al-Amīr ʿAbd al-Qādir b. Muḥyī al-Dīn al-Jazāʾirī · Kitāb al-Mawāqif fī baʿḍ ishārāt al-Qurʾān ilā al-asrār wa-l-maʿārif
المواقف
The Book of Stations
Mawqif 89 · “A mercy to the worlds”
In briefAI
Starting from Q 21:107, “a mercy to the worlds”, the Emir says this mercy is the Prophet's reality, the Muhammadan Reality, which goes beyond his natural body. It is the first thing to issue from the Real, and its many names point to one thing, as “sword” and “blade” do. He gives the reason for each name, among them the Pen, the Heart, the First Intellect, the Light, the Mirror of the Real and the Perfect Human, and closes with the report that none knows this reality except the Lord.
Context: the “Muhammadan Reality” is, in the school of Ibn ʿArabī, the first principle through which things come to be. The Emir calls it an isthmus between the Necessary and the possible, qualified neither as the Real nor as creation; it names a metaphysical rank, distinct from the Prophet's bodily person.
See the print: Damascus 1966, p. 180, Damascus 1966, p. 181, Damascus 1966, p. 182, Damascus 1966, p. 183, Damascus 1966, p. 184, Damascus 1966, p. 185, Damascus 1966, p. 186, Damascus 1966, p. 187, Damascus 1966, p. 188, Damascus 1966, p. 189, Damascus 1966, p. 190, Damascus 1966, p. 191, Cairo, vol. 1, PDF p. 181, Cairo, vol. 1, PDF p. 182, Cairo, vol. 1, PDF p. 183, Cairo, vol. 1, PDF p. 184, Cairo, vol. 1, PDF p. 185, Cairo, vol. 1, PDF p. 186, Cairo, vol. 1, PDF p. 187, Cairo, vol. 1, PDF p. 188, Cairo, vol. 1, PDF p. 189, Cairo, vol. 1, PDF p. 190, Cairo, vol. 1, PDF p. 191, Cairo, vol. 1, PDF p. 192, Cairo, vol. 1, PDF p. 193 (archive.org)
قَالَ تَعَالَى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ».
He, exalted is He, said: “We have not sent you except as a mercy to the worlds” (Q 21:107).
اعْلَمْ أَنَّهُ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ اِرْسَالِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، هُوَ اِرْسَالُهُ مِنْ حَيْثُ ظُهُورُ جِسْمِهِ الشَّرِيفِ الطَّبِيعِيِّ فَقَطْ، وَاِنْ قَالَ بِهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ وَعَامَّتُهُمْ،
Know that what is meant by his being sent as a mercy to the worlds is not his being sent only with respect to the appearance of his noble natural body, even though the majority of the commentators, and their common run, hold this;
فَاِنَّهُ مِنْ هَٰذِهِ الْحَيْثِيَّةِ غَيْرُ عَامِّ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ الْعَالَمِينَ، فَاِنَّ الْعَالَمَ؛ اسْمٌ لِمَا سِوَى الْحَقِّ ـ تَعَالَى ـ،
for in this respect he is not universal in mercy to all the worlds, since “the world” is a name for whatever is other than the Real, exalted is He;
بَلِ الْمُرَادُ اِرْسَالُهُ مِنْ حَيْثُ حَقِيقَتُهُ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ الْحَقَائِقِ، وَمِنْ حَيْثُ رُوحُهُ الَّذِي هُوَ رُوحُ الْأَرْوَاحِ•
rather, what is meant is his being sent with respect to his reality, which is the Reality of realities, and with respect to his spirit, which is the Spirit of spirits.
فَاِنَّ حَقِيقَتَهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ هِيَ الرَّحْمَةُ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَعَمَّتْ هَٰذِهِ الرَّحْمَةُ حَتَّى أَسْمَاءَ الْحَقِّ ـ تَعَالَى ـ، مِنْ حَيْثُ ظُهُورُ آثَارِهَا وَمُقْتَضَيَاتِهَا بِوُجُودِ هَٰذِهِ الرَّحْمَةِ.
For his reality, God bless him and grant him peace, is the mercy that encompasses all things; and this mercy has covered even the names of the Real, exalted is He, with respect to the manifestation of their traces and of what they require through the existence of this mercy.
وَهَٰذِهِ الرَّحْمَةُ؛ هِيَ أَوَّلُ شَيْءٍ فَتَقَ ظُلْمَةَ الْعَدَمِ، وَأَوَّلُ صَادِرٍ عَنِ الْحَقِّ- تَعَالَى- بِلَا وَاسِطَةٍ، وَهِيَ الْوُجُودُ الْمُفَاضُ عَلَى أَعْيَانِ الْمُكَوَّنَاتِ،
This mercy is the first thing that split open the darkness of nonexistence, and the first to issue from the Real, exalted is He, without intermediary; it is the existence poured out upon the entities of the things brought into being.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: «اَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ؛ نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ».
It has come in the report: “The first thing God created is the light of your Prophet, O Jābir.”
وَلِهَٰذِهِ الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ وُجُوهِهَا وَاعْتِبَارَاتِهَا، وَاَذْكُرُ طَرَفاً مِنْهَا، لِيَكُونَ نَمُوذَجاً لِمَا لَمْ أَذْكُرْهُ،
This Muhammadan Reality has many names, by reason of the many aspects and respects it has; I shall mention some of them, so that they may serve as a sample of what I do not mention.
فَاِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يُطَالِعُونَ كُتُبَ الْقَوْمِ- رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- حِينَ يَرَوْنَ هَٰذِهِ الْأَسْمَاءَ الْكَثِيرَةَ؛ يَظُنُّونَ أَنَّهَا لِمُسَمَّيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ،
For many of the people who read the books of the Folk, God's good pleasure be upon them, on seeing these many names suppose that they belong to many different things named;
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَٰلِكَ؛ وَاِنَّمَا هِيَ مِثْلُ: السَّيْفِ، وَالصَّارِمِ، وَالْقَضِيبِ، وَالْهِنْدُوَانِيِّ، وَالْأَبْيَضِ، وَالصَّقِيلِ، وَالْمُحَدَّدِ... وَنَحْوِ ذَٰلِكَ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ.
but the matter is not so: they are like “the sword”, “the cutter”, “the blade”, “the Indian”, “the white”, “the polished”, “the sharpened” and the like, for one thing named.
مِنْهَا: التَّعَيُّنُ الْأَوَّلُ لِلْحَقِّ- تَعَالَى-.
Among them: the first determination of the Real, exalted is He.
وَلِذَا قِيلَ فِي حَدِّ الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ: اِنَّهَا الذَّاتُ مَعَ التَّعَيُّنِ الْأَوَّلِ،
That is why it has been said, in defining the Muhammadan Reality, that it is the Essence together with the first determination.
