِرَاسَةَ مِنَ الْغَيْرِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ وَلَمْ يَقُلْ تَفَرَّسُوا وَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى الْفِرَاسَةِ لِمَنْ هُوَ فِي مَحَلِّ اتِّقَاءِ الْفِرَاسَةِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مَسْرُوقٍ: دَخَلْتُ عَلَى شَيْخٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَدْعُوهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى حَالٍ رَثَّةٍ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مِنْ أَيْنَ يَرْتَزِقُ هَذَا الشَّيْخُ فَقَالَ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ دَعْ عَنْكَ هَذِهِ الْخَوَاطِرَ الدَّنِيئَةَ فَإِنَّ لِلَّهِ أَلْطَافًا خَفِيَّةً.

  90. 89

    وَيُحْكَى عَنِ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي مَسْجِدٍ بِبَغْدَادَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَرَاءِ فَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنَا بِشَيْءٍ أَيَّامًا فَأَتَيْتُ الْخَوَّاصَ لِأَسْأَلَهُ شَيْئًا فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَىَّ قَالَ: الْحَاجَةُ الَّتِي جِئْتَ لِأَجْلِهَا يَعْلَمُهَا اللهُ تَعَالَى أَمْ لَا فَقُلْتُ: بَلَى فَقَالَ: اسْكُتْ وَلَا تُبْدِهَا لِمَخْلُوقٍ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى فُتِحَ عَلَيْنَا بِمَا فَوْقَ الْكِفَايَةِ وَقِيلَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَوْمًا فِي الْجَامِعِ فَوَقَعَ حَمَامٌ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شِدَّةِ مَا لَحِقَهُ مِنَ الْحَرِّ وَالْمَشَقَّةِ فَقَالَ سَهْلٌ: إِنَّ شَاهَ الْكِرْمَانِيَّ مَاتَ السَّاعَةَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فَكَتَبُوا ذَلِكَ فَكَانَ كَمَا قَالَ.

  91. 90

    وَقِيلَ: خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التُّرُوغَنْدِيُّ وَكَانَ كَبِيرَ الْوَقْتِ إِلَى طُوسَ فَلَمَّا بَلَغَ خَرْ وَقَالَ لِصَاحِبِهِ اشْتَرِ الْخُبْزَ فَاشْتَرَى مَا يَكْفِيهِمَا فَقَالَ: اشْتَرِ أَكْثَرَ فَاشْتَرَى صَاحِبُهُ مَا يَكْفِى عَشَرَةَ أَنْفُسٍ تَعَمُّدًا فَكَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِقَوْلِ ذَلِكَ الشَّيْخِ تَحْقِيقًا قَالَ فَلَمَّا صَعِدْنَا إِلَى الْجَبَلِ إِذَا بِجَمَاعَةٍ قَيَّدَتْهُمُ اللُّصُوصُ لَمْ يَأْكُلُوا مُنْذُ مُدَّةٍ فَسَأَلُونَا الطَّعَامَ فَقَالَ: قَدِّمْ إِلَيْهِمُ السُّفْرَةَ

  92. 91

    قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ كُنْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْأُسْتَاذِ أَبِي عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَوْمًا فَجَرَى حَدِيثُ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَنَّهُ يَقُومُ فِي السَّمَاعِ مُوَافَقَةً لِلْفُقَرَاءِ فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِىٍّ مِثْلُهُ فِي حَالِهِ لَعَلَّ السُّكُونَ أَوْلَى بِهِ ثُمَّ قَالَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَمْضِ إِلَيْهِ فَتَجِدُهُ وَهُوَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِ كُتُبِهِ وَعَلَى وَجْهِ الْكُتُبِ مُجَلَّدَةٌ حَمْرَاءُ مُرَبَّعَةٌ صَغِيرَةٌ فِيهَا أَشْعَارُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ فَاحْمِلْ تِلْكَ الْمُجَلَّدَةَ وَلَا تَقُلْ لَهُ شَيْئًا وَجِئْنِي بِهَا وَكَانَ وَقْتَ هَاجِرٍ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَإِذَا هُوَ فِي بَيْتِ كُتُبِهِ وَالْمُجَلَّدَةُ مَوْضُوعَةٌ بِحَيْثُ ذَكَرَ فَلَمَّا قَعَدْتُ أَخَذَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْحَدِيثِ وَقَالَ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُنْكِرُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ حَرَكَتَهُ فِي السَّمَاعِ فَرَأَى ذَلِكَ الْإِنْسَانَ يَوْمًا خَالِيًا فِي بَيْتٍ وَهُوَ يَدُورُ كَالْمُتَوَاجِدِ فَسُئِلَ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ:

  93. 92

    كَانَتْ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ عَلَىَّ فَتَبَيَّنَ لِي مَعْنَاهَا فَلَمْ أَتَمَالَكْ مِنَ السُّرُورِ حَتَّى قُمْتُ أَدُورُ فَقِيلَ لَهُ مِثْلُ هَذَا يَكُونُ حَالُهُمْ فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ وَمَا وَصَفَ لِي عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَالَ وَجَرَى عَلَى لِسَانِ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا كَانَ قَدْ ذَكَرَهُ بِهِ تَحَيَّرْتُ وَقُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ فَكَّرْتُ فِي نَفْسِي وَقُلْتُ: لَا وَجْهَ إِلَّا الصِّدْقُ فَقُلْتُ: إِنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ وَصَفَ لِي هَذِهِ الْمُجَلَّدَةَ وَقَالَ لِي احْمِلْهَا إِلَيَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْتَأْذِنَ الشَّيْخَ وَأَنَا هُوَ ذَا أَخَافُكَ وَلَيْسَ يُمْكِنُنِي مُخَالَفَتُهُ فَأَيَّ شَيْءٍ تَأْمُرُ فَأَخْرَجَ مُسَدَّسًا مِنْ كَلَامِ الْحُسَيْنِ وَفِيهِ تَصْنِيفٌ لَهُ سَمَّاهُ كِتَابَ الصَّيْهُورِ فِي نَقْضِ الدُّهُورِ وَقَالَ: احْمِلْ هَذَا إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ: إِنِّي أُطَالِعُ تِلْكَ الْمُجَلَّدَةَ وَأَنْقُلُ مِنْهَا أَبْيَاتًا إِلَى مُصَنَّفَاتِي فَخَرَجْتُ.

