Muḥyī al-Dīn Ibn ʿArabī · Rūḥ al-quds fī munāṣaḥat al-nafs
The Spirit of Holiness: portraits of his teachers
روح القدس: من أخبار شيوخه بالأندلس والمغرب
About the vowels: added by AI; uncertain words are underlined
The source of this text, a printed edition or a manuscript, has few or no vowel marks, as is usual for such texts. The vowels shown were added by AI and checked against an independent grammatical analyser; the few words where the two disagree are underlined as uncertain. Choose “Unvowelled” under Aa to read the letters alone.
Abū Jaʿfar al-ʿUraynīأبو جعفر العريني
¶ 1()،،.Among them, and the first I met on the Way of God, is Abū Jaʿfar al-ʿUraynī (may God be pleased with him). He came to us at Seville when I was first entering upon the knowledge of this noble Way, and I was the first to hasten to him. I went in to him and found a man known for his invocation (dhikr). I told him my name, and he knew what I needed from him. He said to me: “You have resolved upon the Way of God, exalted is He?” I answered: “As for the servant, he is resolved; but it is God who makes firm.” Then he said to me: “Shut the door, cut off the secondary causes, and sit with the ascetics (ruhhāb), and God will speak to you without a veil.” I acted on this until an opening came to me. He was an unlettered Bedouin who could neither write nor reckon, yet when he spoke on the science of divine unity (tawḥīd), it was enough for you simply to listen.
AI- ¶ 2،،
He would bind passing thoughts (khawāṭir) by his spiritual will (himma), and by his word he would split open [the springs of] generosity. You would never find him other than engaged in invocation (dhikr), in a state of ritual purity, facing the qibla; most of his life he spent fasting. The Franks took him captive. He had been given foreknowledge of this, and he said to the people of the caravan: "Tomorrow all of us will be taken captive." The enemy fell upon them at dawn and took them, every last one. Yet he was honourably lodged: a fine house was made ready for him, and he was waited on there. Then he agreed with the infidel who held him on a ransom of five hundred dinars, and he came to us. He was told: "We will collect it for you from two or three people."
AI - ¶ 3.
He said: “No. I want it only from many persons; if I could take it from every human being an atom's weight at a time, I would do so. For God, exalted is He, has informed me that every soul for whom I have weighed out anything is set free from the Fire. So seize this good for the community of Muḥammad, may God bless him and grant him peace.”
AI - ¶ 4،
Among the accounts told of him: while he was with us in Seville, he was told, 'The people of Alcazarquivir are in need of rain. Go to them and pray for rain on their behalf; perhaps God will send them rain.' So he set out for that purpose, and his servant Muḥammad went with him, though between us and them lay the sea and a journey of eight days. One of his companions said to him, 'Pray to God for them from here.' He replied, 'I have been commanded to go out to them,'
AI - ¶ 5.
Then he left us. When he reached Alcazarquivir (Qaṣr Kutāma) and came within sight of it, he was prevented from entering. So he prayed for rain on the townspeople's behalf without their knowing it, and God sent them rain at that very moment. He turned back from that spot without entering the town and returned to us. His servant Muḥammad, who had walked with him, told us: “When God sent them rain and the downpours fell, the rain was falling to our right and our left, in front of us and behind us, yet as we walked not a drop of it touched us. I said to the master, ‘It grieves me that God's mercy (mighty and majestic is He) did not touch you.’ He cried out and said, ‘You have hit upon it, Muḥammad! Alas, if only I had remembered it there!’”
AI - ¶ 6
وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَمَعَهُ ابْنُهُ وَأَنَا إِلَى جَانِبِهِ جَالِسٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ لِابْنِهِ سَلِّمْ عَلَيْهِ وَكَانَ الشَّيْخُ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ يَا سَيِّدِي إِنَّ ابْنِي هَذَا مِنْ حَمَلَةِ القُرْآنِ يَحْفَظُهُ فَتَغَيَّرَ الشَّيْخُ وَصَاحَ وَطَرَأَ عَلَيْهِ حَالٌ وَقَالَ القَدِيمُ يَحْمِلُ المُحْدَثَ القُرْآنُ يَحْمِلُ ابْنَكَ وَيَحْمِلُنَا وَيَحْفَظُ ابْنَكَ وَيَحْفَظُنَا فَهَذَا كَانَ مِنْ حُضُورِهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)
- ¶ 7
وَكَانَ قَوِيًّا فِي دِينِ اللّهِ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ كُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ يَقُولُ مَرْحَبًا بِالِابْنِ الْبَارِّ كُلُّ وَلَدِي نَافَقَ عَلَيَّ وَجَحَدَ نِعْمَتِي إِلّا أَنْتَ فَإِنَّكَ مُقِرٌّ بِهَا مُعْتَرِفٌ لَا أَنْسَاهَا اللّهُ لَكَ سَأَلْتُهُ مَا اتَّفَقَ لَهُ مَعَ اللّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ بِدَايَتِهِ فَقَالَ كَانَ قُوتُ أَهْلِي فِي السَّنَةِ ثَمَانِيَةَ أَعْدَالٍ تِينًا وَالْعِدْلُ مِائَةُ رِطْلٍ فَلَمَّا جَلَسْتُ مَعَ اللّهِ فِي الْخَلْوَةِ صَاحَتْ عَلَيَّ الْمَرْأَةُ وَسَبَّتْنِي وَقَالَتْ لِي قُمْ وَأخْدُمْ وَسُقْ مَا يَقُومُ بِأَوْلَادِكَ لِعَامِهِمْ فَشَوَّشَتْ عَلَيَّ خَاطِرِي
Alludes to the Quran 5:54
- ¶ 8
فَقُلْتُ يَا رَبِّ هَذِهِ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَلَا تَزَالُ تُتْعِبُنِي فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ لِي مُجَالَسَتَكَ فَأَرِحْنِي مِنْ هَمِّهَا وَأنْ كُنْتَ لَا تُرِيدُنِي فَعَرِّفْنِي قَالَ فَنَادَانِي الْحَقُّ فِي سِرِّي يَا أَحْمَدُ أجْلِسْ مَعَنَا وَلَا تَبْرَحْ فَمَا يَذْهَبُ النَّهَارُ حَتَّى نَأْتِيَكَ بِعِشْرِينَ عِدْلًا تِينًا قُوتَ عَامَيْنِ فَلَمْ تَكُنْ إِلّا سَاعَةٌ وَإِذَا بِصَارِخٍ وَعَلَى عُنُقِهِ عِدْلٌ مِنْ تِينٍ هَدِيَّةً فَقَالَ لِيَ الْحَقُّ هَذَا وَاحِدٌ مِنْ عِشْرِينَ فَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ حَتَّى أَكْمَلَ عِنْدِي عِشْرِينَ عِدْلًا فَسُرَّتِ الْمَرْأَةُ وَالْأَطْفَالُ وَشَكَرَتْنِي الْمَرْأَةُ وَرَضِيَتْ عَنِّي. وَكَانَ (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ) كَثِيرَ التَّفَكُّرِ مَبْسُوطًا مَعَ الْحَقِّ فِي عُمُومِ أَحْوَالِهِ.
- ¶ 9
دَخَلْتُ عَلَيْهِ آخِرَ زَوْرَةٍ رَأَيْتُهُ فِيهَا (رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى) وَمَعِي جَمَاعَةٌ فَوَجَدْنَاهُ قَاعِدًا فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَقَدْ أَرَادَ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَسْأَلَهُ فَإِذَا بِهِ (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ) قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ خُذُوا مَسْأَلَةً وَقَدْ رَأَيْتُكَ بِهَا يَا أَبَا بَكْرٍ وَأَشَارَ إِلَيَّ لَمْ أَزَلْ أَتَعَجَّبُ مِنْ قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْعَرِيفِ حَتَّى يَفْنَي مَنْ لَمْ يَكُنْ وَيَبْقَي مَنْ لَمْ يَزَلْ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ فَانِيًا وَمَنْ لَمْ يَزَلْ بَاقِيًا فَإِيشْ قَالَ أَجِيبُوا ؟
- ¶ 10
فَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ أَجَابَهُ فَعَرَضَ عَلَيَّ الْجَوَابَ فَحَضَرَتْنِي نَفْسِي بِعُثُورِي عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَهُمْ فَلَمْ أَتَكَلَّمْ فَإِنِّي كُنْتُ شَدِيدَ الْقَهْرِ لِنَفْسِي فِي الْكَلَامِ وَعَرَفَ مِنِّي الشَّيْخُ ذَلِكَ فَلَمْ يُعِدْ عَلَيَّ. وَكَانَ (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ) لَا يَتَجَرَّدُ لِنَوْمٍ فِي ثَوْبٍ وَلَا يَهْتَزُّ فِي سَمَاعٍ فَإِذَا سَمِعَ الْقُرْآنَ تَقَصَّفَ وَتَصَدَّعَتْ أَرْكَانُهُ وَصَلَّيْتُ مَعَهُ الصُّبْحَ فِي دَارِ وَلِيِّي وَصَفِيِّي أَبِي عَبْدِ اللّهِ الْخَيَّاطِ الْمَعْرُوفِ بِالْعَصَّادِ وَأَخِيهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ الْحَرِيرِيِّ فَقَرَأَ الْإِمَامُ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ
- ¶ 11
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ مِهَـٰدًا وَٱلْجِبَالَ أَوْتَادًا غِبْتُ عَنْ قِرَاءَةِ ٱلْإِمَامِ وَمَا سَمِعْتُ شَيْئًا وَرَأَيْتُ شَيْخَنَا أَبَا جَعْفَرٍ ٱلْمَذْكُورَ وَهُوَ يَقُولُ ٱلْمِهَادُ ٱلْعَالَمُ وَٱلْأَوْتَادُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْمِهَادُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْأَوْتَادُ ٱلْعَارِفُونَ وَٱلْمِهَادُ ٱلْعَارِفُونَ وَٱلْأَوْتَادُ ٱلنَّبِيُّونَ، وَٱلْمِهَادُ ٱلنَّبِيُّونَ، وَٱلْأَوْتَادُ ٱلْمُرْسَلُونَ فَرُدِدْتُ إِلَيَّ وَٱلْإِمَامُ يَقْرَأُ، وَقَالَ صَوَابًا ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ ٱلصَّلَاةِ سَأَلْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ خَطَرَ لَهُ فِي تِلْكَ ٱلْآيَةِ مَا شَهِدْتُهُ وَاَضْجَعَهُ إِنْسَانٌ لِيَذْبَحَهُ وَٱلسِّكِّينُ فِي يَدِهِ وَٱلشَّيْخُ يَمُدُّ لَهُ عُنُقَهُ وَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ لِيَأْخُذُوهُ،
Quotes the Quran 78:6–7 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 78:38–39 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 12
فَقَالَ أُتْرُكُوهُ يَفْعَلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ فَكَانَ يَأْخُذُ السِّكِّينَ لِيُمِرَّ بِهِ عَلَى حُلْقُومِهِ فَيُحَوِّلُهُ اللّهُ فِي يَدِهِ حَتَّى رُمِيَ بِهِ وَتَرَامَى بَيْنَ يَدَيْهِ تَائِبًا وَلَوْلَا التَّطْوِيلُ لَأَظْهَرْنَا مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ نَذْكُرْهُ عَجَائِبَ مِنْ إِشَارَاتِهِ وَمَا وَقَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِنَ الْمَسَائِلِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الْمَوَاقِفِ وَغَيْرِهَا وَلَنَا فِيهِ أَبْيَاتٌ لَا نَذْكُرُهَا الْآنَ.
Abū Yaʿqūb Yūsuf b. Yakhlaf al-Kūmīأبو يعقوب يوسف بن يخلف الكومي العبسي
¶ 13وَمِنْهُمْ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) شَيْخُنَا وَإِمَامُنَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ يَخْلَفَ الْكُومِيُّ الْعَبْسِيُّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) صَحِبَ أَبَا مَدْيَنَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَلَقِيَ رِجَالًا بِهَذِهِ الْبِلَادِ سَكَنَ دِيَارَ مِصْرَ مُدَّةً وَتَأَهَّلَ بِمَدِينَةِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ رَغِبَ فِي مُصَاهَرَةِ أَبِي طَاهِرٍ السِّلَفِيِّ عُرِضَتْ عَلَيْهِ وِلَايَةُ فَاسَ فَأَبَى.