وَمِنْهَا: الْقَلَمُ الْأَعْلَى، وَمِنْهَا: أَمْرُ اللَّهِ، وَمِنْهَا: الْعَقْلُ الْأَوَّلُ، وَمِنْهَا: سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وَمِنْهَا: الْحَدُّ الْفَاصِلُ، وَمِنْهَا: مَرْتَبَةُ صُورَةِ الْحَقِّ، وَالْاِنْسَانُ الْكَامِلُ بِلَا تَعْدِيدٍ،
Among them: the Highest Pen; among them: the Command of God; among them: the First Intellect; among them: the Lote Tree of the Boundary; among them: the Dividing Limit; among them: the rank of the form of the Real, and the Perfect Human without numbering;
وَمِنْهَا: الْقَلْبُ، وَمِنْهَا: أُمُّ الْكِتَابِ، وَمِنْهَا: الْكِتَابُ الْمَسْطُورُ، وَمِنْهَا: رُوحُ الْقُدُسِ، وَمِنْهَا: الرُّوحُ الْأَعْظَمُ، وَمِنْهَا: التَّجَلِّي الثَّانِي، وَمِنْهَا: حَقِيقَةُ الْحَقَائِقِ، وَمِنْهَا: الْعَمَاءُ، وَمِنْهَا: الرُّوحُ الْكُلِّيُّ، وَمِنْهَا الْاِنْسَانُ الْكَامِلُ، وَمِنْهَا: الْاِمَامُ الْمُبِينُ،
among them: the Heart; among them: the Mother of the Book; among them: the Inscribed Book; among them: the Holy Spirit; among them: the Greatest Spirit; among them: the second self-disclosure; among them: the Reality of realities; among them: the Cloud; among them: the Universal Spirit; among them the Perfect Human; among them: the Clear Register;
وَمِنْهَا : الْعَرْشُ الَّذِي اسْتَوَى عَلَيْهِ الرَّحْمَٰنُ ، وَمِنْهَا : مِرْآةُ الْحَقِّ ، وَمِنْهَا : الْمَادَّةُ الْأُولَى ، وَمِنْهَا : الْمُعَلِّمُ الْأَوَّلُ ، وَمِنْهَا : نَفَسُ الرَّحْمَٰنِ ، بِفَتْحِ الْفَاءِ ، وَمِنْهَا : الْفَيْضُ الْأَوَّلُ ، وَمِنْهَا : الدُّرَّةُ الْبَيْضَاءُ وَمِنْهَا : مِرْآةُ الْحَضْرَتَيْنِ ، وَمِنْهَا : الْبَرْزَخُ الْجَامِعُ ،
وَمِنْهَا : وَاسِطَةُ الْفَيْضِ وَالْمَدَدِ ، وَمِنْهَا : حَضْرَةُ الْجَمْعِ ، وَمِنْهَا : الْوَصْلُ ، وَمِنْهَا : مَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ ، وَمِنْهَا : مِرْآةُ الْكَوْنِ ، وَمِنْهَا : مَرْكَزُ الدَّائِرَةِ ، وَمِنْهَا : الْوُجُودُ السَّارِي ، وَمِنْهَا : نُورُ الْأَنْوَارِ ، وَمِنْهَا : الظِّلُّ الْأَوَّلُ ، وَمِنْهَا : الْحَيَاةُ السَّارِيَةُ فِي كُلِّ مَوْجُودٍ ، وَمِنْهَا : حَضْرَةُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ، وَمِنْهَا : الْحَقُّ الْمَخْلُوقُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ ... اِلَى غَيْرِ ذَٰلِكَ ، مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ .
فَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِمَرْتَبَةِ الْحَقِّ ، وَالْاِنْسَانِ الْكَامِلِ بِلَا تَعْدِيدٍ ؛ فَلِأَنَّ صُورَةَ الْحَقِّ هِيَ صُورَةُ عِلْمِهِ بِذَاتِهِ ، وَصُورَةُ الْعِلْمِ صُورَةُ نِسَبِ عِلْمِهِ ، وَصُورَةُ نِسَبِ عِلْمِهِ عِبَارَةٌ عَنْ تَعَيُّنَاتِ وُجُودِهِ الَّتِي هِيَ أَحْوَالُهُ مِنْ حَيْثُ تَعَدُّدُهَا ، وَعَيْنُهُ مِنْ حَيْثُ تَوَحُّدُهَا •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْحَدِّ الْفَاصِلِ فَلِأَنَّهُ فَاصِلٌ بَيْنَ مَا تَعَيَّنَ مِنَ الْحَقِّ وَمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ • وَهُوَ مَجْلًي لِمَا تَعَيَّنَ مِنْهُ •
وَلَا بُدَّ مِنْ هَٰذَا الْحَدِّ الْفَاصِلِ لِيَبْقَى الِاسْمُ الظَّاهِرُ وَأَحْكَامُهُ عَلَى الدَّوَامِ • اِذْ لَوْلَاهُ ؛ لَطَلَبَ التَّفْصِيلُ الرُّجُوعَ اِلَى الْغَيْبِ ، وَالْاِجْمَالِ • اِذِ الْأَشْيَاءُ تَحِنُّ اِلَى أُصُولِهَا •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ؛ فَلِأَنَّهُ هُوَ الْبَرْزَخِيَّةُ الْكُبْرَى ، الَّتِي يَنْتَهِي اِلَيْهَا سَيْرُ الْكُمَّلِ وَأَعْمَالُهُمْ وَعُلُومُهُمْ • وَهِيَ نِهَايَةُ الْمَرَاتِبِ الْأَسْمَائِيَّةِ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْقَلْبِ ، فَلِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ ، مِنْهَا : أَنَّهُ لُبَابُ الْعَالَمِ وَزُبْدَةُ الْمَوْجُودَاتِ أَعَالِيهَا وَأَدَانِيهَا • وَقَلْبُ الشَّيْءِ ؛ خُلَاصَتُهُ•
وَمِنْهَا أَنَّهُ سَرِيعُ التَّقَلُّبِ، كَمَا قَالَ : كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ، وَمِنْهَا : أَنَّهُ قَلْبُ دَائِرَةِ الْوُجُودِ وَنُقْطَتُهَا • وَمِنْهَا ؛ أَنَّهُ قَلْبُ الْمُحْدَثَاتِ وَعَكْسُهَا ، بِمَعْنَى أَنَّهُ نُورٌ قَدِيمٌ اِلَهِيٌّ ، بِخِلَافِ الْمُمْكِنَاتِ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْعَقْلِ الْأَوَّلِ ؛ فَلِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَقَلَ عَنِ الْحَقِّ ـ تَعَالَى ـ أَمْرَهُ بِقَوْلِهِ : « كُنْ »
أَوْجَدَهُ ـ تَعَالَى ـ لَا فِي مَادَّةٍ وَلَا مَدٍّ ، عَالِماً بِذَاتِهِ ، عِلْمُهُ ذَاتُهُ لَا صِفَةٌ لَهُ ، فَهُوَ تَفْصِيلُ عِلْمِ الْاِجْمَالِ الْاِلَهِيِّ •
وَقَدْ وَرَدَ فِي خَبَرٍ : « اَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ » •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِأَمْرِ اللَّهِ ؛ فَلِأَنَّهُ الْكَلِمَةُ الْاِلَهِيَّةُ الْجَامِعَةُ الشَّامِلَةُ ، وَالْكَلَامُ صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ ، وَصِفَتُهُ ـ تَعَالَى ـ عَيْنُ ذَاتِهِ ، وَهُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ قَالَ تَعَالَى : « وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ » .
فَأَفْرَدَ وَقَالَ : « أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ » .
فَجَمَعَ • فَهُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ وَأُمُورٌ كَثِيرَةٌ • وَقَالَ : « إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ » .
فَتَأْكِيدُهُ « بِكُلٍّ » يَقْضِي بِتَعَدُّدِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَكَّدُ بِهَا ؛ اِلاَّ ذُو اَجْزَاءٍ •
وَمَا ذَاكَ ؛ اِلاَّ بِاعْتِبَارِ الْمَعْدُودَاتِ ، لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ •
وَأَمَّا كَوْنُهُ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ؛ فَلِأَنَّهُ، أَيْ أَمْرَ اللَّهِ ، لَا صُورَةَ لَهُ • وَهُوَ الظَّاهِرُ بِكُلِّ صُورَةٍ حِسِّيَّةٍ ، أَوْ عَقْلِيَّةٍ ، أَوْ خَيَالِيَّةٍ ، أَوْ مِثَالِيَّةٍ ، وَالصُّوَرُ لَا بَقَاءَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ آنٍ وَاحِدٍ ، لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ •
وَالْعَرَضُ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ•وَهَٰذَا هُوَ الْخَلْقُ الْجَدِيدُ دَائِماً ، الَّذِي النَّاسُ فِي لَبْسٍ مِنْهُ•
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْقَلَمِ الْأَعْلَى ؛ فَمِنْ حَيْثُ التَّسْطِيرُ وَالتَّدْوِينُ ، اِذْ هُوَ كَاتِبُ الْحَضْرَةِ الْاِلَهِيَّةِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي خَبَرٍ : « اَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ ؛ الْقَلَمُ » •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْحَقِّ الْمَخْلُوقِ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ ؛ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ اِلاَّ ظُهُورَ الْحَقِّ وَتَعَيُّنَهُ ، فَهُوَ حَقٌّ ، وَالظُّهُورُ وَالتَّعَيُّنُ عَدَمٌ ، فَهُوَ خَلْقٌ •
وَلَمَّا ظَهَرَ الْحَقُّ ـ تَعَالَى ـ بِهِ ؛ جَعَلَهُ شَرْطاً وَسَبَباً لِوُجُودِ كُلِّ مَوْجُودٍ بَعْدَهُ ، اِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ ، وَفَوَّضَ الْحَقُّ اِلَيْهِ أَمْرَ الْمَمْلَكَةِ كُلِّهَا ، فَهُوَ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِاِرَادَتِهِ ـ تَعَالَى ـ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِحَضْرَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ؛ فَلِأَنَّهُ ـ تَعَالَى ـ لَمَّا اقْتَضَى لِذَاتِهِ اِيجَادَ الْعَالَمِ ؛ اقْتَضَى هَٰذَا الِاقْتِضَاءُ الْمَذْكُورُ انْقِسَامَ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ ، اِلَى طَالِبٍ وَمَطْلُوبٍ ، وَحَاضِرٍ وَمَحْضُورٍ ، وَلَا شَيْءَ اِلاَّ الذَّاتُ وَحْدَهَا ،
وَكُلُّ أَمْرَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ ؛ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَمْرٌ ثَالِثٌ ، لِيَتَمَيَّزَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ،فَظَهَرَتْ حَضْرَةُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنْ بَيْنِ هَاتَيْنِ الْحَضْرَتَيْنِ الْقَدِيمَتَيْنِ ، حَضْرَةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ ، وَالْحَاضِرِ وَالْمَحْضُورِ ،
فَوُصِفَ بِهَا الطَّالِبُ بِاعْتِبَارِ الْمَطْلُوبِ ، وَالْمَطْلُوبُ بِاعْتِبَارِ الطَّالِبِ ، فَظَهَرَ الْمَطْلُوبُ عَلَى صُورَةِ الطَّالِبِ، بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِهِ بِهَٰذِهِ الْأَوْصَافِ مَعَ تَبَايُنِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ بِالنَّظَرِ اِلَى ذَاتِ كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَاِنْ كَانَا ذَاتاً وَاحِدَةً فِي الْحَقِيقَةِ ،
فَحَقِيقَةُ الِاقْتِضَاءِ الذَّاتِيِّ ؛ هُوَ طَلَبُ الذَّاتِ حُضُورَهَا عِنْدَهَا ، بِطَلَبٍ هُوَ عَيْنُ ذَاتِهَا ، مِثْلَ اقْتِضَائِهَا لِأَوْصَافِهَا •
وَاِلاَّ كَانَتْ أَوْصَافُهَا حَادِثَةً ، لِأَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لَهَا • وَأَوْصَافُهَا قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِأُمِّ الْكِتَابِ ؛ فَلِأَنَّ الْوُجُودَ مُنْدَرِجٌ فِيهَاانْدِرَاجَ الْحُرُوفِ فِي الدَّوَاةِ ، وَلَا تُسَمَّى الدَّوَاةُ بِاسْمِ شَيْءٍ فِي أَسْمَاءِ الْحُرُوفِ •
وَكَذَٰلِكَ أُمُّ الْكِتَابِ ، لَايُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْوُجُودِ وَلَا الْعَدَمِ ، فَلَا يُقَالُ : أَنَّهَا حَقٌّ وَلَا خَلْقٌ ، وَلَا عَيْنٌ وَلَا غَيْرٌ ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مَحْصُورَةٍ حَتَّى يُحْكَمَ عَلَيْهَا بِحُكْمٍ ،
وَلَٰكِنَّهَا مَاهِيَّةٌ لَا تَنْحَصِرُ بِعِبَارَةٍ اِلاَّ وَلَهَا ضِدُّ تِلْكَ الْعِبَارَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ •
وَهِيَ مَحَلُّ الْأَشْيَاءِ ، وَمَصْدَرُ الْوُجُودِ • فَالْكِتَابُ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ ، وَهَٰذِهِ الْحَقِيقَةُ ، كَالَّذِي تَوَلَّدَ الْكِتَابُ مِنْهَا •
فَلَيْسَ الْكِتَابُ اِلاَّ أَحَدَ وَجْهَيْ هَٰذِهِ الْحَقِيقَةِ ، اِذِ الْوُجُودُ أَحَدُ وَجْهَيْهَا ، وَالْعَدَمُ هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي ، فَلِهَٰذَا مَا قَبِلَتِ الْعِبَارَةَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّهُ مَا فِيهَا وَجْهٌ اِلاَّ وَهِيَ ضِدٌّهُ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْكِتَابِ الْمَسْطُورِ ؛ فَلِاَنَّهُ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ عَلَى تَفَارِيعِهِ وَأَقْسَامِهِ ، وَاعْتِبَارَاتِهِ الْحَقِّيَّةِ وَالْخَلْقِيَّةِ ، وَهُوَ مَسْطُورٌ ، أَيْ مَوْجُودٌ مَشْهُودٌ•
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِرُوحِ الْقُدُسِ ؛ فَلِأَنَّهُ الرُّوحُ الْمُقَدَّسُ عَنِ النَّقَائِصِ الْكَوْنِيَّةِ ، فَهُوَ رُوحٌ لَا كَالْأَرْوَاحِ ، لِأَنَّهُ رُوحُ اللَّهِ كَمَا قَالَ : « وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي⁽¹⁾ » .