  94. 93

    وَيُحْكَى عَنِ الْحَسَنِ الْحَدَّادِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ الْمُنَادِي وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ فَقَالَ لِي: اخْرُجْ وَائْتِهِمْ بِشَيْءٍ فَسُرِرْتُ حَيْثُ أَذِنَ لِي فِي التَّكَلُّفِ لِلْفُقَرَاءِ وَأَنْ آتِيَهُمْ بِشَيْءٍ بَعْدَ مَا عَلِمَ فَقْرِي قَالَ: فَأَخَذْتُ مِكْتَلًا وَخَرَجْتُ فَلَمَّا أَتَيْتُ سِكَّةَ سَيَّارٍ رَأَيْتُ شَيْخًا بَهِيًّا، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ فِي مَوْضِعٍ فَهَلْ لَكَ أَنْ تَتَخَلَّقَ مَعَهُمْ بِشَيْءٍ فَأَمَرَ حَتَّى إِذَا أُخْرِجَ إِلَيَّ شَيْئًا مِنَ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْعِنَبِ فَلَمَّا بَلَغْتُ الْبَابَ نَادَانِي أَبُو الْقَاسِمِ الْمُنَادِي مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ: رُدَّهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذْتَهُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ وَاعْتَذَرْتُ إِلَى الشَّيْخِ وَقُلْتُ: لَمْ أَجِدْهُمْ وَعَرَّضْتُ بِأَنَّهُمْ تَفَرَّقُوا فَرَدَدْتُ السَّبَبَ عَلَيْهِ ثُمَّ جِئْتُ إِلَى السُّوقِ فَفُتِحَ عَلَىَّ بِشَيْءٍ فَحَمَلْتُهُ فَقَالَ: ادْخُلْ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ: نَعَمْ ذَاكَ ابْنُ سَيَّارٍ رَجُلٌ سُلْطَانِيٌّ إِذَا جِئْتَ لِلْفُقَرَاءِ بِشَيْءٍ فَأْتِهِمْ بِمِثْلِ هَذَا لَا بِمِثْلِ ذَاكَ.

  95. 94

    وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْقَرَافِيُّ: زُرْتُ أَبَا الْخَيْرِ التِّينَاتِيَّ فَلَمَّا وَدَّعْتُهُ خَرَجَ مَعِى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَحْمِلُ مَعَكَ مَعْلُومًا وَلَكِنِ احْمِلْ هَاتَيْنِ التُّفَّاحَتَيْنِ فَأَخَذْتُهُمَا وَوَضَعْتُهُمَا فِي جَيْبِي وَسِرْتُ فَلَمْ يُفْتَحْ لِي بِشَيْءٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَخْرَجْتُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَأَكَلْتُهَا ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أُخْرِجَ الثَّانِيَةَ فَإِذَا هُمَا جَمِيعًا فِي جَيْبِي فَكُنْتُ آكُلُ مِنْهُمَا وَيَعُودَانِ إِلَى بَابِ الْمَوْصِلِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّهُمَا يُفْسِدَانِ عَلَيَّ حَالَ تَوَكُّلِي إِذَا صَارَتَا مَعْلُومًا لِي فَأَخْرَجْتُهُمَا مِنْ جَيْبِي بِمَرَّةٍ فَنَظَرْتُ فَإِذَا فَقِيرٌ مَلْفُوفٌ فِي عَبَاءَةٍ يَقُولُ: أَشْتَهِى تُفَّاحَةً فَنَاوَلْتُهُمَا إِيَّاهُ فَلَمَّا عَبَرْتُ وَقَعَ لِي أَنَّ الشَّيْخَ إِنَّمَا بَعَثَهُمَا إِلَيْهِ وَكُنْتُ فِي رُفْقَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَانْصَرَفْتُ إِلَى الْفَقِيرِ فَلَمْ أَجِدْهُ.

  96. 95

    سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ بْنَ عُلْوَانَ يَقُولُ: كَانَ شَابٌّ يَصْحَبُ الْجُنَيْدَ وَكَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى خَوَاطِرِ النَّاسِ فَذُكِرَ لِلْجُنَيْدِ فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْدُ: إِيشْ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ عَنْكَ؟ فَقَالَ لِلْجُنَيْدِ: أعْتَقِدْ شَيْئًا فَقَالَ: اعْتَقَدْتُ فَقَالَ الشَّابُّ: اعْتَقَدْتَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الْجُنَيْدُ: لَا فَقَالَ: اعْتَقِدْ ثَانِيًا فَفَعَلَ فَقَالَ: اعْتَقَدْتَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ: لَا فَقَالَ: ثَالِثًا فَقَالَ: مِثْلَهُ فَقَالَ الشَّابُّ: هَذَا عَجَبٌ أَنْتَ صَدُوقٌ وَأَنَا أَعْرِفُ قَلْبِي فَقَالَ الْجُنَيْدُ: صَدَقْتَ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَمْتَحِنَكَ هَلْ يَتَغَيَّرُ قَلْبُكَ.