- ¶ 14
لَهُ فِي الطَّرِيقِ قَدَمٌ رَاسِخَةٌ، كَانَ أَبُو مَدْيَنَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) لِسَانُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَمُحْيِيهِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ يَقُولُ فِي هَذَا أَبُو يَعْقُوبَ هُوَ مِثْلُ مُوسَى الْقَوِيِّ لِلسَّفِينَةِ كَانَ كَثِيرَ الْأَوْرَادِ يُخْفِي صَدَقَتَهُ يُكْرِمُ الْفَقِيرَ وَيُذِلُّ الْغَنِيَّ وَيُسَارِعُ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ بِنَفْسِهِ دَخَلْتُ تَحْتَ أَمْرِهِ فَرَبَّى وَأَدَّبَ فَنِعْمَ الْمُؤَدِّبُ وَنِعْمَ الْمُرَبِّي رَوَاهُ صَاحِبُنَا بَدْرٌ الْحَبَشِيُّ وَبَاتَ عِنْدَهُ. سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِذَا شَاءَ الشَّيْخُ أَخَذَ بِيَدِ الْمُرِيدِ مِنْ أَسْفَلِ سَافِلِينَ وَأَلْقَاهُ فِي عِلِّيِّينَ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ كَبِيرَ الْهِمَّةِ الْغَالِبُ عَلَيْهِ طَرِيقُ الْمَلَامَتِيَّةِ.
Alludes to the Quran 95:5; 83:18
Alludes to the Quran 28:26; 18:71
- ¶ 15
قَطُّ مَا تَلْقَاهُ إِلَّا مُقَطِّبَ الْوَجْهِ وَإِذَا أَبْصَرَ فَقِيرًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ رَأَيْتُهُ يُدْنِي الْفَقِيرَ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى يُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ يَخْدُمُ أَصْحَابَهُ بِنَفْسِهِ رَأَيْتُهُ فِي النَّوْمِ وَقَدِ انْشَقَّ صَدْرُهُ وَفِيهِ مِصْبَاحٌ يُضِئُ كَأَنَّهُ الشَّمْسُ يَقُولُ يَا مُحَمَّدُ هَاتِ فَأَتَيْتُهُ بِحُقَّيْنِ أَبْيَضَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَتَقَايَأَ فِيهِمَا لَبَنًا حَتَّى مَلَأَهُمَا ثُمَّ قَالَ أشْرَبْ فَشَرِبْتُ.
- ¶ 16
جُلُّ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ بَرَكَتِهِ وَبَرَكَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَسَآتِي ذِكْرَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ أَلْقَاهَا عَلَيَّ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ رَأَيْتُهُ فِيهَا وَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيَّ بِكُلِّيَّتِهِ أَنْ قَالَ مَا الذَّنْبُ الَّذِي يَأْتِيهِ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي حَتَّى يَوَدَّ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا فَأَجَبْتُهُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى حَدِّ مَا وَقَعَ لِي فَسُرَّ بِذَلِكَ،
Quotes a hadith
- ¶ 17
فَكُنْتُ إِذَا قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَبَيْنَ يَدَيْ غَيْرِهِ مِنْ شُيُوخِنَا أُرْعَدُ مِثْلَ الْوَرَقَةِ فِي يَوْمِ الرِّيحِ الشَّدِيدِ وَيَتَغَيَّرُ نُطْقِي وَتَتَخَدَّرُ جَوَارِحِي حَتَّى يُعْرَفَ ذَلِكَ فِي حَالِي فَيُؤْنِسُنِي وَيَطْمَعُ أَنْ يُبَاسِطَنِي فَلَا يَزِيدُنِي ذَلِكَ إِلَّا مَهَابَةً وَإِجْلَالًا كَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يُحِبُّنِي وَلَا يُظْهِرُ ذَلِكَ لِي وَيُقَرِّبُ غَيْرِي وَيَطْرُدُنِي وَيُصَوِّبُ كَلَامَ غَيْرِي وَيُوَبِّخُنِي فِي الْمَحَافِلِ وَالْمَجَالِسِ وَيَشْتُمُنِي حَتَّى كَانَ أَصْحَابِي الَّذِينَ مَعِي يَنْسُبُونِي إِلَى قِلَّةِ الْهِمَّةِ وَهُمْ مَعِي تَحْتَ نَظَرِهِ وَخِدْمَتِهِ فَمَا بَرَعَ مِنْ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ غَيْرِي وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
- ¶ 18
وَكَانَ الشَّيْخُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يَقُولُ ذَلِكَ. وَمِمَّا شَاهَدْتُهُ مِنْهُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَلَمْ أَكُنْ قَطُّ رَأَيْتُ رِسَالَةَ الْقُشَيْرِيِّ وَلَا غَيْرَهَا وَلَا كُنْتُ أَدْرِي لَفْظَةَ التَّصَوُّفِ عَلَى مَاذَا تَنْطَلِقُ فَرَكِبَ يَوْمًا فَرَسَهُ وَأَمَرَنِي وَآخَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ نَخْرُجَ إِلَى الْمُنْتِيَارِ - وَهُوَ جَبَلٌ عَالٍ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ إِشْبِيلِيَةَ - فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبِي عِنْدَ فَتْحِ بَابِ الْمَدِينَةِ وَفِي يَدِ صَاحِبِي رِسَالَةُ الْقُشَيْرِيِّ وَأَنَا لَا أَعْرِفُ مَا الْقُشَيْرِيُّ وَلَا رِسَالَتَهُ،
- ¶ 19
فَصَعِدْنَا ٱلْجَبَلَ فَوَجَدْنَاهُ سَبَقَنَا وَغُلَامُهُ مُمْسِكٌ فَرَسَهُ فَدَخَلْنَا مَسْجِدًا فِي أَعْلَى ذَلِكَ ٱلْجَبَلِ فَصَلَّيْنَا وَٱسْتَدْبَرَ ٱلْقِبْلَةَ وَأَعْطَانِي ٱلرِّسَالَةَ، وَقَالَ لِي ٱقْرَأْ فَلَمْ أَقْدِرْ أَنْ أَضُمَّ كَلِمَةً إِلَى أُخْرَى وَٱلْكِتَابُ يَسْقُطُ مِنْ يَدِي مِنَ ٱلْهَيْبَةِ، فَقَالَ لِصَاحِبِي ٱقْرَأْ فَأَخَذَهُ صَاحِبِي وَقَرَأَهُ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ٱلشَّيْخُ
- ¶ 20
فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى صَلَّيْنَا الْعَصْرَ فَقَالَ الشَّيْخُ نَنْزِلُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَأَلْزَمْتُ يَدِي رِكَابَهُ فَجَعَلَ يُحَدِّثُنِي بِفَضَائِلِ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ وَكَرَامَاتِهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَأَنَا قَدْ فَنِيتُ فِي كَلَامِهِ فَلَا أُحِسُّ بِنَفْسِي وَأَرْفَعُ إِلَيْهِ وَجْهِي فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ فَأَرَاهُ يَنْظُرُ إِلَيَّ وَيَبْتَسِمُ وَيَهْمِزُ فَرَسَهُ فَيُسْرِعُ وَأُسْرِعُ مَعَهُ
- ¶ 21
ثُمَّ وَقَفَ وَقَالَ لِي أُنْظُرْ مَا تَرَكْتَ خَلْفَكَ فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُ الطَّرِيقَ الَّذِي مَشَيْتُ كُلُّهُ شَوْكٌ يَصِلُ إِلَى مَعْقِدِ الأِزَارِ وَشَوْكًا آخَرَ مُنْبَسِطًا فِي الأَرْضِ، قَالَ أُنْظُرْ إِلَى قَدَمَيْكَ فَنَظَرْتُ إِلَى قَدَمَيَّ فَلَمْ أَرَ بِهِمَا أَثَرًا قَالَ أُنْظُرْ إِلَى ثَوْبِكَ فَلَمْ أَرَ أَثَرًا قَالَ هَذَا مِنْ بَرَكَةِ ذِكْرِنَا أَبَا مَدْيَنَ (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ) أِلْزَمِ الطَّرِيقَ يَا بُنَيَّ تُفْلِحْ وَهَمَزَ فَرَسَهُ وَتَرَكَنِي.
- ¶ 22
أَخَذْتُ مِنْهُ مَسَائِلَ كَثِيرَةً وَرَأَيْتُ عِنْدَهُ مَا لَمْ أَرَ مِنْ غَيْرِهِ إِذَا أَعْطَى الْمُجَاهَدَةَ لِلْمُرِيدِ يَعْمَلُهَا مَعَهُ وَكَذَلِكَ لِلِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ يَعْمَلُ مَعَ هَذَا وَمَعَ هَذَا فَتَرَاهُ لَا يَفْتُرُ. قَعَدْتُ مَعَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَرَآنِي أَتَعَلَّقُ لِلْخُرُوجِ فَقَالَ لِي مَا شَأْنُكَ فَقُلْتُ لَهُ عَلَيَّ أَرْبَعُ حَوَائِجَ أُرِيدُ أَنْ أَقْضِيَهَا وَلِي أَيَّامٌ أَرُومُ قَضَاءَهَا وَأَتَعَمَّلُ فِيهَا وَلَا أَجِدُ الْأَشْخَاصَ الَّذِينَ الْحَوَائِجُ بِأَيْدِيهِمْ فَتَبَسَّمَ
- ¶ 23
وَقَالَ إِنْ تَرَكْتَنِي وَمَشَيْتَ مَا تَنْقَضِي لَكَ مِنْهَا حَاجَةٌ فَاقْعُدْ مَعِي أَذْكُرْ لَكَ مِنْ أَحْوَالِ أَبِي مَدْيَنَ (رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ) وَأَنَا أَضْمَنُ قَضَاءَهَا فَقَعَدْتُ فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ قَالَ لِي أُخْرُجِ السَّاعَةَ إِلَى مَنْزِلِكَ فَإِنَّكَ لَا تُصَلِّي الْمَغْرِبَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَوَائِجُ كُلُّهَا فَخَرَجْتُ وَالشَّمْسُ قَدْ غَرَبَتْ فَوَصَلْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَمُؤَذِّنُ الْمَغْرِبِ يُؤَذِّنُ فَوَ اللّٰهِ مَا أَحْرَمْتُ بِالصَّلَاةِ لِلْمَغْرِبِ حَتَّى انْقَضَتْ حَوَائِجِي.
- ¶ 24
وَكَانَ مِنْ صِدْقِي فِي صُحْبَتِهِ أَنِّي اَتَمَنَّاهُ فِي بَيْتِي لِمَسْأَلَةٍ تَخْطُرُ فَأَرَاهُ أَمَامِي فَاسْأَلُهُ وَيُجِيبُنِي ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَأُخْبِرُهُ بِذَلِكَ بُكْرَةً وَيَتَّفِقُ لِي مَعَهُ هَذَا بِٱلنَّهَارِ فِي مَنْزِلِي إِنِ ٱشْتَهَيْتُهُ.
- ¶ 25
وَمَنَاقِبُهُ وَكَرَامَاتُهُ وَإِشَارَاتُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، فَلْنَضْرِبْ عَنْهَا فِي الرِّسَالَةِ صَفْحًا. وَمِنْ شِعْرِي فِيهِ حِينَ فَارَقْتُهُ وَأَنَا مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَرَّاكُشَ وَهُوَ بِسِيلِي قَاطِنٌ. إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْوُجُودِ أَشْرَفْ * يُوسُفُ بْنُ يَخْلَفْ، رَبُّ الْمَعَالِي قَلْبُ الْمَعَانِي * أَرَقُّ شَخْصٍ قَلْبًا وَاَلْطَفْ، أَكْرَمُ مَنْ فِي الْوُجُودِ كَفًّا * أَعْظَمُهُمْ رَأْفَةً وَأَعْطَفْ، أَثْبَتُهُمْ فِي النِّزَالِ جَأْشًا * أَشَدُّهُمْ سَطْوَةً وَأَعْنَفْ، أَكْبَرُهُمْ هِمَّةً وَحَالًا * أَشَدُّهُمْ لِلْعُلَا وَاَكْشَفْ، أَوْسَعُهُمْ فِي الْعُلُومِ بَاعًا * أَشْرَحُهُمْ بَاطِنًا وَاَعْرَفْ، أَكْمَلُهُمْ نِسْبَةً وَنَعْتًا * أَرْفَعُهُمْ نِصْبَةً وَأَشْرَفْ،
- ¶ 26
أَوَّلُهُمْ فِي ٱلْعُلَا ذِرَاعًا * أَعْلَاهُمْ غَايَةً وَأَوْقَفْ، اَلْطَفُهُمْ فِي ٱلْقُلُوبِ مَعْنًى * أَوْصَلُهُمْ حِكْمَةً وَأَوْصَفْ، قَدْ يُكْسَفُ ٱلْبَدْرُ فِي عُلَاهُ * وَبَدْرُ مَوْلَايَ لَيْسَ يُكْسَفْ، وَٱلْقَصِيدَةُ طَوِيلَةٌ أَوْدَعْتُهَا كِتَابَ إِنْزَالِ ٱلْعُيُوبِ عَلَى مَرَاتِبِ ٱلْقُلُوبِ فِيمَا لَنَا فِي هٰذِهِ ٱلطَّرِيقَةِ مِنْ نَظْمٍ وَنَثْرٍ خَاصَّةً أَفَادَنِي شَيْخُنَا هٰذَا مَسْأَلَةَ ٱلْوِصَالِ وَأَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَآدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي وَٱلتَّدْبِيرُ نِصْفُ ٱلْعَيْشِ وَإِذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ عَبْدًا ٱبْتَلَاهُ وَقَلْبُ ٱلْقُرْآنِ يس وَلَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إِلَى هٰذِهِ ٱلْمَسْأَلَةِ فِي بِلَادِنَا وَغَيْرَ ذٰلِكَ مِمَّا لَا أَتَذَكَّرُهُ ٱلْآنَ (فَرَضِيَ ٱللّٰهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ).