وَرُوحُ اللَّهِ ذَاتُهُ • فَالْوُجُودُ كُلُّهُ قَائِمٌ بِرُوحِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ ذَاتُهُ • فَرُوحُ اللَّهِ قَدِيمٌ ، وَمَا سِوَاهُ –تَعَالَى– مُحْدَثٌ•
فَالْاِنْسَانُ مَثَلاً لَهُ رُوحٌ مَخْلُوقٌ بِهِ قَامَتْ صُورَتُهُ • وَلِذَٰلِكَ الرُّوحِ الْمَخْلُوقِ رُوحٌ اِلَهِيٌّ ، قَامَ بِهِ ذَٰلِكَ الرُّوحُ ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالرُّوحِ الْأَعْظَمِ ؛ فَلِأَنَّهُ رُوحُ الْأَرْوَاحِ ، اِذِ الْأَرْوَاحُ الْجُزْئِيَّةُ لِكُلِّ صُورَةٍ جِسْمِيَّةٍ ، أَوْ رُوحِيَّةٍ ، أَوْ عَقْلِيَّةٍ ، أَوْ خَيَالِيَّةٍ ، أَوْ مِثَالِيَّةٍ ؛ اِنَّمَا هِيَ فَائِضَةٌ مِنْهُ •
وَتَسْمِيَتُهَا أَرْوَاحاً جُزْئِيَّةً ؛ مَجَازٌ اِذْ لَا جُزْءَ ، وَلَا كُلَّ ، وَلَا بَعْضَ ، وَلَا مَعْدُودَ ، اِلَّا بِحَسَبِ الصُّـوَرِ لَا غَيْرُ ، كَمَا عُـدِّدَتِ الْأَمَاكِنُ ، وَالْأَزْمَانُ ، وَالْأَبْوَابُ ، وَالطَّاقَاتُ ، وَالْخُرُوقُ لِلشَّمْسِ ، وَهِيَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالتَّجَلِّي الثَّانِي ؛ فَبِالنِّسْبَةِ اِلَى التَّجَلِّي الْأَحَدِيِّ الْأَوَّلِ ،
اِذْ هَٰذَا التَّجَلِّي الثَّانِي ؛ بِهِ وَفِيهِ ظَهَرَتْ أَعْيَانُ الْمُمْكِنَاتِ الثَّابِتَةُ ، الَّتِي هِيَ شُؤُونُ الذَّاتِ لِذَاتِهِ – تَعَالَى – وَهُوَ التَّعَيُّنُ الْأَوَّلُ بِصِفَةِ الْعَالِمِيَّةِ وَالْقَابِلِيَّةِ •
لِأَنَّ الْأَعْيَانَ الثَّابِتَةَ مَعْلُومَاتُهُ الْأُولَى الذَّاتِيَّةُ الْقَابِلَةُ لِلتَّجَلِّي الشُّهُودِيِّ ، وَلِلْحَقِّ بِهَٰذَا التَّجَلِّي• تَنَزُّلٌ مِنَ الْحَضْرَةِ الْأَحَدِيَّةِ اِلَى الْحَضْرَةِ الْوَاحِدِيَّةِ ، بِالنِّسَبِ الْأَسْمَائِيَّةِ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِحَقِيقَةِ الْحَقَائِقِ ؛ فَلِأَنَّ كُلَّ حَقِيقَةٍ آلِهِيَّةٍ ، أَوْ كَوْنِيَّةٍ ؛ اِنَّمَا تَحَقَّقَتْ بِهِ ، اِذْ هَٰذِهِ الْحَقِيقَةُ لَا تَتَّصِفُ بِالْحَقِّيَّةِ ، وَلَا بِالْخَلْقِيَّةِ ، فَهِيَ ذَاتٌ مَحْضٌ ، لَاتُضَافُ اِلَى مَرْتَبَةٍ •
فَلَا تَقْتَضِي لِعَدَمِ الْاِضَافَةِ وَصْفاً ، وَلَا أَسْمَاءً •
وَلِذَا قَالَ أِمَامُنَا مُحْيِي الدِّينِ : « الْمَعْلُومَاتُ ثَلَاثَةٌ : الْحَقُّ تَعَالَى، وَالْعَالَمُ ، وَمَعْلُومٌ ثَالِثٌ ، لَا يُوصَفُ بِالْوُجُودِ ، وَلَا بِالْعَدَمِ ، وَلَا بِالْحَقِّ ، وَلَا بِالْخَلْقِ ، وَلَا بِالْحُدُوثِ ، وَلَا بِالْقِدَمِ ، وَلَا بِالْوُجُوبِ ، وَلَا بِالْاِمْكَانِ ، فَاِذَا وُصِفَ بِهِ الْحَقُّ فَهُوَ حَقٌّ ، وَاِذَا وُصِفَ بِهِ الْقَدِيمُ فَهُوَ قَدِيمٌ ، وَاِذَا وُصِفَ بِهِ الْحَادِثُ فَهُوَ حَادِثٌ ، وَهَٰكَذَا •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْعَمَاءِ فَلِأَنَّ الْعَمَا فِي اللُّغَةِ السَّحَابُ الرَّقِيقُ ، وَرَدَ فِي الْخَبَرِ : « كَانَ رَبُّنَا فِي عَمَاءٍ ، مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ ، وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ » •
يَعْنِي لَاصِفَةَ حَقٍّ ، وَلَا صِفَةَ خَلْقٍ ، عَلَى أَنَّ « مَا » نَافِيَةٌ ،
وَيَصِحُّ أَنْتَكُونَ « مَا » مَوْصُولَةً ، أَيِ الَّذِي تَحْتَهُ هَوَاءٌ ، وَفَوْقَهُ هَوَاءٌ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَقّاً ، وَأَنْ يَكُونَ خَلْقاً ، فَالْعَمَاءُ ؛ مُقَابِلٌ لِلْأَحَدِيَّةِ •
وَلَايَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَمَاءُ هُوَ الْأَحَدِيَّةَ ، لِأَنَّ الْأَحَدِيَّةَ حُكْمُ الذَّاتِ فِي الذَّاتِ ، بِمُقْتَضَى التَّعَالِي • وَهُوَ الْبُطُونُ الذَّاتِيُّ الْأَحَدِيُّ •
وَالْعَمَاءُ حُكْمُ الذَّاتِ بِمُقْتَضَى الْاِطْلَاقِ ، فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ تَعَالٍ وَلَا تَدَانٍ •
فَالْأَحَدَّيَّةُ صَرَافَةُ الذَّاتِ بِحُكْمِ التَّجَلِّي ، وَالْعَمَاءُ صَرَافَةُ الذَّاتِ بِحُكْمِ الِاسْتِتَارِ •
فَالْعَمَاءُ هُوَ الْمُمْكِنَاتُ وَالظَّاهِرُ فِيهَا هُوَ الْحَقُّ• وَالْعَمَاءُ هُوَ الْحَقُّ ، وَسُمِّيَ الْحَقَّ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ نَفَسِ الرَّحْمَٰنِ •
وَالنَّفَسُ مَبْطُونٌ فِي الْمُتَنَفِّسِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ بَاطِنُ الْمُتَنَفِّسِ ؛ فَظَهَرَ • فَالْعَمَاءُ هُوَ الِاسْمُ الظَّاهِرُ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالنُّورِ ؛ فَلِأَنَّهُ وَرَدَ : « اَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ »
وَالنُّورُ نُورَانِ ، نُورُ الْحَقِّ ، وَهُوَ الْغَيْبُ الْمُطْلَقُ الْقَدِيمُ•وَنُورُ الْعَالَمِ الْمُحْدَثِ، وَهُوَ نُورُ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ نُورِهِ ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ، فَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ حَيْثُ الْمَاهِيَّةُ، وَكُلُّ شَيْءٍ غَيْرُهُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ•
وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ : « اَنَا مِنْ رَبِّي وَالْمُؤْمِنُونَ مِنِّي » •
وَاِنَّمَا خَصَّ الْمُؤْمِنِينَ لِلتَّشْرِيفِ•
وَاِلاَّ ؛ فَكُلُّ الْخَلْقِ مِنْهُ، مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ،
وَلِهَذَا كَانَ الْكُمَّلُ يَشْهَدُونَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الدَّوَامِ ، حَتَّى قَالَ الْمُرْسُيُّ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – لَوِ احْتَجَبَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْــهِ وَسَلَّمَ – طَرْفَــةَ عَيْنٍ ؛ مَا عَدَدْتُ نَفْسِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ •
فَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الِاحْتِجَابِ ؛ دَوَامُ شُــهُودِ سَرَيَانِ حَقِيقَتِهِ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ ، لَا شَخْصِهِ الشَّــرِيفِ ،
وَاِنِّي أَيَّامَ مُجَاوَرَتِي بِالْمَدِينَــةِ الْمُشَرَّفَةِ ، كُنْتُ لَيْلَةً فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ ، قُرْبَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ ، فَطَرَأَ عَلَيَّ حَالٌ ، فَسَالَتْ دُمُوعِي ، وَاشْتَعَلَتْ نَارُ مَحَبَّةِ رُؤْيَتِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي قَلْبِي ،
فَقَالَ لِي فِي الْحِينِ : أَلَسْتَ تَرَانِي فِي كُلِّ شَيْءٍ ؟! فَحَمِدْتُ اللَّهَ •
وَلَا يُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ حُلُولٌ وَلَا تَجْزِئَةٌ ، وَلَا جُزْئِيَّةٌ •
فَاِنَّ مَعْنَى اِيقَادِ السِّرَاجِ مِنْ نُورِ سِرَاجٍ آخَرَ ؛ أَنَّ الْأَوَّلَ أَثَّرَ فِي الثَّانِي ، فَظَهَرَ الثَّانِي عَلَى صُورَةِ الْأَوَّلِ •
بَلِ الثَّانِي عَيْنُ الْأَوَّلِ ، ظَهَرَ فِي فَتِيلَةٍ ثَانِيَةٍ ، مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ عَنِ الْأَوَّلِ •
وَهَذَا غَايَةُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْوِجْدَانِ فِي التَّفْهِيمِ ، فَافْهَمِ السِّرَّ وَاحْذَرِ الْغَلَطَ ، وَاِذَا عَرَفْتَ؛ فَاحْمَدِ اللَّهَ ، وَاِلاَّ ؛ آمِنْ بِهِ عَلَى مُرَادِ أَهْلِهِ وَذَوْقِهِمْ ، فَاِنَّهُمُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِمِرْآةِ الْحَقِّ ؛ فَلِأَنَّ الْحَقَّ –تَعَالَى– ، رَأَى نَفْسَهُ فِيهَا ،اِذِ الْحَقُّ شَاءَ أَنْ يَرَى ذَاتَهُ فِي صُورَةِ كَوْنٍ جَامِعٍ ؛ فَظَهَرَ بِذَاتِهِ فِي الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَقَدَّرَ الصُّوَرَ كُلَّهَا فِيهَا ، كَمَا هِيَ فِي عِلْمِهِ •
فَقَامَتْ لَهُ نَفْسُهُ فِي صُورَةِ الْمُغَايَرَةِ، مَقَامَ الْمِرْآةِ مِنْ غَيْرِ انْفِصَالٍ وَلَا تَعْدَادٍ ، لِأَنَّ الصُّورَةَ فِي الْمِرْآةِ ؛ لَيْسَتْ اِلاَّ صُورَةَ النَّاظِرِ فِيهَا ، الْمُتَوَجِّهِ عَلَيْهَا ، وَلَيْسَتْ هِيَ صُورَةَ النَّاظِرِ بِعَيْنِهَا •
فَلَمَّا نَظَرَ الْحَقُّ اِلَيْهَا ؛ ظَهَرَ كُلُّ مَا فِي الصُّورَةِ الْآلَهِيَّةِ فِي تِلْكَ الْمِرْآةِ ، الَّتِي هِيَ نَفْسُ الْحَقَّ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَالْحَقِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ فِي الْخَلْقِ الْأَوَّلِ، وَحَقَائِقُ الْعَالَمِ فِي حَضْرَةِ التَّفْصِيلِ،
فَنَظَرَ الْحَقُّ فِيهَا ، فَرَآى نَفْسَهُ ظَاهِراً فِيهَا بِجَمِيعِ مَعْلُومَاتِهِ ، مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ وَلَا اتِّحَادٍ فَخَاطَبَ مَعْلُومَاتِهِ الَّتِي كَسَاهَا حُلَّةَ وُجُودِهِ « بِكُنْ » فَكَانَتْ لَا نَفْسَهَا •
وَفِي الْحَقِيقَةِ ؟ مَا خَاطَبَ اِلَّا نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِمِرْآةِ الْكَوْنِ ؟ فَلِأَنَّ الْأَكْوَانَ وَأَحْكَامَهَا وَأَوْصَافَهَا ؟ لَمْ تَظْهَرْ اِلاَّ فِيهِ ، وَهُوَ مُخْتَفٍ بِظُهُورِهَا كَمَا تَخْتَفِي الْمِرْآةُ بِظُهُورِ الصُّوَرِ فِيهَا •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالظِّلِّ الْأَوَّلِ ؟ فَلِأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ بِتَعَيُّنَاتِ الْأَعْيَانِ الْمُمْكِنَةِ وَأَحْكَامِهَا ، الَّتِي هِيَ مَعْدُومَاتٌ ظَهَرَتْ بِمَا نُسِبَ اِلَيْهَا مِنَ الْوُجُودِ ، فَسَتَرَ ظُلْمَةَ عَدَمِهَا ، النُّورُ الظَّاهِرُ بِصُوَرِهَا ، وَصَارَ ظِلّاً لِظُهُورِ الظِّلِّ بِالنُّورِ وَعَدَمِيَّتِهِ فِي نَفْسِهِ•
قَالَ تَعَالَى : « أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ⁽¹⁾ » .