  97. 96

    وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ يَقُولُ اعْتَلَّ ابْنُ الرَّقِّيِّ فَحُمِلَ إِلَيْهِ دَوَاءٌ فِي قَدَحٍ فَأَخَذَهُ ثُمَّ قَالَ: وَقَعَ الْيَوْمَ فِي الْمَمْلَكَةِ حَدَثٌ لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا هُوَ فَوَرَدَ الْخَبَرُ بَعْدَهُ بِأَيَّامٍ أَنَّ الْقِرْمِطِيَّ دَخَلَ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَتَلَ بِهَا تِلْكَ الْمَقْتَلَةَ الْعَظِيمَةَ. سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيَّ يَقُولُ: ذُكِرَ لِابْنِ الْكَاتِبِ هَذِهِ الْحِكَايَةُ فَقَالَ: هَذَا عَجَبٌ لَهُ فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذَا بِعَجَبٍ فَقَالَ لِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْكَاتِبِ: إِيشْ خَبَرُ مَكَّةَ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى الْيَوْمَ فَقُلْتُ: ذَا تَحَارَبَ الطَّلْحِيُّونَ وَبَنُو الْحَسَنِ وَمُقَدَّمُ الطَّلْحِيِّينَ أَسْوَدُ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ حَمْرَاءُ وَعَلَى مَكَّةَ الْيَوْمَ غَيْمٌ عَلَى مِقْدَارِ الْحَرَمِ فَكَتَبَ أَبُو عَلِىٍّ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ كَمَا ذَكَرْتُ.

  98. 97

    وَيُرْوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَكُنْتُ رَأَيْتُ فِي الطَّرِيقِ امْرَأَةً تَأَمَّلْتُ مَحَاسِنَهَا فَقَالَ عُثْمَانُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: يَدْخُلُ عَلَىَّ أَحَدُكُمْ وَآثَارُ الزِّنَا ظَاهِرَةٌ عَلَى عَيْنِهِ فَقُلْتُ: أَوَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ تَبْصِرَةٌ وَبُرْهَانٌ وَفِرَاسَةٌ صَادِقَةٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْخَرَّازُ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَرَأَيْتُ فَقِيرًا عَلَيْهِ خِرْقَتَانِ يَسْأَلُ شَيْئًا فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مِثْلُ هَذَا كَلٌّ عَلَى النَّاسِ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَقَالَ: وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ قَالَ: فَاسْتَغْفَرْتُ فِي سِرِّى فَنَادَانِي وَقَالَ: وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ .

    Quotes the Quran 2:235 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes the Quran 42:25 · text of the quotation verified against Tanzil

  99. 98

    وَحُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ بِبَغْدَادَ فِي جَامِعِ الْمَدِينَةِ وَهُنَاكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ فَأَقْبَلَ شَابٌّ ظَرِيفٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ حَسَنُ الْحُرْمَةِ حَسَنُ الْوَجْهِ فَقُلْتُ لِأَصْحَابِنَا: يَقَعُ لِي أَنَّهُ يَهُودِيٌّ فَكُلُّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ فَخَرَجْتُ وَخَرَجَ الشَّابُّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: إِيشْ قَالَ الشَّيْخُ فِيَّ؟ فَاحْتَشَمُوهُ فَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: قَالَ: إِنَّكَ يَهُودِيٌّ. قَالَ: فَجَاءَنِي وَأَكَبَّ عَلَى يَدَيَّ وَأَسْلَمَ؟ فَقِيلَ لَهُ: مَا السَّبَبُ؟ قَالَ: نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّ الصِّدِّيقَ لَا تُخْطِئُ فِرَاسَتُهُ فَقُلْتُ: أَمْتَحِنُ الْمُسْلِمِينَ فَتَأَمَّلْتُهُمْ فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ فِيهِمْ صِدِّيقٌ فَفِي هَذِهِ الطَّائِفَةِ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ حَدِيثَهُ سُبْحَانَهُ فَلَبَّسْتُ عَلَيْكُمْ فَلَمَّا اطَّلَعَ هَذَا الشَّيْخُ عَلَيَّ وَتَفَرَّسَ فِيَّ عَلِمْتُ أَنَّهُ صِدِّيقٌ وَصَارَ الشَّابُّ مِنْ كِبَارِ الصُّوفِيَّةِ.

  100. 99

    سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ الْجُرَيْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ إِذَا أَرَادَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِي الْمَمْلَكَةِ حَدَثًا أَعْلَمَهُ قَبْلَ أَنْ يُبْدِيَهُ قُلْنَا: لَا فَقَالَ: ابْكُوا عَلَى قُلُوبٍ لَمْ تَجِدْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا وَقَالَ أَبُو مُوسَى الدَّيْلَمِيُّ: سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَحْيَي عَنِ التَّوَكُّلِ فَقَالَ: لَوْ أَدْخَلْتَ يَدَكَ فِي فَمِ التِّنِّينِ حَتَّى تَبْلُغَ الرُّسْغَ لَا تَخَفْ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا غَيْرَهُ قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى أَبِي يَزِيدَ لِاَسْأَلَهُ عَنِ التَّوَكُّلِ فَدَقَقْتُ الْبَابَ فَقَالَ: أَلَيْسَ لَكَ فِي قَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِفَايَةٌ فَقُلْتُ: افْتَحِ الْبَابَ فَقَالَ: مَا زُرْتَنِي أَتَاكَ الْجَوَابُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ وَلَمْ يَفْتَحْ لِي الْبَابَ قَالَ فَمَضَيْتُ وَلَبِثْتُ سَنَةً ثُمَّ قَصَدْتُهُ فَقَالَ: مَرْحَبًا جِئْتَنِي زَائِرًا فَكُنْتُ عِنْدَهُ شَهْرًا فَكَانَ لَا يَخْطُرُ بِقَلْبِي شَيْءٌ إِلَّا حَدَّثَنِي عَنْهُ فَعِنْدَ وَدَاعِهِ قُلْتُ: أَفِدْنِي فَائِدَةً فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا بِي، فَكَانَتْ إِذَا قُدِّمَ لَهَا طَعَامٌ مِنْ حَلَالٍ امْتَدَّتْ يَدُهَا إِلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ شُبْهَةٌ انْقَبَضَتْ يَدُهَا عَنْهُ.