Quotes a hadith
Quotes a hadith
Quotes a hadith
Ṣāliḥ al-ʿAdawīصالح العدوي
¶ 27وَمِنْهُمْ (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ) صَالِحٌ الْعَدَوِيُّ (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ) كَانَ بِاللّهِ عَارِفًا وَمَعَ اللّهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ وَاقِعًا تَالِيًا لِكِتَابِ اللّهِ الْعَزِيزِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ وَلَمْ يَتَّخِذْ مَسْكَنًا قَطُّ وَلَا تَدَاوَي قَطُّ كَانَ يَعْمَلُ عَلَى مَقَامِ السَّبْعِينَ أَلْفَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ كَانَ لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا يُجَالِسُهُ يَأْتِي عَلَيْهِ أَوْقَاتٌ يَدْخُلُ فِي صَلَاةِ الضُّحَى فَلَا يَزَالُ وَاقِفًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى حَتَّى يُقَالَ لَهُ قَدْ زَالَتِ الشَّمْسُ
Alludes to the Quran 20:130
Quotes a hadith
- ¶ 28
كَانَ إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ يُلْقِي عَنْهُ ثِيَابَهُ حَتَّى يَبْقَى فِي قَمِيصٍ وَاحِدٍ وَسِرْوَالٍ وَهُوَ يَتَصَبَّبُ عَرَقًا كَأَنَّمَا هُوَ فِي دِيمَاسٍ لَهُ فِي صَلَاتِهِ زَئِيرٌ وَهَمْهَمَةٌ لَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ الْبَتَّةَ وَلَا يَقْبَلُ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ
- ¶ 29
كَانَ يَأْوِي لَيْلَةً إِلَى مَسْجِدِ أَبِي عَامِرٍ ٱلْمُقَدِّيِّ صَاحَبْتُهُ سِنِينَ لَا أَكَادُ أَعُدُّ كَلَامَهُ مَعِي مِنْ قِلَّتِهِ كَانَ فِي بَعْضِ ٱلسِّنِينَ يُفْقَدُ مِنَ ٱلْبَلَدِ إِذْ قَرُبَ عِيدُ ٱلْأَضْحَى فَأَخْبَرَنِي فَقِيهٌ شَاهِدٌ مِنْ شُهُودِ ٱلْبَلَدِ أَنَّهُ يَحْضُرُ ٱلْمَوْسِمَ بِعَرَفَاتٍ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ شَاهَدَهُ كَانَ لَهُ بِنَا تَعَلُّقٌ وَإِلَى جِهَتِنَا تَأَمُّلٌ ٱنْتَفَعْنَا بِهِ،
- ¶ 30
أَخْبَرَنِي بِأُمُورٍ فِي حَقِّي مِمَّا يَتَّفِقُ لِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَرَأَيْتُهَا كُلَّهَا مَا غَادَرْتُ مِنْهَا كَلِمَةً خِدْمَةُ أَبُو عَلِيٍّ الشَّكَّازُ لَمْ يَزَلْ بِإِشْبِيلِيَةَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى مَاتَ فَغَسَّلْنَاهُ لَيْلًا وَحَمَلْنَاهُ عَلَى رِقَابِنَا إِلَى مَقْبَرَتِهِ وَتَرَكْنَاهُ وَانْفَصَلْنَا عَنْهُ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ النَّاسُ لَمْ أَرَ بَعْدَهُ عَلَى حَالِهِ مِثْلَهُ كَانَتْ حَالَتُهُ تُشْبِهُ حَالَةَ أُوَيْسٍ، وَلَهُ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
Abu-l-Ḥajjāj Yūsuf al-Shubarbulīأبو الحجاج يوسف السبريلي
¶ 31وَمِنْهُمْ (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ) أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ السَّبْرِيلِيُّ - قَرْيَةٌ بِالشَّرْقِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ إِشْبِيلِيَةَ - كَانَ أَكْثَرُ إِقَامَتِهِ بِالْبَادِيَةِ صَحِبَ أَبَا عَبْدِ اللّهِ بْنَ الْمُجَاهِدِ كَانَ يَعِيشُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، دَخَلَ الطَّرِيقَ قَبْلَ الْحُلُمِ وَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ، كَانَ ابْنُ الْمُجَاهِدِ إِمَامُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِبِلَادِنَا يَقُولُ الْتَمِسُوا الدُّعَاءَ مِنْ أَبِي الْحَجَّاجِ السَّبْرِيلِيِّ وَكَانَ يُكْبِرُهُ إِذَا زَارَهُ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَجَّاجِ هَذَا بِنَفْسِهِ
- ¶ 32
قَالَ كَانَتْ زِيَارَتِي لِابْنِ الْمُجَاهِدِ شَيْخِنَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَزُرْتُهُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى عَادَتِي فَوَجَدْتُهُ وَاقِفًا عَلَى الْبَنَّائِينَ بِحَائِطِ دَارِهِ الَّتِي يَسْكُنُ بِهَا وَكَانَ قَدْ تَهَدَّمَ فَبَنَاهُ لِيَسْتُرَ عِيَالَهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ خَالَفْتَ عَادَتَكَ يَا أَبَا الْحَجَّاجِ فَقُلْتُ لَهُ بَلْ هُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَضَرَبَ يَدًا عَلَى يَدٍ وَصَاحَ أَوَّاهْ هَذَا مَا فَعَلَ الضَّرُورِيُّ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فَكَيْفَ لَوْ زِدْنَا وَنَاحَ وَبَكَى عَلَى نَفْسِهِ وَتَحَسَّرَ عَلَى وَقْتِهِ
- ¶ 33
وَكانَ أَبُو الْحَجّاجِ مَتَى ذَكَرَ لِي هَذِهِ الْحِكايَةَ يَبْكِي وَيَقُولُ هَكَذا تَكُونُ الرِّجالُ يَبْكُونَ عَلَى فَواتِ حُظُوظِهِمْ مِنَ الْحُضُورِ مَعَ اللّهِ، كانَ شَيْخُنا هَذا أَبُو الْحَجّاجِ كَبِيرَ الشَّأْنِ لَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ حَتَّى ضَعُفَ عَنِ الْعَمَلِ فَصارَ يَأْكُلُ مِنَ الْفَتْحِ وَكانَ لَمّا اَسَنَّ وَثَقُلَ عَنِ الْحَرَكَةِ يَبْكِي، وَيَقُولُ يا بُنَيَّ فَتَحَ اللّهُ عَلَىَّ بابَ قَصْدِ النّاسِ إِلَيَّ وَزِيارَتِهِمْ وَعَرَّضَ بِي لِلْفِتَنِ وَمَنْ أَنا وَيا لَيْتَنِي سَلِمْتُ وَوَدِدْتُ أَنْ أَجِدَ قُوَّةً حَتَّى أَزُورَ النّاسَ فِي دِيارِهِمْ وَلا يَجِيئُونَ إِلَيَّ
- ¶ 34
وَكَانَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِ وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَّالُ سُلْطَانٍ يَقُولُ لِي يَا بُنَيَّ هَؤُلَاءِ هُمْ أَعْوَانُ الْحَقِّ الْمُشْتَغِلُونَ بِأَسْبَابِ الْعَالَمِ يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَتَفَرَّغُوا لِلدُّعَاءِ لَهُ أَنْ يُجْرِيَ اللّهُ الْحَقَّ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَيُعِينَهُمْ وَكَانَ يَقْبَلُ مِنَ السُّلْطَانِ، مَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَطُّ وَفِي بَيْتِهِ مَأْكُولٌ إِلّا جَعَلَهُ أَمَامَ الدَّاخِلِينَ كَثُرُوا أَوْ قَلُّوا وَكَثُرَ الطَّعَامُ أَوْ قَلَّ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا يَكُونُ لَهُ الْبَتَّةَ وَدَخَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَقَالَ لِي يَا بُنَيَّ أَنْزِلْ لَهُمُ الْمِكْتَلَ فَأَنْزَلْتُهُ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ غَيْرَ مِلْءِ الْكَفِّ حِمَّصًا فَجَعَلْتُهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.
- ¶ 35
رَأَيْتُ لَهُ بَرَكَاتٍ كَثِيرَةً كَانَ مِمَّنْ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ وَكَانَ لَهُ بِدَارِهِ بِالْقَرْيَةِ بِئْرٌ يَسْتَقِي مِنْهَا لِوُضُوئِهِ فَرَأَيْنَا بِجَانِبِ الْبِئْرِ شَجَرَةَ زَيْتُونٍ قَدْ عَلَتْ وَأَوْرَقَتْ وَحَمَلَتْ جِسْمُهَا غَلِيظٌ فَقَالَ لَهُ صَاحِبِي يَا سَيِّدَنَا لِمَ غَرَسْتَ هَذِهِ الزَّيْتُونَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَضَيَّقْتَ بِهَا عَلَى الْبِئْرِ فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا وَنَظَرَ وَكَانَ قَدِ انْحَنَى ظَهْرُهُ مِنَ الْكِبَرِ فَقَالَ فِي هَذِهِ الدَّارِ رُبِّيتُ مِنْ صِغَرِي وَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ قَطُّ هَذِهِ الزَّيْتُونَةَ إِلَّا الْآنَ
- ¶ 36
فَكَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِقَلْبِهِ مَا دَخَلْتُ قَطُّ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرِي إِلَّا وَجَدْتُهُ قَارِئًا فِي الْمُصْحَفِ لَمْ يُمْسِكْ كِتَابًا غَيْرَ الْمُصْحَفِ حَتَّى مَاتَ وَكَانَ لَهُ هِرَّةٌ سَوْدَاءُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُمْسِكَهَا وَلَا يُلْقِيَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَكَانَتْ تَرْقُدُ فِي حِجْرِهِ وَكَانَ يَقُولُ لِي لِهَذِهِ الْهِرَّةِ تَمْيِيزٌ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَهَذَا الْعِذَارُ الَّذِي تَرَى فِيهِ مَا هُوَ سُدًى قَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ تَأْنَسُ بِالْأَوْلِيَاءِ فَشَاهَدْتُهَا مِرَارًا عِنْدَهُ فَيَدْخُلُ إِنْسَانٌ فَتَحُكُّ خَدَّهَا فِي رِجْلِهِ وَتَتَعَلَّقُ بِهِ وَيَدْخُلُ آخَرًا فَتَفِرُّ مِنْهُ
- ¶ 37
وَلَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا أَوَّلَ مَرَّةٍ دَخَلَ عَلَيْهِ –، يَعْنِي أَبَا جَعْفَرٍ الْعُرَيْنِيَّ (رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا - وَكَانَتِ الْهِرَّةُ فِي الْبَيْتِ الْآخَرِ فَخَرَجَتْ مِنَ الْبَيْتِ وَنَظَرَتْ إِلَى شَيْخِنَا أَبِي جَعْفَرٍ وَفَتَحَتْ يَدَيْهَا عَلَى عُنُقِهِ فَعَانَقَتْهُ وَمَرَّغَتْ وَجْهَهَا عَلَى لِحْيَتِهِ فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو الْحَجَّاجِ حَتَّى أَجْلَسَهُ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَأَخْبَرَنِي أَبُو الْحَجَّاجِ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ فَعَلَتْهُ مَعَ غَيْرِهِ،
- ¶ 38
وَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَجَاءَهُ رَجُلٌ وَأَنَا عِنْدَهُ فِي جَمَاعَةٍ وَفِي عَيْنَيْهِ وَجَعٌ شَدِيدٌ يَصِيحُ مِنْهُ مِثْلَ النُّفَسَاءِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَدْ شَقَّ عَلَى النَّاسِ صِيَاحُهُ فَاصْفَرَّ وَجْهُ الشَّيْخِ وَقَعَدَ وَقَلَعَ يَدَهُ الْمُبَارَكَةَ وَوَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ فَسَكَنَ الْوَجَعُ مِنْ جَبِينِهِ وَاضْطَجَعَ الشَّخْصُ كَأَنَّهُ الْمَيِّتُ ثُمَّ قَامَ وَخَرَجَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَا بِهِ مِنْ بَأْسٍ وَكَانَ لَهُ صَاحِبٌ مِنْ صَالِحِ مُؤْمِنِي الْجِنِّ أَبَدًا لَا يَبْرَحُ مِنْ عِنْدِهِ دَخَلْتُ عَلَيْهِ مَعَ شَيْخِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا)،
- ¶ 39
فَقُلْتُ يَا سَيِّدَنَا هَذَا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي مَدْيَنَ فَتَبَسَّمَ الشَّيْخُ وَقَالَ عَجَبًا أَمْسِ كَانَ عِنْدَنَا أَبُو مَدْيَنَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) نِعْمَ الشَّيْخُ وَأَبُو مَدْيَنَ إِذْ ذَاكَ بِبِجَايَةَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا فَكَانَ كَشْفًا بَيْنَهُمَا وَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ كَثِيرًا تَتَّفِقُ لِي مَعَ أَبِي يَعْقُوبَ فَإِنَّ أَبَا مَدْيَنَ كَانَ قَدْ سَكَنَ عَنِ الْحَرَكَةِ وَاحْفَظُ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا شَاهَدْتُهُ كَثِيرًا تَضِيقُ هَذِهِ الْعُجَالَةُ عَنْهُ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ أَذْكُرُهُ وَإِنَّمَا أَذْكُرُهُ لِيُعْلَمَ أَنَّ الزَّمَانَ لَا يَخْلُو مِنَ الرِّجَالِ.