أَيْ بَسَطَ الْوُجُودَ عَلَى الْمُمْكِنَاتِ•
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ ؟ فَلِأَنَّهُ مَجْمَعُ بَحْرَيِ الْوُجُوبِ وَالْاِمْكَانِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ اجْتِمَاعِ الْأَسْمَاءِ الْآلَهِيَّةِ وَالْحَقَائِقِ الْكَوْنِيَّةِ فِيهِ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْمَادَّةِ الْأُولَى ، أَيْ هَيُولَى الْكُلِّ ؟ فَلِأَنَّهُ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ تَعَيَّنَ فِي الْحَضْرَةِ الْغَيْبِيَّةِ ، وَتَفَصَّلَ مِنْهُ جَمِيعُ مَا فِي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ ، مِنْ جَلِيلٍ وَحَقِيرٍ •
فَهِيَ هَيُولَى الْعَالَمِ ، أَيِ الْمَادَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ ، الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ الْمَوْجُودَاتِ ، وَلَا تَخْلُو عَنْهَا صُورَةٌ فِي الْعَالَمِ، كَمَا تَقُولُ الْفَلَاسِفَةُ فِي الْهَيُولَى ، وَهِيَ الْجَوْهَرُ الَّذِي تَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْأَجْسَامُ عِنْدَهُمْ •
لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ ، مِنْهَا مَا خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ فِي الْاِيجَادِ ، وَلَيْسَ اِلاَّ الْمَادَّةَ الْأُولَى الَّتِي ظَهَرَتْ عَنْ حَضْرَةِ اللَّائِقِينَ ، وَجَعَلَهَا سَبَباً لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِظَاهِرِ الْوُجُودِ ؟ فَلِأَنَّ الْوُجُودَ مُنْقَسِمٌ بِالِاعْتِبَارِ اِلَى ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ •
فَبَاطِنُ الْوُجُودِ ؟ هُوَ الْغَيْبُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا يُسَمَّى وَلَا يُوصَفُ•
وَأَمَّا ظَاهِرُ الْوُجُودِ ؟ فَهُوَ ظُهُورُ الْوُجُودِ الْحَقِّ بِأَعْيَانِ الْمُمْكِنَاتِ ، أَعْنِي أَحْكَامَهَا وَصِفَاتِهَا ، وَهُوَ الْوُجُودُ الْاِضَافِيُّ ، أَيِ الْمُضَافُ اِلَى الْمُمْكِنَاتِ •-
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْعَرْشِ الَّذِي اسْتَوَى عَلَيْهِ الرَّحْمَنُ؛ فَلِأَنَّهُ مَظْهَرٌ لِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ مِنْ جَلَالٍ وَجَمَالٍ ، فَاسْتَوَى عَلَيْهِ كَمَا يَعْلَمُ ، لَا كَمَا نَعْلَمُ نَحْنُ ،
وَلِأَنَّ الْعَرْشَ مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ ، فِي قَوْلٍ . أَوْ هُوَ جُمْلَةُ الْعَالَمِ ، فِي قَوْلٍ .
وَالْمَخْلُوقُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ ؛ يُشْبِهُ الْعَرْشَ فِي وَجْهِ الْاِحَاطَةِ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي خَبَرٍ :
« أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ : الْعَرْشُ » .
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِمَرْكَزِ الدَّائِرَةِ ؛ فَالْمُرَادُ بِالدَّائِرَةِ الْأَكْوَانُ كُلُّهَا ، وَالْمَرْكَزُ هُوَ الْقُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ ، كَقُطْبِ الرَّحَى الَّذِي هُوَ مَاسِكٌ لَهَا ، وَلَوْلَا اسْتِقَامَتُهُ مَا اسْتَقَامَتْ عَلَى وَزْنٍ وَاحِدٍ .
فَلِأَنَّهُمْ نَظَرُوا اِلَى كُلِّ خَطٍّ يَخْرُجُ مِنَ النُّقْطَةِ اِلَى الْمُحِيطِ .
فَالنُّقْطَةُ ؛ هِيَ مَحَطُّ فَخِذِ الْبِيكَارِ الْأَوَّلِ ، وَالْمُحِيطُ هُوَ مَحَطُّ فَخِذِ الْبِيكَارِ الثَّانِي ، وَلَهُ شُعْبَتَانِ لِحَمْلِ الْمِدَادِ الَّذِي تَكَوَّنُ عَنْهُ صُورَةُ الدَّائِرَةِ .
لَكِنَّهُ لَايَدُورُ اِلَّا عَلَى الْفَخِذِ الْأَوَّلِ ، الرَّاكِزِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِدَارَةٍ وَلَا مِدَادٍ فِيهِ ، لَكِنَّهُ يَمُدُّ مَا فِيهِ الْمِدَادُ ، بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَى حَرَكَتِهِ الدَّوْرِيَّةِ .
فَلِهَذَا يَخْرُجُ كُلُّ خَطٍّ مُسَاوِياً لِصَاحِبِهِ الَّذِي قَبْلَهُ وَالَّذِي بَعْدَهُ ، لِأَنَّ الدَّائِرَةَ كُلَّهَا نُقَطٌ وَخُطُوطٌ مُتَّصِلٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ .
فَنُقْطَةُ الْمَرْكَزِ ؛ تُقَابِلُ كُلَّ نُقْطَةٍ مِنْ نُقَطِ الدَّائِرَةِ بِكُلِّهَا .
وَكُلُّ نُقْطَةٍ مِنْ نُقَطِ الدَّائِرَةِ ؛ هِيَ عَيْنُ نُقْطَةِ الْمَرْكَزِ ، بِاعْتِبَارِ انْفِرَادِهَا وَمُقَابَلَتِهَا اِيَّاهَا ، فَهِيَ مُحِيطَةٌ بِكُلِّ نُقْطَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ :
وَلَيْسَتْ هِيَ نُقْطَةً مِنْ نُقَطِ الدَّائِرَةِ ، بِاعْتِبَارِ اسْتِدَارَتِهَا وَاتِّصَالِهَا بِمَا قَبْلَهَا وَبِمَا بَعْدَهَا .
فَهِيَ فِي هَذَا الْوَجْهِ ؛ مُغَايِرَةٌ لِكُلِّ نُقْطَةٍ .
فَاعْتَبِرْ ذَلِكَ فِي الْحَقِّ – تَعَالَى – فَالدَّائِرَةُ دَائِرَةُ الْأَكْوَانِ ، وَاتِّصَالُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ .
وَالْمَرْكَزُ اِشَارَةٌ اِلَى سُكُونِ الْأَمْرِ ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ ، تَحْتَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ، وَتَنْفِيذِ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِعِبَادِهِ .
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْوَصْلِ ؛ فَلِأَنَّهُ يَصِلُ الْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ حَتَّى تَتَّحِدَ . وَلِأَنَّهُ الْوَاصِلُ بَيْنَ الْبُطُونِ وَالظُّهُورِ .
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِوَاسِطَةِ الْفَيْضِ وَالْمَدَدِ ؛ فَلِأَنَّهُ هُوَ الرَّابِطُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْخَلْقِ ، بِمُنَاسَبَتِهِ لِلطَّرَفَيْنِ ، فَلَهُ وَجْهَانِ ، هُوَ فِي أَحَدِهِمَا حَقٌّ ، وَفِي الْآخَرِ خَلْقٌ .