  101. 100

    وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ دَخَلْتُ الْبَادِيَةَ فَأَصَابَتْنِي شِدَّةٌ فَلَمَّا بَلَغْتُ مَكَّةَ دَاخَلَنِي شَيْءٌ مِنَ الْإِعْجَابِ فَنَادَتْنِي عَجُوزٌ يَا إِبْرَاهِيمُ كُنْتُ مَعَكَ فِي الْبَادِيَةِ، فَلَمْ أُكَلِّمْكَ لِأَنِّي لَمْ أُرِدْ أَنْ أَشْغَلَ سِرَّكَ أَخْرِجْ عَنْكَ هَذَا الْوَسْوَاسَ. وَحُكِىَ أَنَّ الْفَرْغَانِيَّ كَانَ يَخْرُجُ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى الْحَجِّ وَيَمُرُّ بِنَيْسَابُورَ وَلَا يَدْخُلُ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ الْحِيرِيِّ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَسَلَّمْتُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي:

  102. 101

    مُسْلِمٌ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُ فَلَا يَرُدُّ سَلَامَهُ فَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: مِثْلُ هَذَا يَحُجُّ وَيَدَعُ أُمَّهُ لَا يَبَرُّهَا قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى فَرْغَانَةَ وَلَزِمْتُهَا حَتَّى مَاتَتْ ثُمَّ قَصَدْتُ أَبَا عُثْمَانَ، فَلَمَّا دَخَلْتُ اسْتَقْبَلَنِي وَأَجْلَسَنِي، ثُمَّ إِنَّ الْفَرْغَانِيَّ لَازَمَهُ وَسَأَلَهُ سِيَاسَةَ دَابَّتِهِ فَوَلَّاهُ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ أَبُو عُثْمَانَ وَقَالَ خَيْرٌ النَّسَّاجُ: كُنْتُ جَالِسًا فِي بَيْتِي فَوَقَعَ لِي أَنَّ الْجُنَيْدَ بِالْبَابِ فَنَفَيْتُ عَنْ قَلْبِي فَوَقَعَ ثَانِيًا وَثَالِثًا فَخَرَجْتُ فَإِذَا بِالْجُنَيْدِ فَقَالَ: لِمَ لَمْ تَخْرُجْ مَعَ الْخَاطِرِ الْأَوَّلِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبِسْطَامِيُّ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيِّ فَقُلْتُ: فِي نَفْسِي لَعَلَّهُ يَتَشَهَّى عَلَىَّ شَيْئًا فَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ:

  103. 102

    لَا يَكْفِى النَّاسَ أَنْ آخُذَ مِنْهُمْ حَتَّى يُرِيدُوا مَسْأَلَتِي إِيَّاهُمْ وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَرَاءِ: كُنْتُ بِبَغْدَادَ فَوَقَعَ لِي أَنَّ الْمُرْتَعِشَ يَأْتِينِي بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا لِأَشْتَرِيَ بِهَا الرَّكْوَةَ وَالْحَبْلَ وَالنَّعْلَ وَأَدْخُلَ الْبَادِيَةَ قَالَ فَدُقَّ عَلَى الْبَادِيَةِ فَفَتَحْتُ فَإِذَا أَنَا بِالْمُرْتَعِشِ مَعَهُ خُرَيْقَةٌ فَقَالَ: خُذْهَا فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي لَا أُرِيدُهَا قَالَ فَلِمَ تُؤْذِينَا كَمْ أَرَدْتَ فَقُلْتُ: خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَقَالَ: هِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ أَيْ: مَيِّتَ الذِّهْنِ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنُورِ الْفِرَاسَةِ وَجَعَلَ لَهُ نُورَ التَّجَلِّي وَالْمُشَاهَدَةِ لَا يَكُونُ كَمَنْ يَمْشِى بَيْنَ أَهْلِ الْغَفْلَةِ غَافِلًا، وَقِيلَ: إِذَا صَحَّتِ الْفِرَاسَةُ ارْتَقَى صَاحِبُهَا إِلَى الْمُشَاهَدَةِ.

    Quotes the Quran 6:122 · text of the quotation verified against Tanzil

  104. 103

    سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ الْبَغْدَادِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ مَسْرُوقٍ يَقُولُ: قَدِمَ عَلَيْهَا شَيْخٌ فَكَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَيْنَا فِي هَذَا الشَّأْنِ بِكَلَامٍ حَسَنٍ وَكَانَ عَذْبَ اللِّسَانِ جَيِّدَ الْخَاطِرِ فَقَالَ لَنَا فِي بَعْضِ كَلَامِهِ: كُلُّ مَا وَقَعَ لَكُمْ فِي خَاطِرِكُمْ فَقُولُوهُ لِي فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّهُ يَهُودِيٌّ وَكَانَ الْخَاطِرُ يَقْوَى وَلَا يَزُولُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْجُرَيْرِيِّ فَكَبُرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقُلْتُ: لَابُدَّ أَنْ أُخْبِرَ الرَّجُلَ بِذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ: تَقُولُ لَنَا مَا وَقَعَ لَكُمْ فِي خَاطِرِكُمْ فَقُولُوهُ لِي إِنَّهُ يَقَعُ لِي أَنَّكَ يَهُودِيٌّ فَأَطْرَقَ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: صَدَقْتَ أَشْهَدُ أَنْ لَا الله إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ: قَدْ مَارَسْتُ جَمِيعَ الْمَذَاهِبِ وَكُنْتُ أَقُولُ إِنْ كَانَ مَعَ قَوْمٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ فَمَعَ هَؤُلَاءِ فَدَاخَلْتُكُمْ لِأَخْتَبِرَكُمْ فَأَنْتُمْ عَلَى الْحَقِّ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.