Abū Muḥammad ʿAbdallāh al-Mawrūrīأبو محمد عبد اللّه بن الأستاذ المروزي
¶ 40وَمِنْهُمْ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأُسْتَاذِ الْمَرْوَزِيُّ خَدَمَ الشَّيْخَ أَبَا مَدْيَنَ وَكَانَ الشَّيْخُ يُسَمِّيهِ الْحَاجَّ الْمَبْرُورَ وَحَجَّ صُحْبَةَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، صَاحَبَ بِمَكَّةَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ حَسَّانَ طَلَبَ ابْنُ حَسَّانَ أَنْ يُعْطِيَهُ ابْنَتَهُ رَغْبَةً فِيهِ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا مَخَافَةَ أَنْ لَا يَقُومَ بِحَقِّهَا وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو مَدْيَنَ يُحِبُّهُ جِدًّا
- ¶ 41
قَالَ لَهُ يَوْمًا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَبُرَ عَلَىَّ دُعَائِي النَّاسَ إِلَى اللَّهِ وَلَا يُجِيبُ أَحَدٌ وَأُرِيدُ أَنْ أَصْطَفِيَكَ لِنَفْسِي وَتَخْرُجَ مَعِي إِلَى بَعْضِ هَذِهِ الْجِبَالِ فَالْزَمْ مَغَارَةً تَصْحَبُنِي فِيهَا إِلَى أَنْ أَمُوتَ قَالَ فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ وَعَلِمْتُ أَنَّ لِي عِنْدَ اللَّهِ مَكَانًا فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ نِمْتُ فَرَأَيْتُ الشَّيْخَ فِي النَّوْمِ إِذَا تَكَلَّمَ مَعَ النَّاسِ صَارَ شَمْسًا وَإِذَا سَكَتَ صَارَ قَمَرًا فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ بُكْرَةً فَتَبَسَّمَ وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَا وَلَدِي أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ شَمْسًا فَإِنَّ الشَّمْسَ تَنْفِي كُلَّ ظُلْمَةٍ وَتَكْشِفُ كُلَّ كُرْبَةٍ.
- ¶ 42
كَانَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ لَهُ هِمَّةٌ فَعَّالَةٌ وَصِدْقٌ عَجِيبٌ. سَافَرَ مِنْ عِنْدِ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ بِسَبَبِ وَالِدَتِهِ فَأَوْدَعَهُ الشَّيْخُ أَبُو مَدْيَنَ سَلَامَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْخِ الْمُسِنِّ بِمَدِينَةِ الْمَرِيَّةِ الْمَعْرُوفِ بِالْغَزَّالِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْعَرِيفِ مِنْ أَقْرَانِ أَبِي مَدْيَنَ وَأَبِي الرَّبِيعِ الْكَفِيفِ الَّذِي كَانَ بِمِصْرَ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ الَّذِي كَانَ بِقِنَا وَأَبِي النَّجَا الَّذِي كَانَ بِجَزِيرَةِ الذَّهَبِ (رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى)،
- ¶ 43
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى المَرِيَّةِ قَصَدَ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللّهِ فَوَجَدَ أَصْحَابَهُ قُعُودًا فَقَالَ لَهُمُ اسْتَأْذِنُوا لِي عَلَى الشَّيْخِ فَقَالُوا الشَّيْخُ نَائِمٌ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَلَمْ يُقْبِلُوا عَلَيْهِ فَعَزَّ عَلَيْهِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ كَثَافَةِ الحِجَابِ حَيْثُ لَمْ يَعْرِفُوهُ فَقَالَ لَهُمْ أَنْ كُنْتُ جِئْتُ إِلَيْهِ فِي اللّهِ فَاللّهُ يُوقِظُهُ السَّاعَةَ فَإِذَا البَابُ فُتِحَ وَالشَّيْخُ قَدْ خَرَجَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ عَيْنِهِ فَقَالَ أَيْنَ هَذَا الَّذِي جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَأَكْرَمَ نُزُلَهُ.
- ¶ 44
وَكَانَ ٱلْغَالِبُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ ٱلْبَسْطَ وَكَانَ أَصْحَابُ ٱلشَّيْخِ مَقْبُوضِينَ فَعِنْدَمَا وَدَّعَهُمْ وَٱنْصَرَفَ قَالَ لَهُ أَصْحَابُ ٱلشَّيْخِ لَوِ ٱنْقَبَضْتَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مِنْ هَٰذَا ٱلْبَسْطِ ٱلَّذِي أَنْتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُمُ ٱلْبَسْطُ مَا هُوَ ؟ فَقَالُوا رَحْمَةٌ قَالَ وَٱلْقَبْضُ مَا هُوَ قَالُوا عَذَابٌ فَقَالَ ٱللَّهُمَّ لَا تَنْقُلْنِي مِنْ رَحْمَتِكَ إِلَى عَذَابِكَ فَخَجِلُوا وَٱنْصَرَفَ عَنْهُمْ.
- ¶ 45
وَمِنْ أَخْبَارِهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى غَرْنَاطَةَ نَزَلَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مَرْوَانَ وَكَانَ قَدْ عَرَفَهُ عِنْدَ أَبِي مَدْيَنَ وَقَدْ رَأَى أَبُو مَرْوَانَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ فِي حَقِّ رَجُلٍ مَرِضَ مِنْهُمْ فَأَخَذُوا عَنْهُ مَرَضَهُ وَحَمَلُوهُ فَاسْتَرَاحَ مِنْ حِينِهِ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِغَرْنَاطَةَ فَلَمَّا وَصَلَ شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ إِلَيْهَا قَالَ أَبُو مَرْوَانَ وَالنَّاسُ قَدِ اجْتَمَعُوا مِنْ أَجْلِهِ فِي الدَّارِ وَقَدْ جُعِلَتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَائِدَةٌ وَعَلَيْهَا مُجَبَّنَاتٌ بِعَسَلٍ
- ¶ 46
وَكَانَ ابْنُ صَاحِبِ الدَّارِ قَدْ مَشَى فِي السَّحَرِ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ قَرِيبَةٍ مِنَ الْبَلَدِ فَتَأَسَّفَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ لِمَا لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمُ الطَّعَامَ ابْنُ صَاحِبِ الدَّارِ فَقَالَ لَهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ بَعْدَ مَا أَكَلَ وَشَبِعَ وَأَكَلَ النَّاسُ إِنْ شِئْتُمْ أَكَلْتُ عَنْهُ هُنَا وَيَشْبَعُ هُوَ فِي قَرْيَتِهِ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ بِعَيْنِهِ فَارْتَابُوا مِنْ كَلَامِهِ فِي بَاطِنِهِمْ وَظَاهِرُهُمْ تَخَيُّلُ ذَلِكَ جُمْلَةً فَقَالَ لَهُ أَبُو مَرْوَانَ بِاللَّهِ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَابْتَدَأَ يَأْكُلُ كَأَنَّهُ مَا أَكَلَ شَيْئًا حَتَّى وَقَفَ،
- ¶ 47
وَقَالَ قَدْ شَبِعَ وَإِنْ زِدْتَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَهْلِكْ فَبُهِتَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ وَعَزَمُوا أَنْ لَا يَبْرَحَ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يَصِلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي أَكَلَ عَنْهُ فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقَرْيَةِ فَقَامُوا إِلَيْهِ وَأَنْزَلُوهُ، وَقَالُوا نَرَاكَ جِئْتَ بِزَادِكَ الَّذِي حَمَلْتَهُ مَعَكَ مَا أَكَلْتَ مِنْهُ شَيْئًا
- ¶ 48
فَقَالَ لَهُمْ يَا إِخْوَتِي اتَّفَقَ لِي الْيَوْمَ شَيْءٌ عَجِيبٌ أَنَا عِنْدَمَا وَصَلْتُ إِلَى الْقَرْيَةِ وَقَعَدْتُ فَإِذَا أَنَا أُحِسُّ بِمُجَبَّنَاتٍ بِعَسَلٍ تَنْزِلُ فِي حَلْقِي فَتَسْتَقِرُّ فِي مَعِدَتِي حَتَّى شَبِعْتُ وَلَوْ زَادَتْ عَلَيَّ أَهْلَكَتْنِي وَأَنَا حَتَّى الْآنَ شَابِعٌ مِنْهَا أَتَجَشَّأُهَا فَتَعَجَّبَ الْقَوْمُ وَفَرِحُوا أَنْ رَأَوْا رَجُلًا أَخْبَرَنَا بِالْمَسْأَلَةِ كَيْفَ وُجِدَتْ،
- ¶ 49
أَخْبَرَنِي بِهَا بِدَارِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّكَّازِ الْبَاغِي الشَّخْصُ الَّذِي أَكَلَ عَنْهُ فَشَبِعَ وَمَعِي صَاحِبِي عَبْدُ اللَّهِ بَدْرٌ الْحَبَشِيُّ وَنَحْنُ فِي جَمَاعَةٍ وَنَأْسَفُ وَقَالَ مَنْ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيِّ مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ وَلَقَدْ أَطْلَعَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْلَةً عَلَى الْمَقَامَاتِ وَمَشَى بِي عَلَيْهَا حَتَّى وَصَلْتُ مَقَامَ التَّوَكُّلِ فَرَأَيْتُ شَيْخَنَا عَبْدَ اللَّهِ الْمَرْوَزِيَّ فِي وَسَطِ ذَلِكَ الْمَقَامِ وَالْمَقَامُ يَدُورُ عَلَيْهِ كَدَوَرَانِ الرَّحَا عَلَى قُطْبِهَا وَهُوَ ثَابِتٌ لَا يَتَزَلْزَلُ فَكَتَبْتُ لَهُ بِذَلِكَ.