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِنَفَسِ الرَّحْمَنِ ؛ فَلِكَوْنِهِ شَبِيهاً بِالنَّفَسِ الْخَارِجِ فِي الْجَوْفِ ، الْمُخْتَلِفِ بِصُورَةِ الْحُرُوفِ ، مَعَ كَوْنِهِ هَوَاءً سَاذَجاً فِي ذَاتِهِ •
وَنَظَراً اِلَى الْغَايَةِ الَّتِي هِيَ تَرْوِيحُ الْأَسْمَاءِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الِاسْمِ الرَّحْمَنِ عَنْ كَرْبِهَا ، وَهُوَ كُمُونُ الْأَشْيَاءِ ، وَكَوْنُهَا بِالْقُوَّةِ ، كَتَرْوِيحِ الْاِنْسَانِ بِالنَّفَسِ •
وَكَذَا الْحَقَائِقُ الْكَوْنِيَّةُ لِانْعِدَامِ أَعْيَانِهَا • وَاسْتِهْلَاكِ الْجَمِيعِ ، أَعْنِي النِّسَبَ وَالشُّؤُونَ الْاِلَهِيَّةَ وَالْكَوْنِيَّةَ فِي الْوَحْدَةِ الذَّاتِيَّةِ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْفَيْضِ الْأَوَّلِ ؛ فَلِأَنَّ الْحَقَّ ـ تَعَالَى ـ أَبْرَزَهُ مِنْ حَضْرَتِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَأَفَاضَهُ عَلَى عَيْنِ كُلِّ شَيْءٍ ، فَظَهَرَ كُلُّ شَيْءٍ مُمْتَدّاً مِنْهُ بِسَبَبِ فَيَضَانِهِ عَلَيْهِ •
وَحَمْلُهُمْ عَلَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ ؛ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْأَجْسَامَ بُيُوتاً مُظْلِمَةً ، فَاِذَا غَشِيَهَا نُورُ الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ؛ أَشْرَقَتْ وَأَضَاءَتْ بِالْأَنْوَارِ الْمُفَاضَةِ مِنْ هَذِهِ الْحَضْرَةِ ، الَّتِي هِيَ مِنْ حَضَرَاتِ الْحَقِّ تَعَالَى •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالدُّرَّةِ الْبَيْضَاءِ ؛ فَلِأَنَّهُ مَحَلُّ تَجَلِّي الْحَقِيقَةِ الْاِلَهِيَّةِ •
وَالتَّجَلِّي فِي الشَّيْءِ الصَّافِي الَّذِي مَا خَالَطَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَدْنَاسِ ؛ أَقْوَى وَأَرْقَى مَا يَكُونُ •
وَقَدْ وَرَدَ فِي خَبَرٍ : « أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ ؛ دُرَّةٌ بَيْضَاءُ » الْحَدِيثَ بِطُولِهِ •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِمِرْآةِ الْحَضْرَتَيْنِ ؛ فَلِأَنَّهُ مَحَلُّ ظُهُورِ حَضْرَةِ الْوُجُوبِ ، بِظُهُورِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ جَمِيعِهَا فِيهِ • وَمَحَلُّ ظُهُورِ حَضْرَةِ الْاِمْكَانِ ؛ بِظُهُورِ الْمُمْكِنَاتِ ، كُلِّهَا صُوَرِهَا وَأَوْصَافِهَا وَأَحْكَامِهَا فِيهِ •
فَهُوَ مِرْآةٌ لِعَيْنِ الذَّاتِ • وَلِمَا تَعَيَّنَ فِيهَا وَبِهَا •
وَنِسْبَةُ مَا تَعَيَّنَ لِمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ ؛ نِسْبَةُ مَا يَتَنَاهَى اِلَى مَا لَايَتَنَاهَى •
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ ؛ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَوَّلُ مَوْجُودٍ ظَهَرَ فِي الْغَيْبِ ، بِاعْتِبَارِ نَشْأَتِهِ الْبَاطِنَةِ ، وَهُوَ الرُّوحُ الْكُلُّ • وَأَوَّلُ مُعَلِّمٍ ظَهَرَ فِي الْاِرْشَادِ ، بِاعْتِبَارِ نَشْأَتِهِ الظَّاهِرَةِ •
فَعَلَّمَ الْمَلَائِكَةَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وَمَا عَلِمَ الْأَسْمَاءَ اِلاّ مِنْ نَفْسِهِ ، بِأَنْ كَشَفَ الْحَقُّ لَهُ عَنْ ذَاتِهِ ؛ فَوَجَدَهَا مَجْمُوعَ الْأَسْمَاءِ •
فَالْحَقِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ ؛ مَجْمُوعَةُ صُورَةِ آدَمَ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ •
وَاِنِّي وَاِنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شَاهِدٌ بِأُبُوَّتِي
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْاِمَامِ الْمُبِينِ ؛ فَلِأَنَّهُ فَصَّلَ الْمَوْجُودَاتِ ، وَبَيَّنَ أَعْيَانَهَا بِظُهُورِهِ فِيهَا ، كَمَا بَيَّنَ الْحِبْرُ الْحُرُوفَ وَالْكَلِمَاتِ .
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالرُّوحِ الْكُّلِّ ؛ فَلِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرِّيحِ .
وَحِكْمَةُ الْمُنَاسَبَةِ ؛ أَنَّ الرِّيحَ لَيْسَتْ لَهُ صُورَةٌ يُعْرَفُ بِهَا ، اِلاّ مِنْ حَيْثُ مُرُورُهُ عَلَى الْأَشْيَاءِ فَيُحَرِّكُهَا ، وَكَذَلِكَ الرُّوحُ ، يَهُبُّ فِي مَطْلَعِ الْأَحَدِيَّةِ اِلَى مَرْتَبَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ، فَيَحْمِلُ مِنْهَا الْعُلُومَ وَالْأَسْرَارَ ، وَيَنْزِلُ اِلَى عَالَمِ الْعَنَاصِرِ وَالصُّوَرِ وَالْأَعْيَانِ الْمُفَصَّلَةِ ؛ فَيُحَرِّكُهَا عَلَى حَسَبِ قَوَابِلِهَا وَاسْتِعْدَادَاتِهَا .
وَيُنْفِذُ الرُّوحُ فِيهَا ذَلِكَ؛ عَلَى حَسَبِ مُرَادِ اللَّهِ–تَعَالَى– ، اِذْ هُوَ أَمْرُ اللَّهِ الْقَائِمُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ كَلَمْحِ الْبَصَرِ .
وَالرُّوحُ يَتَرَدَّدُ دَائِماً بَيْنَ شُعَائِهِ ، أَيْ أَثَرِ نُورِهِ الصَّادِرِ عَنْهُ ، كَصُدُورِ الشُّعَاعِ الصَّادِرِ مِنْ قُرْصِ الشَّمْسِ .
وَالْمُرَادُ بِالشُّعَاعِ الصَّادِرِ عَنِ الرُّوحِ ؛ الْعَقْلُ وَالنَّفْسُ . وَسَائِرُ الْقُوَى الرُّوحَانِيَّةِ ،
وَبَيْنَ ضِيَائِهِ ، أَيْ نُورِهِ الْكُلِّيِّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ كَقُرْصِ الشَّمْسِ .
وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا : وُجُودُ الْحَقِّ الْمُحِيطُ بِالرُّوحِ الْكُلِّ ، فَلِذَلِكَ نَقُولُ : الرُّوحُ لَهُ وَجْهَانِ ، وَجْهٌ اِلَى أَصْلِهِ وَهُوَ الْحَقُّ ، وَوَجْهٌ اِلَى فَرْعِهِ وَهُوَ الْخَلْقُ ،
فَيَأْخُذُ الْأَمْرَ مِنَ الْحَقِّ ، وَيَكْتُبُهُ بِقَلَمِ الْعَقْلِ ، فِي لَوْحِ النَّفْسِ ؛ فَتَقْرَأُهُ الْأَعْضَاءُ أَقْوَالاً وَأَعْمَالاً ،
وَاِنَّمَا قِيلَ فِيهِ « كُلِّيٌّ » ، لِأَنَّهُ قَائِمٌ عَلَى جَمِيعِ الصُّوَرِ ، وَمُحِيطٌ بِهَا ،
فَأَهْلُ اللَّهِ يَنْظُرُونَ بِعِلْمِهِمْ ، فَيَجِدُونَ الْعَالَمَ كُلَّهُ أَرْوَاحاً مُقَدَّسَةً ، وَأَسْرَاراً مُسْتَتِرَةً .