  105. 104

    وَيُحْكَى عَنِ الجُنَيْدِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُ السَّرِيُّ تَكَلَّمْ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ الجُنَيْدُ: وَكَانَ فِي قَلْبِي حِشْمَةٌ مِنَ الكَلَامِ عَلَى النَّاسِ فَإِنِّي كُنْتُ أَتَّهِمُ نَفْسِي فِي اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ فَرَأَيْتُ لَيْلَةً النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَنَامِ وَكَانَتْ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ فَقَالَ لِي: تَكَلَّمْ عَلَى النَّاسِ فَانْتَبَهْتُ وَأَتَيْتُ بَابَ السَّرِيِّ قَبْلَ أَنْ أُصْبِحَ فَدَقَقْتُ عَلَيْهِ البَابَ فَقَالَ: لَمْ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ فَقَالَ لِي: فَقَالَ: لَمْ تُصَدِّقْنَا حَتَّى قِيلَ لَكَ فَقَعَدَ لِلنَّاسِ فِي الجَامِعِ بِالغَدِ فَانْتَشَرَ فِي النَّاسِ أَنَّ الجُنَيْدَ قَعَدَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ غُلَامٌ نَصْرَانِيٌّ مُتَنَكِّرًا وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ مَا مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإِنَّ المُؤْمِنَ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَطْرَقَ الجُنَيْدُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ أَسْلِمْ فَقَدْ حَانَ وَقْتُ إِسْلَامِكَ فَأَسْلَمَ الغُلَامُ.

  106. Knowledge of God (al-maʿrifa bi-llāh)

    105

    بَابُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ وَمَا عَرَفُوا اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْعَتَكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عِيسَى الشَّجَرِيُّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ دِعَامَةَ الْبَيْتِ أَسَاسُهُ، وَدِعَامَةَ الدِّينِ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالْيَقِينُ وَالْعَقْلُ الْقَامِعُ. فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا الْعَقْلُ الْقَامِعُ؟ قَالَ: الْكَفُّ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَالْحِرْصُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

    Quotes the Quran 6:91 · text of the quotation verified against Tanzil

    Quotes a hadith

  107. 106

    قَالَ الْأُسْتَاذُ: الْمَعْرِفَةُ عَلَى لِسَانِ الْعُلَمَاءِ هُوَ الْعِلْمُ، فَكُلُّ عِلْمٍ مَعْرِفَةٌ وَكُلُّ مَعْرِفَةٍ عِلْمٌ، وَكُلُّ عَالِمٍ بِاللَّهِ عَارِفٌ، وَكُلُّ عَارِفٍ عَالِمٌ وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمَعْرِفَةُ صِفَةُ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ثُمَّ صَدَقَ اللَّهَ تَعَالَى فِي مُعَامَلَاتِهِ ثُمَّ تَنَقَّى عَنْ أَخْلَاقِهِ الرَّدِيئَةِ وَآفَاتِهِ ثُمَّ طَالَ بِالْبَابِ وُقُوفُهُ وَدَامَ بِالْقَلْبِ اعْتِكَافُهُ فَحَظِيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِجَمِيلِ إِقْبَالِهِ وَصَدَقَ اللَّهَ تَعَالَى فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَانْقَطَعَ عَنْهُ هَوَاجِسُ نَفْسِهِ وَلَمْ يُصْغِ بِقَلْبِهِ إِلَى خَاطِرٍ يَدْعُوهُ إِلَى غَيْرِهِ فَإِذَا صَارَ مِنَ الْخَلْقِ أَجْنَبِيًّا وَمِنْ آفَاتِ نَفْسِهِ بَرِيًّا وَمِنَ الْمُسَاكَنَاتِ وَالْمُلَاحَظَاتِ نَقِيًّا وَدَامَ فِي السِّرِّ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى مُنَاجَاتُهُ وَحَقَّ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ إِلَيْهِ رُجُوعُهُ، وَصَارَ مُحَدَّثًا مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ بِتَعْرِيفِ أَسْرَارِهِ فِيمَا يُجْرِيهِ مِنْ تَصَارِيفِ أَقْدَارِهِ يُسَمَّى عِنْدَ ذَلِكَ عَارِفًا وَتُسَمَّى حَالَتُهُ مَعْرِفَةً بِالْجُمْلَةِ فَبِمِقْدَارِ أَجْنَبِيَّتِهِ عَنْ نَفْسِهِ تَحْصُلُ مَعْرِفَتُهُ بِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْمَشَايِخُ فِي الْمَعْرِفَةِ فَكُلٌّ نَطَقَ بِمَا وَقَعَ لَهُ وَأَشَارَ إِلَى مَا وَجَدَهُ فِي وَقْتِهِ. سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: مِنْ أَمَارَاتِ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ حُصُولُ الْهَيْبَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَمَنِ ازْدَادَتْ مَعْرِفَتُهُ ازْدَادَتْ هَيْبَتُهُ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: الْمَعْرِفَةُ تُوجِبُ السَّكِينَةَ فِي الْقَلْبِ كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ يُوجِبُ السُّكُونَ فَمَنِ ازْدَادَ مَعْرِفَتُهُ ازْدَادَتْ سَكِينَتُهُ.

  108. 107

    سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ الشِّبْلِيَّ يَقُولُ لَيْسَ لِعَارِفٍ عَلَاقَةٌ وَلَا لِمُحِبٍّ شَكْوَى وَلَا لِعَبْدٍ دَعْوَى وَلَا لِخَائِفٍ قَرَارٌ وَلَا لِأَحَدٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِرَارٌ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ الشِّبْلِيَّ يَقُولُ: وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْمَعْرِفَةِ؟ فَقَالَ: أَوَّلُهَا اللَّهُ تَعَالَى وَآخِرُهَا مَالَا نِهَايَةَ لَهُ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الدِّينَوَرِيَّ يَقُولُ: قَالَ أَبُو حَفْصٍ: مُذْ عَرَفْتُ اللَّهَ تَعَالَى مَا دَخَلَ قَلْبِي حَقٌّ وَلَا بَاطِلٌ.