- ¶ 50
عَاشَرْتُهُ مُعَاشَرَةً انْتَفَعْتُ بِهِ. وَلَهُ امْرَأَةٌ فِي غَايَةِ الْجَمَالِ صَغِيرَةُ السِّنِّ أَحْسَنُ مِنْهُ وَأَقْوَى وَكَانَ سَيِّدُنَا هَذَا عِنْدَ شَمْسَ (أُمِّ الْفُقَرَاءِ) بِمَرْشَانَةِ الزَّيْتُونِ فِي يَوْمِ أَرْبِعَاءَ فَقَالَتِ الْعَجُوزُ تَمَنَّيْتُ أَنْ يَأْتِيَنَا غَدًا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ قَيْطُونَ فَاكْتُبُوا إِلَيْهِ عَسَى يَصِلُ غَدًا وَكَانَ فِي بَلَدِ قَرْمُونَةَ بَيْنَهُمَا سَبْعَةُ فَرَاسِخَ،
- ¶ 51
وَكانَ أَبُو الحَسَنِ هٰذا يُعَلِّمُ الصِّبْيانَ القُرْآنَ بِقَرْمُونَةَ وَيُعَطِّلُ الخَمِيسَ وَالجُمُعَةَ فَقالَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَيِّدُنا (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ) هٰكَذا تَعْمَلُ العامَّةُ فَقالَتْ لَهُ العَجُوزُ فَما تَفْعَلُ قالَ أَسُوقُهُ بِهِمَّتِي فَقالَتْ أفْعَلْ فَقالَ قَدْ حَرَّكْتُ السّاعَةَ خاطِرَهُ بِالوُصُولِ إِلَيْنا غَداً إِنْ شاءَ اللّهُ تَعالَى فَلَمّا أَصْبَحَتْ قالَتْ لَهُ تُراهُ ما جاءَ قالَ غَفَلْتُ عَنْهُ وَلٰكِنِّي أُخْرِجُهُ لَكُمُ السّاعَةَ فَأَرْسَلَ هِمَّتَهُ إِلَيْهِ فَلَمّا كانَ قُبَيْلَ الظُّهْرِ دَخَلَ عَلَيْهِمْ عَلَى غَفْلَةٍ أَبُو الحَسَنِ المَذْكُورُ،
- ¶ 52
فَتَعَجَّبُوا، فَقَالَ ٱلْمَرْوَزِيُّ: سَلُوهُ مَا ٱلَّذِي أَمْسَكَكَ عَنَّا إِلَى هٰذَا ٱلْوَقْتِ وَكَيْفَ خَطَرَ لَكَ وَمَتَى نَوَيْتَ ٱلْوُصُولَ إِلَيْنَا فَقَالَ أَمْسِ ٱلْعَصْرَ وَجَدْتُ فِي بَاطِنِي قَائِلًا يَقُولُ مُرَّ غَدًا إِلَى ٱلْعَجُوزِ بِمَرْشَانَةَ فَقُلْتُ لِصِبْيَانِ ٱلْمَكْتَبِ لَا يَجِئْ أَحَدٌ مِنْكُمْ غَدًا فَلَمَّا أَصْبَحْتُ فَتَرَعَنِّي ذٰلِكَ - وَهُوَ ٱلَّذِي غَفَلَ سَيِّدُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْهُ - قِيلَ لَهُ إِيهٍ قَالَ فَوَجَّهْتُ إِلَى ٱلصِّبْيَانِ وَوَصَلُوا وَأَخَذُوا أَلْوَاحَهُمْ لِيَكْتُبُوا فَأَنَا كَذٰلِكَ إِذْ وَجَدْتُ قَلْبِي قَدِ ٱنْقَبَضَ وَشُدَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ لِي أُخْرُجِ ٱلسَّاعَةَ إِلَى مَرْشَانَةَ إِلَى زِيَارَةِ ٱلْعَجُوزِ
- ¶ 53
فَقُلْتُ لِلصِّبْيَانِ سِيرُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ وَهُوَ كَانَ خُرُوجِي إِلَيْكُمْ فَهَذَا الَّذِي أَبْطَأَنِي فَقَالُوا لَهُ اتَّفَقَ مِنَ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا وَوَصَفُوا لَهُ الْحَالَ فَتَعَجَّبَ، وَقَالَ هَذَا وَاللَّهِ الْعَظِيمِ كَانَ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُهُ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَاهْتَزَّ وَأَخَذَ فِي الرِّحْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَذْكُورُ إِلَى الْمَرِيَّةِ إِلَى شَيْخٍ كَانَ بِهَا يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْغَزَّالُ (رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْعَرِيفِ مِنْ أَقْرَانِ أَبِي الرَّبِيعِ الْكَفِيفِ وَأَبِي النَّجَا وَعَبْدِ الرَّحِيمِ وَهَذِهِ الطَّبَقَةِ وَرَآهُ وَانْتَفَعَ بِهِ
- ¶ 54
ثُمَّ عَادَ إِلَى قَرْمُونَةَ فَلَمْ يَزَلْ يَخْدُمُ الْفُقَرَاءَ وَيُضِيفُهُمْ وَيَتَوَاضَعُ وَكُنْتُ اَسْتَحْسِنُ مِنْهُ ذَلِكَ فَاَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَصَلَ إِلَى إِشْبِيلِيَةَ فَصَاحَبَ الْفُقَهَاءَ وَجَالَسَ الطَّلَبَةَ الْمُكِبِّينَ عَلَى الدُّنْيَا وَقَرَأَ الْفِقْهَ وَأُصُولَهُ وَعِلْمَ الْكَلَامِ وَسَكَنَ إِشْبِيلِيَةَ يُعَلِّمُ بِهَا الْقُرْآنَ فَأَدَّاهُ صُحْبَةُ أُولَئِكَ إِلَى تَجْهِيلِ الْفُقَرَاءِ الصَّادِقِينَ فِي أَحْوَالِهِمْ وَنَبْذِهِمْ.
- ¶ 55
فَإِيَّاكَ يَا أَخِي عَافَاكَ اللّهُ مِنَ الظَّنِّ السَّوْءِ: أَنْ تَظُنَّ فِيَّ أَنِّي أَذُمُّ الْفُقَهَاءَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ فُقَهَاءُ أَوْ لِنَقْلِهِمُ الْفِقْهَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُظَنَّ هَذَا بِمُسْلِمٍ، وَإِنَّ شَرَفَ الْفِقْهِ وَعِلْمِ الشَّرْعِ لَاخَفَاءَ بِهِ وَلَكِنْ أَذُمُّ مِنَ الْفُقَهَاءِ الصِّنْفَ الَّذِي تَكَالَبَ عَلَى الدُّنْيَا وَطَلَبَ الْفِقْهَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَابْتَغَى بِهِ نَظَرَ النَّاسِ لِيُقَالَ،
- ¶ 56
وَلَازَمَ ٱلْمِرَاءَ وَٱلْجِدَالَ وَأَخَذَ يَرُدُّ عَلَى أَبْنَاءِ ٱلْآخِرَةِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوُا ٱللَّهَ فَعَلَّمَهُمْ مِنْ لَدُنْهُ عِلْمًا فَأَخَذَتِ ٱلْفُقَهَاءُ - أَعْنِي هَذَا ٱلصِّنْفَ مِنْهُمْ - فِي ٱلرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي عِلْمٍ لَا يَعْلَمُونَهُ وَلَا عَرَفُوا أُصُولَهُ وَلَوْ سُئِلَ عَنْ شَرْحِ لَفْظَةٍ مِمَّا ٱصْطَلَحَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ ٱلْآخِرَةِ مَا عَرَفَهَا وَكَفَى بِهِ جَهْلًا وَلَوْ نَظَرَ فِي قَوْلِ ٱللَّهِ تَعَالَى: هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ ٱلْآيَةَ لَٱعْتَبَرَ وَتَابَ وَقَدْ ذَمَّ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ ٱلْعُلَمَاءَ لِكَوْنِهِمْ طَلَبُوهُ لِغَيْرِ ٱللَّهِ وَتَصَرَّفُوا بِهِ فِي غَيْرِ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ لَا لِكَوْنِهِمْ عَلِمُوا،
Quotes the Quran 3:66 · text of the quotation verified against Tanzil
Alludes to the Quran 18:65
- ¶ 57
كَمَا مَدَحَ الصِّنْفَ الْآخَرَ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْخَشْيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا أَنِّي قَدْ ذَمَمْتُ الصُّوفِيَّةَ فِي كِتَابِي هَذَا وَلَمْ أُرِدْ بِهِ الصَّادِقِينَ وَإِنَّمَا أَعْنِي الصِّنْفَ الَّذِي تَزَيَّا بِزِيِّهِمْ عِنْدَ النَّاسِ وَبَاطِنُهُ مَعَ اللَّهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ،
Quotes the Quran 2:204 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 58
فَلَا أُنْكِرُ مَرْتَبَةَ الْفِقْهِ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ يُرِدِ اللّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الصِّنْفُ مِنَ الْفُقَهَاءِ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ نُفُوسُهُمْ وَشَهَوَاتُهُمْ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ جَرَى الضَّرَرُ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللّهِ وَبِشَهَادَتِهِمْ هَلَكُوا كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
Quotes a hadith
- ¶ 59
وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ الْمُنْصِفُونَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَهُمُ السَّادَةُ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ فَهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى وَأَعْلَامُ التُّقَى وَارِثُوا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْوَصْفِ الَّذِينَ صَحَّ لَهُمْ نَسَبُ التَّقْوَى فَإِذَا سَمِعْتَنِي أَذُمُّ الْفُقَهَاءَ فِي هَذَا الْكِتَابِ فَإِنَّمَا أَعْنِي بِهِ هَذَا الصِّنْفَ الْمُدْبِرَ الَّذِي اتَّبَعَ شَهْوَتَهُ وَغَرَضَ نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَكَذَلِكَ ذَمِّي لِلصُّوفِيَّةِ فَإِنَّمَا أَذُمُّ هَذَا الصِّنْفَ الَّذِي ذَكَرْتُ فَإِنَّ الْحُلُولِيَّةَ وَالْإِبَاحِيَّةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ ظَهَرُوا وَتَظَاهَرُوا وَاتَّصَفُوا، فَهُمْ قُرَنَاءُ الشَّيْطَانِ وَحُلَفَاءُ الْخُسْرَانِ: نَوَّرَ اللَّهُ بَصَائِرَنَا وَبَصَائِرَهُمْ وَأَصْلَحَ سَرَائِرَنَا وَسَرَائِرَهُمْ وَأَوْقَفَهُمْ عَلَى عُيُوبِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
Alludes to the Quran 12:53
Alludes to the Quran 3:72 etc.
Alludes to the Quran 3:7; 4:162
- ¶ 60
وَأَشْهَدُ لَقَدْ وَصَلَ إِلَيْنَا هٰذَا السَّيِّدُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ الَّذِي رَأَى لَهُ تِلْكَ الْبَرَكَةَ لِيَزُورَهُ فِي دَارِهِ فَقَرَعَ عَلَيْهِ الْبَابَ وَأَنَا مَعَهُ وَصَاحِبِي عَبْدُ اللَّهِ بَدْرٌ الْحَبَشِيُّ، فَقَالَ مَنْ بِالْبَابِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ جَاءَ لِيَزُورَكَ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ ابْنُهُ وَقَالَ لَهُ مَشْغُولٌ هُوَ ثُمَّ قَالَ لَهُ مَا هُوَ هُنَا وَلَمْ يَرَ مَكَانَتَهُ هٰذَا انْتَهَى بُغْضُهُ فِي الْفُقَرَاءِ وَهٰذَا حَصَلَ لَهُ مِنْ شُؤْمِ الْفُقَهَاءِ حَالَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ كُلِّ مَنْ يَقْطَعُنَا عَنِ اللَّهِ وَعَنْ أَهْلِهِ وَخَاصَّتِهِ وَكَانَ إِذَا لَقِيَنِي يَعْتِبُنِي عَلَى صُحْبَتِهِمْ،
- ¶ 61
وَيَقُولُ لِي مِثْلُكَ مَنْ يَصْحَبُهُمْ فَأَقُولُ لَهُ مِثْلِي لَا يَصْلُحُ أَنْ يَخْدُمَهُمْ فَإِنَّهُمُ ٱلسَّادَةُ وَإِنَّمَا كَانَ يَحِنُّ إِلَى مُشَارَكَتِي لَهُ فِي عِلْمِهِ ٱلَّذِي قَرَأَهُ لَا لِكَوْنِي فِي طَرِيقِ ٱلْقَوْمِ وَلَا لِمَحَبَّتِي فِيهِمْ فَتَرَكْتُهُ فِي ذَاتِ ٱللّهِ تَعَالَى وَتَرَكْتُ مُعَاشَرَتَهُ وَصَارَ ٱلْيَوْمَ حُكْمُهُ حُكْمَ ٱلْفُقَهَاءِ فِي ٱلْوِلَايَةِ لِأَنَّهَا مَعْقُولَةٌ مُتَوَهَّمَةٌ لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا ثُمَّ إِذَا وَصَفَ ٱلْفَقِيهُ أَفْعَالَ ٱلْأَوْلِيَاءِ أُقَيِّدُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ أُرِيهِ تِلْكَ ٱلْأَفْعَالَ فِي شَخْصٍ،
- ¶ 62
فَإِذَا رَآهُ يَقُولُ إِيهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ أَخْلَصَ فِيهَا لَوْ كَانَ مُخْلِصًا مَا أُطْلِعْتَ أَنْتَ وَلَا أَنَا عَلَيْهِ إِنَّمَا نَصَبَ هَذَا لِحِيلَةٍ مَا فَلَا تَرَاهُ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِأَحَدٍ قَطُّ وَلَمْ أَزَلْ أَبَدًا وَالْحَمْدُ لِلّهِ أُجَاهِدُ الْفُقَهَاءَ فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ السَّادَةِ حَقَّ الْجِهَادِ وَأَذُبُّ عَنْهُمْ وَأَحْمِي وَبِهَذَا فُتِحَ لِي وَمَنْ تَعَرَّضَ لِذَمِّهِمْ وَالْأَخْذِ فِيهِمْ عَلَى التَّعْيِينِ وَحَمْلِ مَنْ لَمْ يُعَاشِرْ عَلَى مَنْ عَاشَرَ فَإِنَّهُ لَا خَفَاءَ بِجَهْلِهِ وَلَا يُفْلِحُ أَبَدًا،
- ¶ 63
وَلَقَدْ تَكَلَّمَ مَعِي بِحَرَمِ مَكَّةَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْأَزْدِيُّ مِنْ أَهْلِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ فَقِيهٌ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ بِحَيْثُ صَيَّرَهُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الزَّمَانَ فَارِغٌ مِنْ جَمِيعِ الْمَرَاتِبِ فِي كُلِّ فَنٍّ، وَإِنَّمَا هِيَ تَلْفِيقَاتٌ وَخُرَافَاتٌ فَسَأَلْتُ كَمْ بَلَدٍ فِي مَعْمُورِ الْأَرْضِ لِلْمُسْلِمِينَ فَقَالَ كَثِيرٌ، فَقُلْتُ لَهُ كَمْ دَخَلْتَ مِنْهَا ؟
- ¶ 64