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِبَرْزَخِ الْبَرَازِخِ ؛ فَلِأَنَّهُ لَايُغَايِرُ حَقِيقَةَ الْوَاجِبِ ، وَلَا الْمُمْكِنِ .
فَهُوَ جَامِعٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ ، اِذْ حَقِيقَةُ الْبَرْزَخِ ؛ أَنَّهُ الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ، لَايَكُونُ عَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا غَيْرَهُمَا ، وَلَا يَكُونُ اِلَّا مَعْقُولاً .
فَاِذَا كَانَ مَحْسُوساً؛ فَلَيْسَ بِبَرْزَخٍ ، وَهُوَ الْخَيَالُ ، وَهُوَ الْوَهْمُ ، وَهُوَ الَّذِي تَصِيرُ اِلَيْهِ الْأَرْوَاحُ بَعْدَ الْمَوْتِ .
فَالْكَلِمُ ثَلَاثٌ : كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِحُرُوفِ الْفَصْلِ وَالتَّأْثِيرِ ، الَّتِي هِيَ حَقَائِقُ الْوُجُوبِ .
وَكَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِحُرُوفِ الِانْفِعَالِ وَالتَّأَثُّرِ ، وَهِيَ حَقِيقَةُ الْعَالَمِ .
وَكَلِمَةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَهُمَا ، فَاعِلَةٌ مُنْفَعِلَةٌ ، مُتَأَثِّرَةٌ مُؤَثِّرَةٌ ، وَهِيَ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ الْكُلِّيَّةُ .
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْوُجُودِ السَّارِي ؛ فَلِأَنَّهُ لَوْلَا سَرَيَانُ الْوُجُودِ الْحَقِّ فِي الْمَوْجُودَاتِ ، بِالصُّورَةِ الَّتِي هِيَ مِنْهُ ، وَهِيَ الْحَقِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ ؛ مَا كَانَ لِلْعَالَمِ ظُهُورٌ ، وَلَا صَحَّ وُجُودٌ لِمَوْجُودٍ ، لِبُعْدِ الْمُنَاسَبَةِ وَعَدَمِ الِارْتِبَاطِ ، فَمَا صَحَّ نِسْبَةُ الْوُجُودِ لِلْمَوْجُودَاتِ ؛ اِلاَّ بِوَاسِطَةِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ .
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْاِنْسَانِ الْكَامِلِ ؛ فَلِأَنَّ كُلَّ اِنْسَانٍ كَامِلٍ ، مِنْ حَيْثُ صُورَتُهُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ ؛ مَظْهَرٌ لَهُ وَلِلَوَازِمِهِ .
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالْخِزَانَةِ الْجَامِعَةِ؛ فَلِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ ـ تَعَالَى ـ بِأَسْمَائِهِ، وَبِحَقَائِقِ الْعَالَمِ . فَكُلُّ مَا خَرَجَ مِنَ الْغَيْبِ ؛ فَمَحَلُّهُ هَذِهِ الْخِزَانَةُ الْجَامِعَةُ .
وَأَمَّا وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالصُّورَةِ الرَّحْمَانِيَّةِ ؛ فَلِأَنَّهَا الصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ لِذَاتِهَا ، الْحَاصِلَةُ فِي الِاجْتِمَاعِ الْأَوَّلِ الْاَسْمَائِيِّ ، فَهِيَ صُورَةُ الرَّحْمَنِ ، لِأَنَّ مَدْلُولَهُ مَنْ لَهُ الرَّحْمَةُ الْعَامَّةُ .
وَلَا شَيْءَ كَذَلِكَ اِلاَّ هَذِهِ الصُّورَةُ .
فَالرَّحْمَنُ ، اسْمٌ لِهَذِهِ الصُّورَةِ الْوُجُودِيَّةِ مِنْ حَيْثُ ظُهُورُهُ لِنَفْسِهِ ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ ـ تَعَالَى ـ ، مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ ، لَا مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ مُرْتَجَلٌ ؛ اسْمٌ لِرُتْبَةِ الْأُلُوهِيَّةِ الْجَامِعَةِ لِلْحَقَائِقِ .
وَيَكْفِي هَذَا الْقَدْرُ مِنْ ذِكْرِ أَسْمَاءِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِمَنْ فَهِمَ ، فَاِنَّهَا بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ .
وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ عَنْهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : « لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتِي غَيْرُ رَبِّي » .
وَقَالَ الْعَارِفُ : الْكَبِيرُ أَعْجَزَ الْخَلَائِقَ ، فَلَمْ يُدْرِكْهُ مِنَّا سَابِقٌ، وَلَا لَاحِقٌ، يَعْنِي الْعِلْمَ بِحَقِيقَتِهِ .
Translations, word glosses and term notes are AI-generated (Claude) and marked as such; no published translation is reproduced.Word analysis is automatic (CAMeL Tools), guided by the text's vowelling. How this text was established.
Commentary and talks · 3 talks, 2 studies
Teachers and scholars on this mawqif, by other people and not AI. Talks open on YouTube at the moment the speaker reaches it; studies are cited and linked, never quoted. Which passage a talk treats was matched by AI against our Arabic and checked by AI. Links checked 2026-10-31.
Elias Amrouche (إلياس عمروش) · scholar and teacher, Zāwiya Balqāʾidiyya · from 0:06:16 · YouTube ↗
ما تكلَّم بِه الأَمِيرُ عبدُ القَادِرِ عن الحَقِيقةِ المُحَمّدِيّة - روضة المحبّين 2 / المحاضرة 07 · الزاوية البلقائدية
Gives the Emir's definition of the Muhammadan Reality and the "first created" hadiths (nūr nabiyyika, ʿamāʾ); Mawqif 089 is the best identified source, 366 also cited for the ʿamāʾ hadith. (medium confidence)
Elias Amrouche (إلياس عمروش) · scholar and teacher, Zāwiya Balqāʾidiyya · from 0:25:52 · YouTube ↗
01-الكمالات المحمّدية من كتاب المواقف العرفانية لسيدنا الأمير عبد القادر رضي الله عنه- د إلياس عمروش · الزاوية البلقائدية
Reads the Emir on "We sent you only as mercy to the worlds" (Mawqif 89). The siraj munir passage just before is Mawqif 202. (high confidence)
Miloud Ahmed Hamza (ميلود أحمد حمزة) · teacher, Zāwiya Balqāʾidiyya · from 0:07:12 · YouTube ↗
05 - جواهر الإمام العارف باللّه الأمير عبد القادر الجزائري - أ. ميلود أحمد حمزة · الزاوية البلقائدية
First "jewel": the Emir's tafsir of "mercy to the worlds" (Mawqif 89), read and glossed. (high confidence)
open to read (OpenEdition) · main: 86, 248, 89; discussed in the body: 86, 248; the rest cited in notes. Read in full, 31 Oct 2026
open to read (OpenEdition) · main: 89; discussed in the body: 89, 158, 358; the rest cited in notes. Read in full, 31 Oct 2026
Hear when new texts are published
Occasional news of a new text or a new layer. If there is a text you would like to read here, say so below.