  109. 108

    قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ: وَهَذَا الَّذِي أَطْلَقَهُ أَبُو حَفْصٍ فِيهِ طَرَفٌ مِنَ الْإِشْكَالِ وَأَجَلُّ مَا يَحْتَمِلُهُ أَنَّ عِنْدَ الْقَوْمِ الْمَعْرِفَةَ تُوجِبُ غَيْبَةَ الْعَبْدِ عَنْ نَفْسِهِ لِاسْتِيلَاءِ ذِكْرِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَشْهَدُ غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يَرْجِعُ إِلَى غَيْرِهِ فَكَمَا أَنَّ الْعَاقِلَ يَرْجِعُ إِلَى قَلْبِهِ وَتَفَكُّرِهِ وَتَذَكُّرِهِ فِيمَا يَسْنَحُ لَهُ مِنْ أَمْرٍ أَوْ يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ حَالٍ فَالْعَارِفُ رُجُوعُهُ إِلَى رَبِّهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُشْتَغِلًا إِلَّا بِرَبِّهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ رَاجِعًا إِلَى قَلْبِهِ وَكَيْفَ يَدْخُلُ الْمَعْنَى قَلْبَ مَنْ لَا قَلْبَ لَهُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ عَاشَ بِقَلْبِهِ وَبَيْنَ مَنْ عَاشَ بِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

  110. 109

    وَسُئِلَ أَبُو يَزِيدَ عَنِ الْمَعْرِفَةِ فَقَالَ: إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا۟ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓا۟ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً قَالَ الْأُسْتَاذُ: هَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو حَفْصٍ. وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ: لِلْخَلْقِ أَحْوَالٌ وَلَا حَالَ لِلْعَارِفِ لِأَنَّهُ مُحِيَتْ رُسُومُهُ وَفَنِيَتْ هُوِيَّتُهُ بِهُوِيَّةِ غَيْرِهِ وَغُيِّبَتْ آثَارُهُ بِآثَارِ غَيْرِهِ. وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ: لَا تَصِحُّ الْمَعْرِفَةُ وَفِي الْعَبْدِ اسْتِغْنَاءٌ بِاللَّهِ وَافْتِقَارٌ إِلَيْهِ قَالَ الْأُسْتَاذُ: أَرَادَ الْوَاسِطِيُّ بِهَذَا أَنَّ الِافْتِقَارَ وَالِاسْتِغْنَاءَ مِنْ أَمَارَاتِ صَحْوِ الْعَبْدِ وَبَقَاءِ رُسُومِهِ لِأَنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِهِ، وَالْعَارِفُ مَحْوٌ فِي مَعْرُوفِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ لِاسْتِهْلَاكِهِ

    Quotes the Quran 27:34 · text of the quotation verified against Tanzil

  111. 110

    فِي وُجُودِهِ أَوْ لِاسْتِغْرَاقِهِ فِي شُهُودِهِ إِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْوُجُودَ مُخْتَطَفٌ عَنْ إِحْسَاسِهِ بِكُلِّ وَصْفٍ هُوَ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ الْوَاسِطِيُّ أَيْضًا: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى انْقَطَعَ بَلْ خَرِسَ وَانْقَمَعَ. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ. هَذِهِ صِفَاتُ الَّذِينَ بَعُدَ مَرْمَاهُمْ، فَأَمَّا مَنْ نَزَلُوا عَنْ هَذَا الْحَدِّ فَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي الْمَعْرِفَةِ وَأَكْثَرُوا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيَّ يَقُولُ: مَنْ كَانَ بِاللَّهِ أَعْرَفَ كَانَ لَهُ أَخْوَفَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى تَبَرَّمَ بِالْبَقَاءِ وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِسَعَتِهَا. وَقِيلَ: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى صَفَا لَهُ الْعَيْشُ وَطَابَتْ لَهُ الْحَيَاةُ وَهَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَذَهَبَ عَنْهُ خَوْفُ الْمَخْلُوقِينَ وَأَنِسَ بِاللَّهِ تَعَالَى.

  112. 111

    وَقِيلَ: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى ذَهَبَ عَنْهُ رَغْبَةُ الأَشْيَاءِ وَكَانَ بِلا فَصْلٍ وَلا وَصْلٍ وَقِيلَ: الْمَعْرِفَةُ تُوجِبُ الْحَيَاءَ وَالتَّعْظِيمَ كَمَا أَنَّ التَّوْحِيدَ يُوجِبُ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمَ وَقَالَ رُوَيْمٌ: الْمَعْرِفَةُ لِلْعَارِفِ مِرْآةٌ إِذَا نَظَرَ فِيهَا تَجَلَّى لَهُ مَوْلاهُ وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: رَكَضَتْ أَرْوَاحُ الأَنْبِيَاءِ فِي مَيْدَانِ الْمَعْرِفَةِ فَسَبَقَتْ رُوحُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْوَاحَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إِلَى رَوْضَةِ الْوِصَالِ وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: مُعَاشَرَةُ الْعَارِفِ كَمُعَاشَرَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَحْتَمِلُكَ وَيَحْلُمُ عَنْكَ تَخَلُّقًا بِأَخْلاقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُئِلَ بْنُ يَزْدَانْيَارَ مَتَى يَشْهَدُ الْعَارِفُ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ فَقَالَ: إِذَا بَدَا الشَّاهِدُ وَفَنِيَ الشَّوَاهِدُ وَذَهَبَ الْحَوَاسُّ وَاضْمَحَلَّ الإِخْلاصُ وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا بَلَغَ الْعَبْدُ إِلَى مَقَامِ الْمَعْرِفَةِ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِخَوَاطِرِهِ وَحَرَسَ سِرَّهُ أَنْ يَسْنَحَ فِيهِ غَيْرُ خَاطِرِ الْحَقِّ وَقَالَ: عَلامَةُ الْعَارِفِ أَنْ يَكُونَ فَارِغًا مِنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْمَعْرِفَةُ غَايَتُهَا شَيْئَانِ: الدَّهْشَةُ وَالْحَيْرَةُ.