فَذَكَرَ سِتَّةَ بِلَادٍ أَوْ سَبْعَةً، فَقُلْتُ لَهُ: كَمِ ٱلْخَلْقُ فِيهَا ؟ قَالَ كَثِيرٌ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَكْثَرُ ٱلَّذِي رَأَيْتَ أَمِ ٱلَّذِي لَمْ تَرَهُ ؟ قَالَ ٱلَّذِي لَمْ أَرَهُ فَضَحِكْتُ وَقُلْتُ لَهُ حَدُّ ٱلْمَعْتُوهِ ٱلْأَحْمَقِ ٱلَّذِي يَرَى ٱلْكَثِيرَ وَيَبْقَى لَهُ ٱلْقَلِيلُ فَيَقِيسُ ٱلْقَلِيلَ عَلَى ٱلْكَثِيرِ وَيَحْمِلُهُ عَلَيْهِ فِي ٱلْحُكْمِ وَأَمَّا ٱلْمُؤْمِنُ ٱلنَّاصِحُ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَلَعَلَّ فِي ذَٰلِكَ ٱلْقَلِيلِ وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا لَمْ أَرَهُ لَعَلَّهُ ذَٰلِكَ ٱلسَّعِيدُ ؟
- ¶ 65
كَيْفَ وَمَنْ يَقُولُ مَا رَأَيْتُ إِلَّا الْقَلِيلَ وَلَا مِنَ الْبِلَادِ وَلَا مِنَ النَّاسِ ثُمَّ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَلَا خَفَاءَ بِجَهْلِهِ ثُمَّ إِنَّهُ لَا يُطْلِعُ اللَّهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا عَلَى نَقَائِصِ الْعَالَمِ لَا عَلَى فَضَائِلِهِ حَتَّى يَحْكُمَ عَلَى الْغَائِبِ بِمَا يَرَاهُ فَيَشْقَي بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَكَثَّرَهُمْ وَقَالَ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ فَقَلَّلَهُمْ
Quotes the Quran 6:116 · text of the quotation verified against Tanzil
Quotes the Quran 38:24 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 66
ثُمَّ إِنَّ فِي ٱلْمَسْأَلَةِ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَٰلِكَ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَا يُنَاقِضُ أَصْلَهُ مِنْ جِهَةِ عِلْمِهِ، فَقَالَ ٱلنَّاسُ عَلَى قِسْمَيْنِ دَنِيٌّ وَغَيْرُ دَنِيٍّ: ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ فَغَيْرُ ٱلذَّكِيِّ لَا كَلَامَ مَعَهُ لِنَقْصِهِ وَٱلذَّكِيُّ لَا يَسْلَمُ مِنَ ٱلْغَلَطِ فَمَا ثَمَّ شَيْءٌ فَٱنْظُرْ نَظَرَهُ إِلَى بَابِ ٱلْعَيْبِ وَٱلنَّقْصِ لِشَقَاوَتِهِ وَتَرْكِهِ ٱلنَّظَرَ فِي أَحْوَالِهِمْ إِلَى بَابِ ٱلْفَضْلِ
- ¶ 67
هَلَّا قَالَ عِنْدَ هَذَا التَّقْسِيمِ فَغَيْرُ الذَّكِيِّ يَأْتِي إِلَى العَالِمِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ العِلْمَ تَقْلِيدًا لِعَدَمِ فِطْنَتِهِ فَيُوَفَّقُ وَيُرْجَى أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ وَالثَّانِي الغَالِبُ عَلَيْهِ الإِصَابَةُ فِي عُمُومِ أَحْوَالِهِ وَهَذَا لَا يَقْنَعُ فِي الأَشْيَاءِ إِلَّا بِالبَرَاهِينِ مِنْ نَفْسِهِ لِذَكَائِهِ فَمِنْهُمَا غَلِطَ إِنِ اسْتَمَرَّ فِي غَلَطِهِ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ أَوْ قَدْ يَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَّا نَقْضُ أَصْلِهِ فِيهِ،
- ¶ 68
فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَتَرَاهُ مَأْجُورًا فِي الْحَالَتَيْنِ لَا وِزْرَ عَلَيْهِ الْبَتَّةَ، فَرَأَيْتُ هَذَا الْفَقِيهَ أَجْهَلَ الْجَاهِلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
Alludes to the Quran 1:2; 6:45 etc.
Quotes a hadith
ʿAbdallāh b. Jaʿdūn al-Ḥinnāwīابن جعدون الحناوي
¶ 69وَمِنْهُمْ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) ابْنُ جَعْدُونَ الحِنَّاوِيُّ مَاتَ بِفَاسَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ جَمَعْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِي عَبْدِ اللَّهِ الحَبَشِيِّ كَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَاحِدًا مِنَ الأَرْبَعَةِ الأَوْتَادِ يُمْسِكُ اللَّهُ العَوَالِمَ بِهِمْ، سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُسْقِطَ حُرْمَتَهُ مِنْ قُلُوبِ العَالَمِ فَكَانَ إِذَا غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ وَإِذَا حَضَرَ لَمْ يُسْتَشَرْ وَإِذَا جَاءَ لَا يُوَسَّعُ لَهُ وَإِذَا تَكَلَّمَ بَيْنَ قَوْمٍ ضُرِبَ وَسُخِّفَ،
- ¶ 70
كَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِي بِهِ مَا أَذْكُرُهُ الْآنَ وَذَلِكَ أَنِّي لَمَّا وَصَلْتُ مَدِينَةَ فَاسَ فَكَانَ ذِكْرِى قَدْ بَلَغَ مَنْ بِهَا فَأَحَبَّ مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ الِاجْتِمَاعَ بِي، فَكُنْتُ أَفِرُّ مِنَ الدَّارِ إِلَى الْجَامِعِ فَلَا أُوجَدُ فِي الدَّارِ فَأُطْلَبُ فِي الْجَامِعِ وَأَنَا أَرَاهُمْ فَيَأْتُونِي فَيَسْأَلُونِي عَنِّي، فَأَقُولُ لَهُمُ اطْلُبُوهُ حَتَّى تَجِدُوهُ فَبَيْنَمَا أَنَا قَاعِدٌ وَعَلَيَّ ثِيَابٌ رَفِيعَةٌ جِدًّا، وَإِذَا بِهَذَا الشَّيْخِ قَدْ قَعَدَ بَيْنَ يَدَيَّ وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ فَفَتَحَ كِتَابَ شَرْحِ الْمَعْرِفَةِ لِلْمُحَاسِبِيِّ فَقَرَأَ مِنْهُ كَلِمَاتٍ،
- ¶ 71
ثُمَّ قَالَ لِي أشْرَحْ وَبَيِّنْ مَا قَالَ فَخُوطِبْتُ بِأَحْوَالِهِ وَمَنْ هُوَ وَمَقَامِهِ وَأَنَّهُ مِنَ الْأَوْتَادِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّ ابْنَهُ يَرِثُ مَقَامَهُ، فَقُلْتُ لَهُ عَرَفْتُكَ فَأَنْتَ فُلَانٌ فَأَغْلَقَ كِتَابَهُ وَقَامَ وَاقِفًا، وَقَالَ السِّتْرَ السِّتْرَ إِنِّي أُحِبُّكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَعَرَّفَ إِلَيْكَ فَقَدْ صَحَّ الْمَقْصُودُ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ أَكُنْ أُجَالِسُهُ قَطُّ إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَنَا أَحَدٌ وَكَانَ مَعْقُودَ اللِّسَانِ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا عَنْ مَشَقَّةٍ فَإِذَا تَلَا الْقُرْآنَ كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا وَأَبْدَعِهِمْ مَسَاقًا، كَانَ كَثِيرَ الِاجْتِهَادِ وَكَانَ يَنْخُلُ الْحِنَّا بِالْأُجْرَةِ، قَلَّ مَا تَرَاهُ إِلَّا مَكْحُولَ الْعَيْنَيْنِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ. وَإِنَّمَا كَانَ يَكْحُلُ عَيْنَيْهِ مِنْ أَجْلِ غُبَارِ الْحِنَّا.
Abū ʿAbdallāh Muḥammad b. Ashraf al-Rundīأبو عبد اللّه محمد بن أشرف الرندي
¶ 72وَمِنْهُمْ (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ) أَبُو عَبْدِ اللّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَفَ الرُّنْدِيُّ مِنَ الْأَبْدَالِ شَيْخُ الْجِبَالِ وَالسَّوَاحِلِ انْقَطَعَ بِالْجِبَالِ وَالسَّوَاحِلِ لَا يَأْوِي إِلَى مَعْمُورٍ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً كَانَ قَوِيَّ الْفِرَاسَةِ كَثِيرَ الْبُكَا طَوِيلَ الْقِيَامِ دَائِمَ الصَّمْتِ كَثِيرًا مَا يَنْكُتُ بِأُصْبُعِهِ فِي الْأَرْضِ مُطْرِقًا مُتَفَكِّرًا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَتَنَفَّسُ الصُّعَدَاءَ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ شَدِيدُ الْوَجْدِ غَزِيرُ الدَّمْعَةِ صَاحَبْتُهُ وَعَاشَرْتُهُ زَمَانًا،
- ¶ 73
كَانَ إِذَا وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَيَّ فَرِحَ بِي وَاسْتَبْشَرَ خَرَجَ عَنْ حَالٍ كَثِيرٍ وَافِرٍ كَانَ مِنْ أَعْيُنِ مَنْ فِي مَوْضِعِهِ خَرَجْتُ وَقْتًا مِنْ مَدِينَةِ شَدُونَةَ أُرِيدُ السَّاحِلَ فِي طَلَبِ الرِّجَالِ فَتَبِعَنِي شَابٌّ لَا نَبَاتَ بِعَارِضَيْهِ يُرِيدُ صُحْبَتِي، فَأَخَذْتُهُ مَعِي فَقَامَ أَمَامِي شَخْصَانِ الْوَاحِدُ أَسْمَرُ طَوِيلٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ السَّلَامِ السَّائِحُ يَجُولُ فِي الْأَرْضِ لَا يَقِرُّ بِهِ قَرَارٌ، وَمَعَهُ آخَرُ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَاجِّ وَكَانَا يَمْشِيَانِ مَشْيًا سَرِيعًا فَلَحِقْتُهُمَا وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمَا خَمْسَةُ أَمْيَالٍ فَمَرَرْتُ عَلَيْهِمَا مُسْتَعْجِلًا وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ،
- ¶ 74
فَأَوَيْتُ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا رُوطَةُ مِنْ أَجْلِ صَلَاةِ ٱلْجُمُعَةِ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ ٱلْجَمَاعَةِ فَرَكَعْتُ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ مَوْضِعٌ يَطْرُقُهُ ٱلصَّالِحُونَ رِبَاطٌ حَسَنٌ لَهُ بَرَكَاتٌ مَشْهُورَةٌ فَٱتَّفَقَ لِي بِهَا قِصَّةٌ فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ جَاءَ هَذَا - أَبُو عَبْدِ ٱللَّهِ بْنُ أَشْرَفَ - فَلَمَّا دَخَلَ قَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلسَّائِحُ وَصَاحِبُهُ فَسَلَّمَا عَلَيْهِ وَعَرَفَاهُ وَأَنَا مُضْطَجِعٌ فِي ٱلْجَامِعِ أَضْرِبُ بِيَدِي عَلَى صَدْرِي وَأُغَنِّي شِعْرًا:
- ¶ 75
ضَاحِكٌ عَنْ جُمَانٍ * سَافِرٌ عَنْ بَدْرٍ، ضَاقَ عَنْهُ ٱلزَّمَانُ * وَحَوَاهُ صَدْرِي، فَجَاءَ إِلَيَّ وَأَقَامَنِي وَقَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَسْتُرَ نَفْسَكَ ؟ فَقُلْتُ لَهُ وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ أَنْتَ فَكَانَ كَمَا قُلْتُهُ فَأَقْبَلَ إِلَيَّ شَيْخُ ٱلْقَرْيَةِ وَرَغِبَ أَنْ أُفْطِرَ عِنْدَهُ أَنَا وَمَنْ شِئْتُ فَقَالَ لِي ٱبْنُ أَشْرَفَ لَا تَأْكُلْ مِنْ هَذَا ٱلطَّعَامِ شَيْئًا وَٱحْمِلْ جَمِيعَ ٱلْفُقَرَاءِ فَإِذَا أَكَلُوا تَأْتِي وَتُفْطِرُ مَعِي فَكَانَ ذَلِكَ وَأَخْبَرَنِي بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَوَعَدَنِي أَنْ أَلْقَاهُ بِإِشْبِيلِيَةَ فَأَقَمْتُ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَٱنْصَرَفْتُ،
- ¶ 76
فَأَخْبَرَنِي بِكُلِّ مَا يَتَّفِقُ لِي مِنْ بَعْدِ مُفَارَقَتِهِ حَرْفًا حَرْفًا فَكَانَ كَذَلِكَ فَلَمَّا وَصَلْتُ إِلَى إِشْبِيلِيَةَ أَقَامَ اللَّهُ بِخَاطِرِي الرِّحْلَةَ إِلَيْكَ لِأَرَاكَ وَانْتَفِعَ بِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ فَشَاوَرْتُ الْوَالِدَةَ فِي السَّفَرِ فَأَذِنَتْ فَلَمَّا كَانَ فِي غَدٍ قَرَعَ إِنْسَانٌ عَلَى الْبَابِ فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ إِنْسَانًا مِنَ الْبَادِيَةِ فَقَالَ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَرَبِيِّ ؟
- ¶ 77
فَقُلْتُ لَهُ نَعَمْ، قَالَ كُنْتُ أَمْشِي بَيْنَ مُلْجَانَةَ وَ مَرْشَانَةَ فَلَقِيَنِي رَجُلٌ لَهُ هَيْبَةٌ وَهَمْهَمَةٌ، فَقَالَ أَنْتَ تَسِيرُ إِلَى إِشْبِيلِيَةَ، قُلْتُ نَعَمْ قَالَ سَلْ عَنْ دَارِ ٱبْنِ ٱلْعَرَبِيِّ وَٱجْتَمِعْ مَعَهُ وَقُلْ لَهُ صَاحِبُكَ ٱلرُّنْدِيُّ يُقْرِئُكَ ٱلسَّلَامَ وَهَذَا كَانَ طَرِيقَهُ إِلَيْكَ وَلَكِنْ خَطَرَ لَكَ ٱلسَّاعَةَ أَنْ تَرْحَلَ إِلَى تُونُسَ فَسِرْ مُسَلَّمًا عَافَاكَ ٱللّٰهُ وَٱجْتِمَاعُنَا إِنْ شَاءَ ٱللّٰهُ إِذَا وَصَلْتَ إِشْبِيلِيَةَ، فَكَانَ كَمَا قَالَ فَدَخَلْتُ أَنَا فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّانِي لِزِيَارَتِكُمْ وَغِبْتُ عَنْ مَوْضِعِي وَيَوْمَ وُصُولِي أَوْ ثَانِيهِ ٱجْتَمَعَ بِي وَبِتُّ مَعَهُ فِي دَارِ أَبِي عَبْدِ ٱللّٰهِ ٱلْقَسْطِيلِيِّ.
- ¶ 78
وَكانَ سَبَبُ شُهْرَتِهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّهُ كانَ كَثِيرًا ما يَقْعُدُ فِي جَبَلٍ شامِخٍ عَلَى مَوْزُوزَ فَمَشَي بَعْضُ النّاسِ فِيهِ لِحاجَةٍ فَرَأَى عَمُودًا مِنْ نُورٍ يَتَشَعْشَعُ وَلا يَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَيْهِ فَقَصَدَهُ فَوَجَدَ ذَلِكَ النُّورَ صاحِبَنا أَبا عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فَأَشْهَرَهُ. كانَ يَحْتَرِفُ بِجَمْعِ الْبابَيْنِ مِنَ الْجِبالِ وَيَأْتِي بِها إِلَى الْمِصْرِ يَبِيعُها وَيَنْصَرِفُ لَهُ غَرائِبُ وَعَجائِبُ عايَنْتُها.
- ¶ 79
لَقِيَهُ الْقُطَّاعُ وَهُوَ عَلَى عَيْنٍ قَاعِدٌ فَقَالُوا لَهُ أَلْقِ مَا عَلَيْكَ مِنَ الثِّيَابِ أَوْ تَمُوتَ فَبَكَى وَقَالَ وَاللّهِ لَا أَحْسَنْتُ عَوْنَكُمْ عَلَى مَعْصِيَةٍ إِنْ أَمَرْتُمْ بِشَيْءٍ فَافْعَلُوهُ ثُمَّ أَخَذَتْهُ غَيْرَةٌ فِي دِينِ اللّهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ نَظْرَتَهُ الْمَشْهُورَةَ فَفَرُّوا، سَأَلَنِي يَوْمًا بِالسَّاحِلِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ فَلَمْ أُجِبْهُ وَتَرَكْتُهُ وَاجْتَمَعْتُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَرْبَعِ سِنِينَ،
Quotes the Quran 51:57 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 80
فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللّهِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ خُذْ جَوَابَكَ قَالَ هَاتِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ وَصَلَ الْوَقْتُ فَأَجَبْتُهُ فِيهَا وَتَعَجَّبَ مِنْ حُضُورِهِ فِيهَا وَكُنْتُ أَتَمَنَّى أَبَدًا أَنْ يَرَاهُ صَاحِبِي عَبْدُ اللّهِ بَدْرٍ الْحَبَشِيُّ فَلَمَّا دَخَلْتُ الْأَنْدَلُسَ مَعَهُ نَزَلْنَا بِرُنْدَةَ فَصَلَّيْنَا عَلَى جَنَازَةٍ فَإِذَا بِأَبِي عَبْدِ اللّهِ أَمَامِي فَقُلْتُ لِصَاحِبِي عَبْدِ اللّهِ هَذَا فُلَانٌ فَسُرَّ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَدَخَلْتُ بِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي نَزَلْتُ بِهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ وَدِدْتُ أَنْ أَرَى مِنْ كَرَامَاتِهِ شَيْئًا فَلَمَّا جَاءَ الْمَغْرِبُ وَصَلَّيْنَا أَبْطَأَ الَّذِي نَزَلْنَا عِنْدَهُ بِالْمِصْبَاحِ،
- ¶ 81
فَقَالَ صَاحِبِي الْحَبَشِيُّ أُرِيدُ الْمِصْبَاحَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ نَعَمْ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ قَبْضَةً مِنْ حَشِيشٍ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ وَنَحْنُ نَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ فَضَرَبَهَا بِأُصْبُعِهِ الْمُسَبِّحَةِ، وَقَالَ هَذَا نَارٌ فَاشْتَعَلَ الْحَشِيشُ نَارًا فَأَشْعَلْنَا الْمِصْبَاحَ، كَانَ يَغْتَرِفُ النَّارَ بِيَدِهِ مِنَ الْكَانُونِ لِحَاجَةٍ مَا فَيُمْسِكُهُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا تَعْدُو عَلَيْهِ وَكَانَ مِنَ الْآمِنِينَ سَأَلْتُهُ عَنْ بُكَائِهِ يَوْمًا، فَقَالَ آلَيْتُ أَنْ لَا أَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ فَأَغَاظَنِي رَجُلٌ فَدَعَوْتُ عَلَيْهِ فَهَلَكَ فَنَدِمْتُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْآنَ فَكَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) رَحْمَةً لِلْعَالَمِ وَأَخْبَارُهُ كَثِيرَةٌ يَضِيقُ وَقْتُنَا عَنْ شَرْحِهَا.
Mūsā Abū ʿImrān al-Sadrānī (with Abū Madyan's message)موسى أبو عمران السيدراني
¶ 82وَمِنْهُمْ (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ) مُوسَى أَبُو عِمْرَانَ السِّيدَرَانِيُّ، كَانَ مِنَ الْأَبْدَالِ وَكَانَ مَجْهُولًا لَهُ عَجَائِبُ وَغَرَائِبُ كَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِي بِهِ أَنِّي قَعَدْتُ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِمَنْزِلِي بِإِشْبِيلِيَةَ فِي حَيَاةِ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ، وَتَمَنَّيْتُ أَنْ لَوِ اجْتَمَعْتُ بِهِ وَالشَّيْخُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ بِبِجَايَةَ مَسِيرَةَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَمَّا صَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ تَنَفَّلْتُ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ فَلَمَّا سَلَّمْتُ دَخَلَ عَلَيَّ هَذَا - أَبُو عِمْرَانَ - فَسَلَّمَ فَأَجْلَسْتُهُ إِلَى جَانِبِي وَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ ؟
- ¶ 83
فَقَالَ مِنْ عِنْدِ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ مِنْ بِجَايَةَ قُلْتُ مَتَى عَهْدُكَ بِهِ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَهُ هَذَا الْمَغْرِبَ فَرَدَّ وَجْهَهُ إِلَيَّ وَقَالَ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْعَرَبِيِّ بِإِشْبِيلِيَةَ خَطَرَ لَهُ كَذَا وَكَذَا فَسِرْ إِلَيْهِ السَّاعَةَ وَأَخْبِرْهُ عَنِّي بِكَذَا وَكَذَا وَذَكَرَ لِي مِنْ رَغْبَتِي فِي لِقَاءِ الشَّيْخِ، وَقَالَ لِي يَقُولُ لَكَ أَمَّا الِاجْتِمَاعُ بِالْأَرْوَاحِ فَقَدْ صَحَّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَثَبَتَ وَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ بِالْأَجْسَامِ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَقَدْ أَبَى اللّهُ ذَلِكَ،
- ¶ 84
فَسَكِّنْ خَاطِرَكَ وَالْمَوْعِدُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عِنْدَ اللّهِ فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ وَذَكَرَ كَلَامًا خِلَافَ هَذَا وَرَجَعَ إِلَيْهِ كَانَ هَذَا - مُوسَى (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ) - مِنْ أَهْلِ السَّعَةِ فِي الدُّنْيَا فَخَرَجَ عَنْهُ فَفَتَحَ اللّهُ عَلَيْهِ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْتَحَقَ بِالْأَبْدَالِ كَانَ يَتَبَوَّأُ مِنَ الْأَرْضِ حَيْثُ يَشَاءُ وَشَى بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَمَرَ بِتَقْيِيدِهِ فَقُيِّدَ بِالْحَدِيدِ وَسُيِّرَ بِهِ إِلَيْهِ فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ فَاسَ أُلْقِيَ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ فِي بَيْتٍ وَأُقْفِلَ عَلَيْهِ وَبَاتَ عَلَيْهِ الْحَرَسُ فَلَمَّا أَصْبَحَ فُتِحَ الْبَابُ فَوَجَدُوا الْحَدِيدَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مَطْرُوحًا وَمَا وَجَدُوا أَحَدًا،
Alludes to the Quran 12:56
- ¶ 85
فَدَخَلَ فَاسَ وَقَصَدَ دَارَ أَبِي مَدْيَنَ شُعَيْبٍ فَقَرَعَ عَلَيْهِ ٱلْبَابَ فَخَرَجَ ٱلشَّيْخُ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مُوسَى، قَالَ لَهُ ٱلشَّيْخُ وَأَنَا شُعَيْبٌ أُدْخُلْ - لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ - أَخْبَرَنِي شَيْخِي أَبُو يَعْقُوبَ ٱلْكُوفِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ وَصَلَ جَبَلَ قَافٍ ٱلْمُحِيطَ بِٱلْأَرْضِ فَصَلَّى ٱلضُّحَى بِأَسْفَلِهِ وَصَلَّى ٱلْعَصْرَ عَلَى ذُرْوَتِهِ، سُئِلَ عَنِ ٱرْتِفَاعِهِ فِي ٱلْهَوَى فَقَالَ مَسِيرَةُ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَأَخْبَرَ أَنَّ ٱللّهَ طَوَّقَ هَٰذَا ٱلْجَبَلَ بِحَيَّةٍ ٱجْتَمَعَ رَأْسُهَا بِذَنَبِهَا، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ ٱلَّذِي كَانَ مَعَهُ سَلِّمْ عَلَى هَٰذِهِ ٱلْحَيَّةِ تَرُدَّ عَلَيْكَ،
Quotes the Quran 28:25 · text of the quotation verified against Tanzil
- ¶ 86
قَالَ مُوسَى فَسَلَّمْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَبَا عِمْرَانَ كَيْفَ حَالُ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ، فَقُلْتُ لَهَا وَأَنَّي لَكِ بِمَعْرِفَةِ أَبِي مَدْيَنَ، فَقَالَتْ عَجَبًا وَهَلْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يَجْهَلُ أَبَا مَدْيَنَ إِنَّ اللّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ حُبَّهُ إِلَى الْأَرْضِ وَنَادَى بِهِ فَعَرَفْتُهُ أَنَا وَغَيْرِي فَلَا شَيْءَ مِنْ رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلّا يَعْرِفُهُ وَيُحِبُّهُ دَخَلَ هَذَا - مُوسَى - أَرْضًا رَأَى النَّمْلَ فِيهَا عَلَى قَدْرِ الْمَعْزِ عَجِيبَةَ الْخَلْقِ وَلَقِيَ عَجُوزًا خُرَاسَانِيَّةً وَاقِفَةً عَلَى الْبَحْرِ وَالْأَمْوَاجُ تَصْطَفِقُ بَيْنَ سَاقَيْهَا وَهِيَ تُسَبِّحُ اللّهَ وَتُقَدِّسُهُ، شَأْنٌ عَجِيبٌ وَحَدِيثٌ طَوِيلٌ.