  113. 112

    سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ: أَعْرَفُ النَّاسِ بِاللَّهِ تَعَالَى أَشَدُّهُمْ تَحَيُّرًا فِيهِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ الْأَنْطَاكِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ لِلْجُنَيْدِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ أَقْوَامٌ يَقُولُونَ: إِنَّ تَرْكَ الْحَرَكَاتِ مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَقَالَ الْجُنَيْدُ: إِنَّ هَذَا قَوْلُ قَوْمٍ تَكَلَّمُوا بِإِسْقَاطِ الْأَعْمَالِ وَهُوَ عِنْدِي عَظِيمٌ وَالَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الَّذِي قَوْلُ هَذَا فَإِنَّ الْعَارِفِينَ بِاللَّهِ أَخَذُوا الْأَعْمَالَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى اللَّهِ تَعَالَى رَجَعُوا فِيهَا وَلَوْ بَقِيتُ أَلْفَ عَامٍ لَمْ أَنْقُصْ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ذَرَّةً وَقِيلَ لِأَبِي يَزِيدَ بِمَاذَا وَجَدْتَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ فَقَالَ: بِبَطْنٍ جَائِعٍ وَبَدَنٍ عَارٍ، وَقَالَ أَبُو يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيُّ قُلْتُ لِأَبِي يَعْقُوبَ السُّوسِيِّ:

  114. 113

    هَلْ يَتَأَسَّفُ الْعَارِفُ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: وَهَلْ يَرَى غَيْرَهُ فَيَتَأَسَّفَ عَلَيْهِ قُلْتُ: فَبِأَيِّ عَيْنٍ يَنْظُرُ إِلَى الْأَشْيَاءِ فَقَالَ: بِعَيْنِ الْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ: الْعَارِفُ طَيَّارٌ وَالزَّاهِدُ سَيَّارٌ، وَقِيلَ: الْعَارِفُ تَبْكى عَيْنُهُ وَيَضْحَكُ قَلْبُهُ وَقَالَ الْجُنَيْدُ لَا يَكُونُ الْعَارِفُ عَارِفًا حَتَّى يَكُونَ كَالْأَرْضِ يَطَؤُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَكَالسَّحَابِ يُظِلُّ كُلَّ شَيْءٍ وَكَالْمَطَرِ يَسْقى مَا يُحِبُّ وَمَا لَا يُحِبُّ وَقَالَ يَحْيَي بْنُ مُعَاذٍ: يَخْرُجُ الْعَارِفُ مِنَ الدُّنْيَا وَلَا يَقْضى وَطَرَهُ مِنْ شَيْئَيْنِ بُكَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: إِنَّمَا نَالُوا الْمَعْرِفَةَ بِتَضْيِيعِ مَا لَهُمْ وَالْوُقُوفِ مَعَ مَالَهُ.

  115. 114

    سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ لَا يَكُونُ الْعَارِفُ عَارِفًا حَقًّا حَتَّى لَوْ أُعْطِىَ مِثْلَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ طَرْفَةَ عَيْنٍ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَطَاءٍ يَقُولُ: الْمَعْرِفَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ الْهَيْبَةِ وَالْحَيَاءِ وَالْأُنْسِ.

  116. 115

    وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ قِيلَ لِذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ قَالَ: عَرَفْتُ رَبِّي بِرَبِّي وَلَوْلَا رَبِّي لَمَا عَرَفْتُ رَبِّي، وَقِيلَ: الْعَالِمُ يُقْتَدَي بِهِ وَالْعَارِفُ يُهْتَدَى بِهِ وَقَالَ الشِّبْلِيُّ الْعَارِفُ لَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ لَاحِظًا وَلَا بِكَلَامِ غَيْرِهِ لَافِظًا وَلَا يَرَى لِنَفْسِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى حَافِظًا وَقِيلَ: الْعَارِفُ أَنِسَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَوْحَشَهُ مِنْ خَلْقِهِ وَافْتَقَرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَغْنَاهُ عَنْ خَلْقِهِ وَذَلَّ لِلَّهِ تَعَالَى فَأَعَزَّهُ فِي خَلْقِهِ، وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السَّامَرِّيُّ: الْمَعْرِفَةُ طُلُوعُ الْحَقِّ عَلَى الْأَسْرَارِ بِمُوَاصَلَةِ الْأَنْوَارِ وَقِيلَ: الْعَارِفُ فَوْقَ مَا يَقُولُ وَالْعَالِمُ دُونَ مَا يَقُولُ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْتَحُ لِلْعَارِفِ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ مَا لَا يَفْتَحُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي وَقَالَ الْجُنَيْدُ: الْعَارِفُ مَنْ نَطَقَ الْحَقُّ عَنْ سِرِّهِ وَهُوَ سَاكِتٌ وَقَالَ ذُو النُّونِ: لِكُلِّ شَيْءٍ عُقُوبَةٌ وَعُقُوبَةُ الْعَارِفِ انْقِطَاعُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

  117. 116

    سَمِعْتُ أَبَا حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ السَّرَّاجَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْوَجِيهِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رُوَيْمًا يَقُولُ رِيَاءُ الْعَارِفِينَ أَفْضَلُ مِنْ إِخْلَاصِ الْمُرِيدِينَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: سُكُوتُ الْعَارِفِ أَنْفَعُ وَكَلَامُهُ أَشْهَى وَأَطْيَبُ وَقَالَ ذُو النُّونِ: الزُّهَّادُ مُلُوكُ الْآخِرَةِ وَهُمْ فُقَرَاءُ الْعَارِفِينَ. وَسُئِلَ الْجُنَيْدُ عَنِ الْعَارِفِ فَقَالَ: لَوْنُ الْمَاءِ لَوْ إِنَائِهِ يَعْنِي: أَنَّهُ بِحُكْمِ وَقْتِهِ. وَسُئِلَ أَبُو يَزِيدَ عَنِ الْعَارِفِ فَقَالَ: لَا يَرَى فِي نَوْمِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي يَقَظَتِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُوَافِقُ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُطَالِعُ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى.