Alludes to the Quran 6:59
Shams, Umm al-Fuqarāʾ of Marchenaشمس أم الفقراء
¶ 87وَمِنْهُمْ (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ) شَمْسُ أُمُّ الْفُقَرَاءِ: بِمَرْشَانَةِ الزَّيْتُونِ اخْتَلَفْتُ إِلَيْهَا مِرَارًا مَا لَقِيتُ فِي الرِّجَالِ مِثْلَهَا فِي الْحَمْلِ عَلَى نَفْسِهَا كَبِيرَةُ الشَّأْنِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْمُكَاشَفَاتِ قَوِيَّةُ الْقَلْبِ لَهَا هِمَّةٌ شَرِيفَةٌ وَلَهَا التَّمْيِيزُ تَسْتُرُ حَالَهَا جِدًّا كَانَتْ تُبْدِي مِنْهُ فِي السَّرَّاءِ شَيْئًا إِلَيَّ لِمَا حَصَلَ عِنْدَهَا مِنِّي مِنَ الْمَكَانَةِ وَكُنْتُ أَفْرَحُ لَهَا بِذَلِكَ لَهَا بَرَكَاتٌ كَثِيرَةٌ ظَاهِرَةٌ اخْتَبَرْتُهَا مِرَارًا فِي بَابِ الْكَشْفِ فَوَجَدْتُهَا مُتَمَكِّنَةً الْغَالِبُ عَلَيْهَا الْخَوْفُ وَالرِّضَى، وَتَحْصِيلُ هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ عِنْدَنَا عَجِيبٌ يَكَادُ لَا يُتَصَوَّرُ،
Fāṭima bint Ibn al-Muthannā of Sevilleفاطمة بنت أبي المتنبي
¶ 88وَكَذَلِكَ لَقِيتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي الْمُتَنَبِّي بِإِشْبِيلِيَةَ أَدْرَكْتُهَا فِي عَشْرِ التِّسْعِينَ قَدْ اَسَنَّتْ لَا تَأْكُلُ إِلَّا مَا يَطْرَحُ النَّاسُ عَلَى أَبْوَابِهِمْ مِنَ الْأَطْعِمَةِ قَلِيلَةَ الْأَكْلِ جِدًّا كُنْتُ إِذَا قَعَدْتُ مَعَهَا اَسْتَحْيِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهَا مِنْ عَظِيمِ تَوَرُّدِ وَجْنَتَيْهَا وَنِعْمَتِهَا وَهِيَ فِي عَشْرِ التِّسْعِينَ سَنَةً كَانَتْ سُورَتُهَا مِنَ الْقُرْآنِ الْفَاتِحَةَ قَالَتْ لِي أُعْطِيتُ الْفَاتِحَةَ أُصَرِّفُهَا فِي كُلِّ أَمْرٍ شِئْتُهُ بَنَيْتُ لَهَا بِيَدِي بَيْتًا مِنْ قَصَبٍ تَسْكُنُهُ
- ¶ 89
وَكَانَتْ تَقُولُ لَا يُعْجِبُنِي أَحَدٌ مِمَّنْ يَدْخُلُ عَلَيَّ غَيْرُ فُلَانٍ - تَعْنِي إِيَّايَ - فَيُقَالُ لَهُ بِمَ ذَاكَ، فَتَقُولُ مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ يَدْخُلُ عَلَيَّ إِلَّا بِبَعْضِهِ وَيَتْرُكُ بَعْضَهُ فِي أَغْرَاضِهِ مِنْ دَارِهِ وَأَهْلِهِ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَلَدِي وَقُرَّةُ عَيْنِي فَإِذَا دَخَلَ عَلَيَّ دَخَلَ بِكُلِّهِ، وَإِذَا قَامَ قَامَ بِكُلِّهِ وَإِذَا قَعَدَ قَعَدَ بِكُلِّهِ لَا يَتْرُكُ خَلْفَهُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ.
- ¶ 90
عَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُلْكَهُ فَلَمْ تَقِفْ مَعَ شَيْءٍ مِنْهُ إِنَّمَا تَقُولُ أَنْتَ أَنْتَ، كُلُّ شَيْءٍ دُونَكَ مَشْؤُومٌ عَلَيَّ، كَانَتْ وَالِهَةً فِي اللَّهِ تَعَالَى مَنْ رَآهَا يَقُولُ عَنْهَا حَمْقَاءُ، فَتَقُولُ الْأَحْمَقُ مَنْ لَا يَعْرِفُ رَبَّهُ كَانَتْ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ضَرَبَهَا أَبُو عَامِرٍ الْمُؤَذِّنُ بِالدِّرَّةِ فِي الْجَامِعِ لَيْلَةَ الْعِيدِ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ وَانْصَرَفَتْ مُتَغَيِّرَةَ النَّفْسِ عَلَيْهِ فَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ سَمِعْتُ ذَلِكَ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ،
- ¶ 91
فَقَالَتْ رَبِّ لَا تُؤَاخِذْنِي تَغَيَّرَتْ نَفْسِي عَلَى رَجُلٍ يَذْكُرُكَ فِي دَيَاجِي اللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ هَذَا ذِكْرُ حَبِيبِي يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْهُ بِتَغَيُّرِي عَلَيْهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ دَخَلَ فُقَهَاءُ الْبَلَدِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ عَلَى السُّلْطَانِ لِيُسَلِّمُوا عَلَيْهِ فَدَخَلَ ذَلِكَ الْمُؤَذِّنُ فِي جُمْلَتِهِمْ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا
- ¶ 92
فَقَالَ السُّلْطَانُ مَنْ يَكُونُ هَذَا قِيلَ مُؤَذِّنُ الْجَامِعِ فَقَالَ وَمَنْ أَمَرَهُ بِالدُّخُولِ مَعَ الْفُقَهَاءِ أَخْرِجُوهُ فَصُفِعَ وَأُخْرِجَ فَشُفِعَ فِيهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَخُلِّيَ سَبِيلُهُ بَعْدَ مَا أَرَادَ أَنْ يُعَاقِبَهُ فَقِيلَ لَهَا اتَّفَقَ لِفُلَانٍ مَعَ السُّلْطَانِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَتْ عَلِمْتُ وَلَوْلَا أَنِّي سَأَلْتُ التَّخْفِيفَ عَنْهُ لَقُتِلَ. شَأْنُهَا عَجِيبٌ مَاتَتْ (رَحِمَهَا اللّهُ تَعَالَى).
Fāṭima bint Ibn al-Muthannāفاطمة بنت ابن المثنى
¶ 93وَخَدَمْتُ أَنَا بِنَفْسِي امْرَأَةً مِنَ الْمُحِبَّاتِ الْعَارِفَاتِ بِأِشْبِيلِيَةَ يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ ابْنِ الْمُثَنَّى الْقُرْطُبِيِّ خَدَمْتُهَا سِنِينَ وَهِيَ تَزِيدُ فِي وَقْتِ خِدْمَتِي إِيَّاهَا عَلَى خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَكُنْتُ أَسْتَحِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهَا وَهِيَ فِي هَذَا السِّنِّ مِنْ حُمْرَةِ خَدَّيْهَا وَحُسْنِ نَعْمَتِهَا وَجَمَالِهَا تَحْسَبُهَا بِنْتَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ نَعْمَتِهَا وَلَطَافَتِهَا وَكَانَ لَهَا حَالٌ مَعَ اللَّهِ
- ¶ 94
وَكَانَتْ تُؤْثِرُنِي عَلَى كُلِّ مَنْ يَخْدُمُهَا مِنْ أَمْثَالِي وَتَقُولُ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ فُلَانٍ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ دَخَلَ بِكُلِّهِ لَا يَتْرُكُ مِنْهُ خَارِجًا عَنِّي شَيْئًا وَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِي خَرَجَ بِكُلِّهِ لَا يَتْرُكُ عِنْدِي مِنْهُ شَيْئًا وَسَمِعْتُهَا تَقُولُ عَجِبْتُ لِمَنْ يَقُولُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَلَا يَفْرَحُ بِهِ
- ¶ 95
وَهُوَ مَشْهُودُهُ عَيْنُهُ إِلَيْهِ نَاظِرَةٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ لَا يَغِيبُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَهَؤُلَاءِ الْبَكَّاؤُونَ كَيْفَ يَدَّعُونَ مَحَبَّتَهُ وَيَبْكُونَ أَمَا يَسْتَحْيُونَ إِذَا كَانَ قُرْبُهُ مُضَاعَفًا مِنْ قُرْبِ الْمُتَقَرِّبِينَ إِلَيْهِ وَالْمُحِبُّ أَعْظَمُ النَّاسِ قُرْبَةً إِلَيْهِ فَهُوَ مَشْهُودُهُ فَعَلَى مَنْ يَبْكِي إِنَّ هَذِهِ لَأُعْجُوبَةٌ ثُمَّ تَقُولُ لِي يَا وَلَدِي مَا تَقُولُ فِيمَا أَقُولُ فَأَقُولُ لَهَا يَا أُمِّي الْقَوْلُ قَوْلُكِ قَالَتْ إِنِّي وَاللَّهِ مُتَعَجِّبَةٌ لَقَدْ أَعْطَانِي حَبِيبِي فَاتِحَةَ الْكِتَابِ تَخْدُمُنِي فَوَاللَّهِ مَا شَغَلَتْنِي عَنْهُ فَذَلِكَ الْيَوْمَ عَرَفْتُ مَقَامَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لَمَّا قَالَتْ إِنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ تَخْدُمُهَا
- ¶ 96
فَبَيْنَا نَحْنُ قُعُودٌ إِذْ دَخَلَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ لِي يَا أَخِي إِنَّ زَوْجِي فِي شَرِيشِ شَذُونَةَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَتَزَوَّجُ بِهَا فَمَاذَا تَرَى قُلْتُ لَهَا وَتُرِيدِينَ أَنْ يَصِلَ قَالَتْ نَعَمْ فَرَدَدْتُ وَجْهِي إِلَى الْعَجُوزِ وَقُلْتُ لَهَا يَا أُمِّ أَلَا تَسْمَعِينَ مَا تَقُولُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ قَالَتْ وَمَا تُرِيدُ يَا وَلَدِي قُلْتُ قَضَاءَ حَاجَتِهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ وَحَاجَتِي أَنْ يَأْتِيَ زَوْجُهَا
- ¶ 97
فَقَالَتِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ إِنِّي أَبْعَثُ إِلَيْهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأُوصِيهَا أَنْ تَجِيءَ بِزَوْجِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَأَنْشَأَتْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَقَرَأَتْهَا وَقَرَأْتُ مَعَهَا فَعَلِمْتُ مَقَامَهَا عِنْدَ قِرَاءَتِهَا الْفَاتِحَةَ وَذَلِكَ أَنَّهَا تُنْشِئُهَا بِقِرَاءَتِهَا صُورَةً مُجَسَّدَةً هَوَائِيَّةً فَتَبْعَثُهَا عِنْدَ ذَلِكَ فَلَمَّا أَنْشَأَتْهَا صُورَةً سَمِعْتُهَا تَقُولُ لَهَا يَا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ تَرُوحِي إِلَى شَرِيشَ وَتَجِيئِي بِزَوْجِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَلَا تَتْرُكِيهِ حَتَّى تَجِيئِي بِهِ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَدْرَ مَسَافَةِ الطَّرِيقِ مِنْ مَجِيئِهِ فَوَصَلَ إِلَى أَهْلِهِ
- ¶ 98
وَكَانَتْ تَضْرِبُ بِالدُّفِّ وَتَفْرَحُ فَكُنْتُ أَقُولُ لَهَا فِي ذَلِكَ فَتَقُولُ لِي إِنِّي أَفْرَحُ بِهِ حَيْثُ اعْتَنَى بِي وَجَعَلَنِي مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَاصْطَنَعَنِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ أَنَا حَتَّى يَخْتَارَنِي هَذَا السَّيِّدُ عَلَى أَبْنَاءِ جِنْسِي وَعِزَّةِ صَاحِبِي لَقَدْ يَغَارُ عَلَيَّ غَيْرَةً مَا أَصِفُهَا مَا الْتَفَتُّ إِلَى شَيْءٍ بِاعْتِمَادٍ عَلَيْهِ عَنْ غَفْلَةٍ إِلَّا أَصَابَنِي بِبَلَاءٍ فِي ذَلِكَ الَّذِي الْتَفَتُّ إِلَيْهِ
- ¶ 99
ثُمَّ أَرَتْنِي عَجَائِبَ مِنْ ذَلِكَ فَمَا زِلْتُ أَخْدُمُهَا بِنَفْسِي وَبَنَيْتُ لَهَا بَيْتًا مِنْ قَصَبٍ بِيَدِي عَلَى قَدْرِ قَامَتِهَا فَمَا زَالَتْ فِيهِ حَتَّى دَرَجَتْ وَكَانَتْ تَقُولُ لِي أَنَا أُمُّكَ الْإِلَهِيَّةُ وَنُورُ أُمِّكَ التُّرَابِيَّةِ وَإِذَا جَاءَتْ وَالِدَتِي إِلَى زِيَارَتِهَا تَقُولُ لَهَا يَا نُورُ هَذَا وَلَدِي وَهُوَ أَبُوكِ فَبَرِّيهِ وَلَا تَعُقِّيهِ.
Translations, word glosses and term notes are AI-generated (Claude) and marked as such; no published translation is reproduced.Word analysis is automatic (CAMeL Tools), guided by the text's vowelling. How this text was established.