  118. 117

    سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ يَقُولُ: سُئِلَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: بِمَ عَرَفْتَ اللَّهَ تَعَالَى؟ فَقَالَ: بِلَمْعَةٍ لَمَعَتْ بِلِسَانٍ مَأْخُوذٍ عَنِ التَّمْيِيزِ الْمَعْهُودِ وَلَفْظَةٍ جَرَتْ عَلَى لِسَانٍ هَالِكٍ مَفْقُودٍ يُشِيرُ إِلَى وَجْدٍ ظَاهِرٍ وَيُخْبِرُ عَنْ سِرٍّ سَاتِرٍ هُوَ هُوَ أَظْهَرَهُ وَغَيْرُهُ بِمَا أَشْكَلَهُ ثُمَّ أَنْشَدَ: نَطَقْتُ بِلَا نُطْقٍ هُوَ النُّطْقُ إِنَّهُ ... لَكَ النُّطْقُ لَفْظًا أَوْ يُبِينُ عَنِ النُّطْقِ تَرَاءَيْتَ كَيْ أَخْفَى وَقَدْ كُنْتَ خَافِيًا ... وَأَلْمَعْتَ لِي بَرْقًا فَأَنْطَقْتَ بِالْبَرْقِ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ بُنْدَارٍ الصَّيْرَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْجُرَيْرِيَّ يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو تُرَابٍ عَنْ صِفَةِ الْعَارِفِ فَقَالَ: الَّذِي لَا يُكَدِّرُهُ شَيْءٌ وَيَصْفُو بِهِ كُلُّ شَيْءٍ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيَّ يَقُولُ: الْعَارِفُ تُضِيءُ لَهُ أَنْوَارُ الْعِلْمِ فَيُبْصِرُ بِهِ عَجَائِبَ الْغَيْبِ. سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ يَقُولُ: الْعَارِفُ مُسْتَهْلَكٌ فِي بِحَارِ التَّحْقِيقِ كَمَا قَالَ قَائِلُهُمْ: الْمَعْرِفَةُ أَمْوَاجٌ تَغُطُّ تَرْفَعُ وَتَحُطُّ. وَسُئِلَ يَحْيَي بْنُ مُعَاذٍ عَنِ الْعَارِفِ فَقَالَ: رَجُلٌ كَانَ بَائِنٌ وَمَرَّةً قَالَ: كَائِنٌ فَبَانَ.

  119. 118

    وَقَالَ ذُو النُّونِ: عَلَامَةُ الْعَارِفِ ثَلَاثَةٌ لَا يُطْفِئُ نُورُ مَعْرِفَتِهِ نُورَ وَرَعِهِ وَلَا يَعْتَقِدُ بَاطِنًا مِنَ الْعِلْمِ يَنْقُضُ عَلَيْهِ ظَاهِرًا مِنَ الْحُكْمِ وَلَا تَحْمِلُهُ كَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ عَلَى هَتْكِ أَسْتَارِ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: لَيْسَ بِعَارِفٍ مَنْ وَصَفَ الْمَعْرِفَةَ عِنْدَ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ فَكَيْفَ عِنْدَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا؟ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ: الْمَعْرِفَةُ تَأْتِي مِنْ عَيْنِ الْجُودِ وَبَذْلِ الْمَجْهُودِ. سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَعْفَرًا يَقُولُ: سُئِلَ الْجُنَيْدُ عَنْ قَوْلٍ لِذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ فِي صِفَةِ الْعَارِفِ كَانَ هَهُنَا فَذَهَبَ فَقَالَ: الْجُنَيْدُ الْعَارِفُ لَا يَحْصُرُهُ حَالٌ عَنْ حَالٍ وَلَا يَحْجُبُهُ مَنْزِلٌ عَنِ التَّنَقُّلِ فِي الْمَنَازِلِ، فَهُوَ مَعَ أَهْلِ كُلِّ مَكَانٍ بِمِثْلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ يَجِدُ مِثْلَ الَّذِي يَجِدُونَ، وَيَنْطِقُ فِيهَا بِمَعَالِمِهَا لِيَنْتَفِعُوا بِهَا. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ يَقُولُ: الْمَعْرِفَةُ حَيَاةُ الْقَلْبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى.

  120. 119

    وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ الكَتَّانِيَّ يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو سَعِيدٍ الخَرَّازُ هَلْ يَصِيرُ العَارِفُ إِلَى حَالٍ يَجْفُو عَلَيْهِ البُكَاءُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنَّمَا البُكَاءُ فِي أَوْقَاتِ سَيْرِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا نَزَلُوا إِلَى حَقَائِقِ القُرْبِ وَذَاقُوا طَعْمَ الوُصُولِ مِنْ بِرِّهِ زَالَ عَنْهُمْ ذَلِكَ قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الفَضْلِ يَقُولُ: المَعْرِفَةُ حَيَاةُ القَلْبِ مَعَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

Translations, word glosses and term notes are AI-generated (Claude) and marked as such; no published translation is reproduced.Word analysis is automatic (CAMeL Tools), guided by the text's vowelling. How this text was established.